انقسام معقد الملامح: انتهت معركة الاستفتاء لتبدأ معركة تركيا

صباح الإعلان عن نتائج الاستفتاء بشأن التعديلات الدستورية، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أضرحة كل من محمد الفاتح أحد أكبر قادة الدولة العثمانية ونجم الدين أربكان عراب الإسلام السياسي في تركيا وعدنان مندريس رئيس الوزراء التركي الذي انقلب عليه الجيش وأعدمه بتهمة قلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية وضريح الصحابي أبي أيوب الأنصاري، والمسجد الذي يحاذيه، وهو أول مسجد بناه العثمانيون في إسطنبول بعد فتح القسطنطينية. تلخص هذه الأماكن التي زارها الرئيس صباح أول يوم في تاريخ تركيا-الأردوغانية التوجهات المستقبلية للبلاد، حيث يمسك الرئيس رجب طيب أردوغان بزمام السلطة والسياسة والدين ويخطط لإعادة كتابة تاريخ تركيا من جديد.
الثلاثاء 2017/04/18
مشهد مفتوح على عدم الاستقرار

أنقرة - أي مراقب للشأن التركي كان يعرف أن أمر الاستفتاء على التعديلات الدستورية لم يكن مضمونا لحزب العدالة والتنمية الحاكم ولرئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، ومع ذلك فإن خارطة نتائج ذلك الاقتراع الشعبي حملت مفاجآت لم يكن يتوقعها عتاة المعارضين، على النحو الذي فتح الباب أمام استشراف تفاقم الصراع بين موالاة ومعارضة، وظهور أورام مقلقة تشي بانقسام مجتمعي، هو الأول على هذا النحو منذ تبوء حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002.

أظهر فرز الأصوات منذ اللحظات الأولى أن تركيا تفرج عبر هذا الاقتراع عن مكنونات كانت منضبطة.

بدا للمراقبين أن الأرقام والنسب تفصح عن انقلاب في المزاج الشعبي العام وعن غضب مما يروم أردوغان وحزبه جر البلاد إليه. فالكتلة الناخبة التي حملت الحزب الحاكم إلى احتلال مقاعده داخل المجالس المحلية أو ذلك التشريعي لأسباب تتعلق بظروف المكان والمنطقة وتفصيلات اللعبة الانتخابية، رفعت رايات التبرم حين كان جواب الاقتراع بسيطا مباشرا، نعم أم لا.

منّ حزب العدالة والتنمية النفس بنصر بنسبة لا تقل عن 55 بالمئة من الأصوات. جهد الرئيس أردوغان خلال الأيام التي سبقت الاقتراع بالإيحاء بحتمية النصر الكبير، فيما تنقل رئيس وزرائه بن علي يلدريم من تجمع إلى آخر ينفخ في وطنية المؤيدين ويذم في خيانة الرافضين.

بدا أن إرهاب الدولة قد تفشى، وأن إجراءات القمع التي اتخذتها الحكومة منذ محاولة الانقلاب في يوليو الماضي قد أصبحت سلوكا روتينيا داخل دولة استبداد، قبل أن تنقل الإصلاحات الدستورية نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، ولسان حال العامة يتساءل عما ينتظر تركيا بعد أن أفاقت على بلد بات يحكمه “سلطان” تتجمع في يده صلاحيات واسعة لا يمكن إلا أن تحوّل أي رئيس إلى دكتاتوري مستبد.

حين تصوت المدن الرئيسية في تركيا ضد التعديلات فذلك يعني أن الرئيس أردوغان تلقى صفعة من الكتل الحيوية الكبرى

ورغم الصدام بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، ورغم السجال الذي اندلع بين أردوغان وزعماء بعض الدول الأوروبية، ورغم الشتائم التي كالها الرئيس التركي للأوروبيين متهما إياهم بالنازية والفاشية والعنصرية، ورغم وضع أردوغان حملته في إطار الدفاع عن الإسلام والمسلمين، خصوصا الأتراك منهم، في أوروبا والخارج، إلا أن نتائج اقتراع الأتراك خارج تركيا لم تكن مختلفة كثيرا عن نسب الاقتراع في الداخل. وفي هذا ما يعبّر عن أن الانقسام الذي رشح عن نتائج الاستفتاء يطال المجتمع التركي برمته، وأن التوجس من تراجع الجمهورية لصالح السلطنة يعبر عن نفسه جيدا من خلال الأغلبية البسيطة التي حصلت عليها التعديلات الدستورية.

حين تصوّت المدن الرئيسية الكبرى في تركيا ضد التعديلات فذلك يعني أن الرئيس أردوغان تلقى صفعة من الكتل الحيوية في تركيا، وأن التعددية التي تتسم بها تلك المدن لا تؤمن بأحادية الفكر والحزب التي يسوقها الرئيس وحزبه. فإذا ما كان منتظرا أن تصوّت مدينة ديار بكر ذات الوجه الكردي الغالب ضد التعديلات، فكيف يفسر أردوغان سقوط مدينة إسطنبول، التي لطالما كانت معقله السياسي وملاذه الدائم في الشدائد، وكيف يفسر الرئيس وحزبه سقوط أنقرة، العاصمة السياسية للبلاد، التي يُعتبر السقوط بها سحبا لشرعية أي جهة تروم حكم البلد؟

صوتت ديار بكر وإسطنبول وأنقرة وإزمير ومارسين وغيرها من المدن الكبرى والشهيرة ضد تعديلات أردوغان، وبالتالي فهي رفضته رئيسا واسع الصلاحيات، ورفضت حصر مصير البلد بيد رجل واحد. ربما لم يتفاجئ أردوغان بالنتائج وكان لديه من المعطيات ما يدفعه إلى الاستثمار شخصيا في القفز من اجتماع انتخابي إلى آخر لحفظ ماء الوجه.

كان بالإمكان تخيّل مشاعر الرجل حين أظهرت نتائج الفرز الأولى عن فوز تعديلاته بنسب تصل إلى 64 بالمئة، وكان بالإمكان تخيل خفقات قلبه حين انحدرت هذه النسب بشكل دراماتيكي يشبه المسلسلات التلفزيونية التركية إلى ما يتجاوز نسبة الـ50 بالمئة بقليل، لكن بدا أن أردوغان لا يريد أكثر من ذلك، فتكفيه أي نسبة خافتة للفوز وهو سيحولها بكلمات قليلة إلى نصر ساحق.

يحكم أردوغان تركيا شخصيا ودون أي منازع يذكر منذ أن فاز حزبه لأول مرة في الانتخابات التشريعية قبل 15 عاما. استطاع الرجل تهميش منظّر الحزب العتيق أحمد داود أوغلو، كذلك إبعاد الرئيس التركي السابق عبدالله غول. رسم أردوغان برشاقة خطوطا لمؤيديه ورفع أسوارا أمام منتقديه، وبالتالي فإن الرجل كان يمتلك صلاحيات حكم لا تحتاج لرفد وتحصين.

حكم حزب العدالة والتنمية تركيا منذ عقد ونصف، وجاء أردوغان بعد هذه الحقبة ليقول إن بناء تركيا المستقبل يحتاج إلى رئيس مستبد يستولي على صلاحيات رئيس الحكومة ويحرم البرلمان صلاحيات رقابية على حكومته ويعين قضاة الدولة ويمسك بالجيش وأجهزة الأمن ويحدد سياسة البلاد الخارجية.

قد يكون من المبكر استشراف التحولات التي سيفرضها دستور البلاد المعدّل ونظام الحكم الجديد على تركيا والأتراك

والمفارقة أن الرجل الذي نجح في تعظيم دور الرئيس يتصرّف وكأنه رئيس تركيا الأبدي، ولا يحفل ولا يصدق أن يسقط الموقع الرئاسي يوما في أحضان تركي آخر.

تنتهي ولاية الرئيس أردوغان الحالية عام 2019. ويتيح الدستور المعدّل للرئيس أن يشغل منصبه لمدة خمس سنوات ولولايتين فقط. بلمحة بصر، وبحذاقة قانونية فتح الرجل أمام نفسه آفاق الحكم المطلق حتى عام 2029.

ورغم أن البلادة الإعلامية تستسلم لهذه الحقيقة، إلا أن السؤال الذي لا شك أن أردوغان نفسه يسأله، هو كيف يستطيع أن يضمن إعادة انتخابه من جديد؟.

وبالتالي ما هي التدابير التي يجب أن يتخذها لإقصاء وتهميش أي منافس محتمل أو كامن؟ وربما هنا فقط يكمن سرّ الصلاحيات الموسعة التي أراد أردوغان اليوم التمتع بها لكي يضمن لنفسه مستقبلا يمتد لفترة 12 عاما على رأس البلاد.

قد يكون من المبكر استشراف التحولات التي سيفرضها دستور البلاد المعدّل ونظام الحكم الجديد على تركيا والأتراك. بدا أن حزب العدالة والتنمية قد تلقى صفعة قد لا يستفيق منها في أي استحقاق انتخابي مقبل. ولئن هزمت نسبة الفوز الهزيلة الحزب الحاكم وزعيمه، إلا أن ذلك لا يمكن أن يعكس مشهدا منتصرا للمعارضة. وللمتأمل للمشهد الانتخابي بعد ساعات من انتهاء الاقتراع أن يستنتج أن الانقسام التركي معقد الملامح وهو يتجاوز خطوط الموالاة والمعارضة. صوّت الأكراد بقوة ضد التعديلات، لكن بعضهم صوّت أيضا وربما بقوة لصالحها. رفضت ديار بكر التعديلات بأكثر من 60 بالمئة، لكن المدينة كانت قد منحت حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الهوى نسبة تصل إلى حوالي 80 بالمئة، فأين ذهبت أصوات الأكراد؟

صوّت الأكراد ضد تعديلات أردوغان عقابا له على “إثم” التحالف مع الحركة القومية وما تبثه من عصبية كارهة للأكراد في البلاد. وربما لو كان الأمر غير ذلك لكان عقاب الأكراد أقل حدة. صوتت المناطق التي يسيطر عليها حزب الشعب الجمهوري، لا سيما إزمير، ضد التعديلات، لكن هذا الحزب استخدم عصبية عنصرية ضد اللاجئين السوريين في سبيل التسويق لرفضه للتعديلات الدستورية. راح عتاة الحزب يروجون بأن التصويت للتعديلات يعني التصويت لاستمرار سياسة اللجوء واستمرار تدفق السوريين واستمرار غرفهم من ثروة البلاد، ومع ذلك فإن غازي عنتاب والمدن المحيطة والتي تتركز فيها كتل اللجوء السوري صوتت كلها لصالح التعديلات، على نحو يطرح ألف سؤال حول رفض الأتراك لعنصرية أكبر الأحزاب المعارضة في البلاد.

انتهت معركة الاستفتاء. عاد أردوغان ليتحدث عن نفسه بصفته رئيس كل الأتراك. بدا خطاب النصر الذي ألقاه بعد دقائق من ظهور النتائج النهائية هادئا يروم استعادة تركيا التي كاد يفقدها. سيبدأ النظام الحاكم في تغيير الآلاف من القوانين لتتأقلم مع التعديلات الدستورية الجديدة. سينسى أردوغان نازية أوروبا وحنقه على الغرب وخوفه على الإسلام، وسيعيد تصويب خطابه بما يتفق مع مصلحة بلده، وبما يتفق بلا شك مع مصلحته كرئيس يمن النفس برئاسة يحكم بها البلاد سلطانا حتى عام 2029. ومن يدري فإن الرجل قد يكون قادرا على اجتراح تعديلات لاحقة تطوبه رئيسا إلى الأبد.

7