انقلاب المسارات الأممية: ملتقى تونس بدل حوار جنيف لتأجيل الحل في ليبيا

ملفا الدستور والوجود التركي يدفعان نحو تمديد عمر الأزمة الليبية.
الأربعاء 2020/10/14
ما الذي يعيق توحيد ليبيا

بين ضغوط غربية مرفوقة برغبة ذاتية في الاستقالة وضغط تركي للبقاء في منصبه، يرجح مراقبون سياسيون عدم قدرة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج على تنفيذ وعده أواخر أكتوبر الحالي، ما يعني أن الحل السياسي، الذي ستكون تونس إحدى محطاته الشهر المقبل، قد يتعطل إلى ما بعد يناير القادم خاصة وأن مشروع الانتخابات يعصف بالفترة الانتقالية وأن ملفي الدستور والوجود التركي يدفعان نحو تمديد عمر الأزمة.

تونس - يشكك مراقبون في إمكانية رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج على الخروج من السياسة في هذا التوقيت بالذات مع إعلان بعثة الأمم المتحدة في ليبيا السبت الماضي، أن ملتقى الحوار السياسي الليبي سينعقد في تونس مطلع نوفمبر القادم بعد أن كان مقررا تنظيمه في جنيف بداية من 15 أكتوبر الجاري.

وفيما كان منتظرا أن تكون جولة الحوار السياسي في جنيف مصيرية، ينبثق عنها التوافق حول تكوين مجلس رئاسي جديد برئيس ونائبين وحكومة وحدة وطنية، جاء بيان البعثة الأممية لينقلب على كل ذلك، ويعيد خلط الأوراق من جديد.

ومع الضغوط الغربية والحسابات التركية، لا يستبعد المقربون من السراج أن يغادر مكتبه في أي لحظة ويعلن اعتزال السياسة، الأمر الذي سيؤدي إلى فراغ على رأس السلطة. ومع ذلك تبقى كل السيناريوهات مطروحة على الطاولة بسبب الظروف السياسية.

وحتى الأسبوع الماضي كان المراقبون ينتظرون اجتماعات الحوار السياسي التي من المنتظر أن تنعقد في جنيف منتصف أكتوبر الجاري، وطالبت تركيا بنقل مقرها إلى فاليتا عاصمة مالطا ووافقتها إيطاليا في ذلك، ثم تم التوافق على انعقادها في تونس، وتم ترشيح ثلاثة أماكن لها هي طبرقة والحمامات وجربة ليستقر القرار في النهاية على الأخيرة.

ولكن لماذا تونس بدل جنيف؟ وقد كانت الإجابة وفق مصادر مطلعة بأنها تتعلق بالترتيبات اللوجستية وخاصة في ما يتصل بتأشيرات الدخول إلى الأراضي السويسرية، ما يعني أن عدد المشاركين سيكون كبيرا وأغلبهم ممن لا صفة رسمية دبلوماسية ولا حكومية لهم، لذلك تم التوافق على تونس التي يدخلها الليبيون دون الحاجة إلى تأشيرة.

وستقتصر المشاركة في الحوار على القوى المدنية، في حين ستتولى الأمم المتحدة تيسير محادثات مباشرة بين وفدي اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في جنيف ابتداء من 19 أكتوبر، حيث سترتكز المحادثات على المداولات السابقة والتوصيات التي خرج بها اجتماع مدينة الغردقة المصرية في أواخر الشهر الماضي.

ملتقى لتأجيل الحل

مشروع الانتخابات يعصف بالفترة الانتقالية والحديث عنها محاولة جديدة لتمديد الصراع في ظل نفوذ الميليشيات

بحسب بعثة الأمم المتحدة سيتم اختيار المشاركين في ملتقى الحوار السياسي الليبي بتونس من مختلف المكوّنات الرئيسية للشعب الليبي، وذلك على أساس مبادئ الشمولية والتمثيل الجغرافي والعرقي والسياسي والقبلي والاجتماعي العادل مع التزام راسخ بالمشاركة الهادفة للمرأة الليبية والشباب.

وبعد أن كان عدد المشاركين في اجتماعات جنيف محددا بحوالي 80 مشاركا من بينهم 30 يمثلون مجلس النواب ومجلس الدولة، إضافة إلى فاعلين سياسيين من القوى الحالية والنظام السابق وناشطين مستقلين وخبراء، يتجه العدد ليرتفع في منصة تونس حيث سيشمل ممثلي المجالس البلدية ومنظمات المجتمع المدني في مختلف المناطق وأنصار النظام الجماهيري وأعيان القبائل ووجهاء المناطق وممثلي الأقليات من الأمازيغ والتبو والطوارق، إضافة إلى القوى النسوية والشبابية.

واشترطت البعثة على المدعوين الامتناع عن تولي أي مناصب سياسية أو سيادية في أي ترتيب جديد للسلطة التنفيذية وأن “يجتمعوا بحسن نية وبروح من التعاون والتضامن لمصلحة بلادهم، وأن يحجموا عن استخدام خطاب الكراهية والتحريض على العنف”.

ويرى المراقبون أن هذا الشرط يعني أن المشاركين في الحوار لن يكونوا من أصحاب القرار النافذ وإنما سيكتفون بإصدار توصيات قد تصطدم برفض القوى السياسية الفعلية، ما يعني الاتجاه لجولات أخرى من الحوار بما يطيل من عمر الأزمة المستفحلة في البلاد منذ تسع سنوات، وهو ما يجعل الملتقى أقرب إلى اجتماع لأعيان القبائل وناشطي المجتمع المدني.

ويُتوقع أن ينطلق الملتقى أيضا من المشاورات المكثفة التي أجريت كجزء من مسار الملتقى الوطني الجامع، والتي سلطت الضوء على مطلب الليبيين المشترك في إنهاء الفترة الانتقالية وإجراء انتخابات وطنية واختيار سلطة تنفيذية فاعلة يمكنها توفير الخدمات الأساسية للشعب الليبي.

وبهذا الشكل، فإن الشعار المستقبلي سيكون تجاوز مقترح المرحلة الانتقالية الجديدة، والاتجاه إلى تنظيم انتخابات كالتي تحدث عنها السراج في بيانه المتزامن مع بيان رئيس البرلمان في 21 أغسطس الماضي لإعلان وقف إطلاق النار، حيث دعا إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال شهر مارس المقبل، وفق قاعدة دستورية مناسبة يتفق عليها الليبيون.

ويبدو أن تنظيم انتخابات قريبة محاولة جديدة لتمديد الصراع في ظل نفوذ الميليشيات، لكنه يحظى بدعم قوى إقليمية ومنها الجزائر، التي أعلن رئيسها عبدالمجيد تبون أن تنظيم هذه الانتخابات هو الصيغة القادرة على إفراز الشرعية المطلوبة من أجل بناء باقي المؤسسات الأخرى في ليبيا.

عيسى العريبي: هناك ميل لتشكيل لجنة أخرى تقوم بتعديل مسوّدة الدستور
عيسى العريبي: هناك ميل لتشكيل لجنة أخرى تقوم بتعديل مسوّدة الدستور

أي دستور

الحديث عن انتخابات يفرض الحديث عن الدستور، الذي يدافع الإخوان وحلفاؤهم عن مسودته المرفوضة من قبل إقليمي برقة وفزان وعموم الأقليات، والذي أصبح هو الآخر محل حوار من خلال مسار جديد أفتتح الأحد الماضي بالقاهرة.

وأعلنت المبعوثة الأممية للدعم لدى ليبيا بالإنابة ستيفاني ويليامز، أن الأمم المتحدة تدرك أهمية الترتيبات على المستوى الدستوري لليبيا لما لذلك من تأثير وأهمية نحو إيجاد حل سياسي شامل للتوصل إلى دستور شامل للبلاد.

وقالت ويليامز خلال اجتماع وفدي مجلس النواب ومجلس الدولة في القاهرة بتقنية فيديو كونفرانس، إن الأمم المتحدة حرصت على تسهيل كافة العقبات أمام تلك اللقاءات لإخراج ليبيا من الأزمة الدستورية التي تشهدها وجعل الحوار السياسي هو السبيل للتوصل إلى حل الأزمة الليبية بعيدا عن الاحتكام لقوة السلاح.

وأعرب عضو مجلس النواب إسماعيل الشريف عن أمله في أن يتم تخطي كافة التحديات الصعبة، مرحبا بالدور المصري في تنظيم الاجتماع المعني بمسار الدستور الليبي. وقال في كلمته خلال اجتماعات المسار الدستوري في القاهرة إن “العملية السياسية هي أساسها عملية دستورية متينة ترتكز على أسس ديمقراطية تحدد المسؤوليات والحقوق والواجبات”.

ويقول عضو مجلس النواب عيسى العريبي إنّ هناك رغبة في تشكيل لجنة أخرى لوضع تعديلات في مسوّدة الدستور، بسبب اعتراضات عليها في إقليمي برقة وفزان كونها لا تعالج المشكلة الحقيقية وهي توزيع الثروة بين الليبيين، لافتا إلى وجود اتجاه لتعديل دستور 1951 عبر لجنة تمثل الأقاليم الثلاثة والعمل به لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات ثم الاستفتاء عليه.

غير أن هذا المقترح يواجه معارضة واسعة نظرا لتكريسه مبدأ الانقسام الذي كان سائدا قبل توحيد ليبيا تحت لواء المملكة الليبية المتحدة عند استقلال البلاد في 1951، والذي ألغته تعديلات العام 1963 عندما أطاحت بالنظام الفيدرالي وكرست وحدة وطنية تحت حكم مركزي وأصبح اسم الدولة المملكة الليبية بعد إلغاء عبارة “المتحدة”.

تركيا لا تريد الخروج

يعتقد مهتمون بالشأن الليبي أن ما يحدث هو انقلاب على التوافقات السابقة التي كانت ستفرز مجلسا رئاسيا جديدا برئاسة عقيلة صالح رئيس مجلس النواب ممثلا عن إقليم برقة، في حين كان من المنتظر أن تؤول رئاسة الحكومة إلى فتحي باشاغا الذي يحظى بدعم الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا.

وفي خضم ذلك تدفع جماعة الإخوان ومعها قطر إلى الدفع برجل الأعمال المقرب من الدوحة محمد عبداللطيف المنتصر، وهو مثل باشاغا ينتمي إلى مصراتة، وسبق أن تحصل على تعويضات من النظام السابق استثمرها في مجال الخدمات النفطية من خلال تأسيسه شركة تحصلت على امتيازات من رئيس المؤسسة الليبية للنفط الأسبق شكري غانم.

وكانت الأسابيع الماضية قد شهدت جدلا واسعا حول مصير مذكرتي التفاهم الموقعتين أواخر نوفمبر الماضي بين السراج والرئيس التركي رجب طيب أردوغان وما تبع ذلك من اتفاقيات ومن فتح أبواب الغرب الليبي للقوات التركية والمرتزقة المستقدمين من شمال سوريا لدعم ميليشيات الوفاق، في حال وصول عقيلة صالح المتحالف ضمنيا مع قيادة الجيش إلى منصة الرئاسة.

ويأتي ذلك الأمر في الوقت الذي لا تزال فيه تركيا ترسل بالخبراء والسلاح إلى القواعد التي بسطت عليها نفوذها في المنطقة الغربية وبخاصة قاعدة الوطية المتاخمة للحدود المشتركة مع تونس.

وبات واضحا أن تركيا لا تريد الخروج من ليبيا، وإنما تسعى إلى توسيع نفوذها العسكري والاقتصادي ليس في داخلها فقط وإنما أيضا في دول الجوار كالنيجر ومالي، وتجد دعمها في هذا التوجه من قبل قوى الإسلام السياسي، التي تتحكم في مسارات الحوار بقبول من البعثة الأممية رغم أنها لا تمتلك أي رصيد شعبي يؤهلها لذلك ورفضها من قبل الكثير من الأطراف الفاعلة سواء في طرابلس أو مصراتة، إضافة إلى نبذها من قبل القبائل والمناطق الداخلية.

وجود تركي دائم
وجود تركي دائم

ولم يعد خافيا التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وأنقرة في ليبيا وعموم المنطقة بزعم قطع الطريق أمام التغلغل الروسي والصيني وخاصة في منطقة الساحل والصحراء، التي باتت حاضنة لطموحات أردوغان التوسعية، وتأثير تركيا على الموقف الأميركي في ما يتعلق بالملف الليبي.

وهذه النقطة يسعى الأتراك لاستغلالها من أجل تحقيق المزيد من التمكن من السيطرة على طرابلس، ما جعل علي التكبالي، عضو مجلس النواب، يصرخ عاليا قائلا “لسان حال تركيا: انشغلوا أنتم في الحوارات، ونحن سنبني اللواء التركماني الذي سيغير كل شيء على الأرض ثم حينما تفيقون من عبثكم ستجدون طرابلس تركية”.

وفي الأثناء، لا تزال واشنطن تشتغل على مسارات عدة لتحقيق مصالحها في ليبيا، معرقلة أي مسعى لاختيار مبعوث أممي جديد ومكتفية بالدفع بمواطنتها ستيفاني ويليامز للاستمرار في مهمتها كرئيسة بالإنابة لبعثة الدعم من أجل ضمان الإشراف المباشر على الملف الليبي، وفق اعتبارات عدة.

ولعل من أبرزها السيطرة على منابع الثروة في وسط البلاد بالعودة إلى انسحاب الجيش من منطقة الخط الأحمر سرت الجفرة إلى تخوم مدينة أجدابيا تنفيذا لما يعتبره إقليميو المنطقة الغربية من أن إقيلم برقة يبدأ من أجدابيا وليس من قوس النصر في سرت حيث يعتقد إقليميو برقة.

ولكن الجيش يرفض ذلك، ولا يبدي استعدادا لتنفيذه، وما تدشينه الأسبوع الماضي لإذاعة “رعد” التابعة لإدارة التوجيه المعنوي بمدينة سرت إلا دليل على أنه باق في مواقع تمركزه الحالية إلى أن يأتي ما يخالف ذلك.

7