انقلاب في بغداد

الأربعاء 2014/08/13

حدث لبغداد ما يحدث عادة للمرأة «الثيّب» حين يسكن في جوارها فحل مثل البغدادي. انهيار كامل وأزمة عاطفية شديدة. إنه حنين المدن القديمة إلى قائد قوي يشبه عشق الأرامل الوحيدات في الليل. يقول الكاتب نبراس الكاظمي كان هناك اجتماع لدولة القانون في بيت حسين الشهرستاني الليلة الماضية، يضم حيدر العبادي، وهادي العامري، وخضير الخزاعي، وانضم إليهم قاسم سليماني الذي عاد إلى بغداد هذا الصباح. وحاول المجتمعون أن يرشحوا حيدر العبادي عن دولة القانون باعتبارها الكتلة الأكبر، ضاربين التحالف الوطني الأوسع عرض الحائط.

فشلوا في تمرير الترشيح. المالكي أوعز لقواته بالانتشار، وهو الآن في طور تهديد رئيس الجمهورية بشكل مباشر، وبشكل انقلابين وليّ ذراعه كي يطرح اسمه. أفراد حمايات المراجع في النجف في استنفار. خصوصا بعد انضمام خامنئي إلى السيستاني في ضرورة تغيير رئيس الوزراء نوري المالكي.

بإصرار المالكي على الترشح وقيامه بانقلاب عسكري على المراجع والعملية السياسية، نحن أمام تصدع حقيقي للبيت الصفوي الذي قد يسقط سقفه قريبا على أصحابه ويتخلص المسلمون من حكاية السقيفة وأصحاب الفتن في العراق.

من الواضح أن الأكراد يحاولون إيجاد حل من بغداد، لأن رقبة مشروعهم القومي بيد البغدادي الآن. لا يريد الأكراد خوض حرب استنزاف يكون المالكي هو المستفيد منها. لم تُفلح محاولات المالكي بالضحك على الأكراد رغم إرساله طائرات تقصف وأسلحة فهم لا يريدون أن يكونوا ضحية بغداد، لهذا أدخلوها معهم في الصراع. لم يعد الأمر كما كان حيث الأكراد والصفويون يغرفون المليارات، والسنة في جحيم دائم منذ الاحتلال. صارت للسنة اليوم “أقدام ثقيلة” وكلمة مسموعة حقاً. في السابق لم تؤثر الاعتصامات المليونية ولا مجزرة الحويجة باحتفالات عيد الحب الضخمة في بغداد، كما لم تؤثر في الحفلات السياحية الساهرة في أربيل. الأمر مختلف تماما اليوم بسبب البغدادي.

تدخل أوباما العسكري في العراق هو لحماية أربيل وليس للقضاء على البغدادي، فهو يقول إننا إذا قضينا على البغدادي كيف سنملأ الفراغ؟ الدولة الإسلامية سوف تستخرج البترول من المناطق المتنازع عليها. نجم كردستان السياحي وشركات الاستثمار والعمران قد أفل. البغدادي مهتم ببناء دولة له بشبه الجزيرة من الرقة إلى نينوى، ومن دير الزور إلى صلاح الدين، ومن حلب إلى الأنبار. هذه الدولة ستكون بمثابة عاصمة المتشددين الإسلاميين حول العالم. الرئيس أوباما قال إنه لن يسمح ببناء دولة خلافة، غير أنه لم يتخذ قرارا باجتياح العراق وسوريا. وبأحداث بغداد الأخيرة لا أعتقد بأن قرارا كهذا سيكون ممكنا في الأشهر القليلة القادمة.

السنة العرب يشعرون بأن الشيعة والأكراد أخذوا كل شيء وأفقروهم. الأكراد أخذوا البترول في المناطق المتنازع عليها، والشيعة أخذوا المجد وبغداد، وصدّروا عقيدتهم كعنوان رسمي للبلاد. من وجهة نظر البغدادي أول هدف هو استعادة حقول النفط القريبة، أما بغداد ففيها خمسة مليون إنسان لا يمكن لجماعة مسلحة السيطرة عليها. الرجل يحلم ببناء دولة تعدادها خمسين مليون، وفيها خمسة مليون مقاتل متشدد. عندها ربما يدخل بغداد. أنا الآن في خياله. أما كيف تفكر إيران؟ وكيف تفكر أميركا؟ فهذا أمر آخر. ولا أحد يعرف تماما كيف سينتهي هذا الصراع. انهيار العملية السياسية والاغتيالات بين رؤوس السلطة والفوضى مجرد بداية لتأثير الموصل.

البغدادي الإرهابي يتغذى من أخطاء المالكي، فبعض الأمهات قدمن حرائر الأعظمية الجميلات ذوات التبغدد والعيون الواسعة لقوارض فيلق بدر، ونطائح مدينة الصدر ضباط المالكي مقابل تخليص رقبة الولد من التعذيب والموت.

يقول نضال مصطفى: مدرسة اعتقلوا ابنها وعمره 17 سنة منذ 2005 وفي 2007 أقنعتها محامية معروفة، في شقق صدام قرب البياع، بأن تأخذها للشعبة الخامسة في الكاظمية وتعطيهم عشرين ألف دولار لتخليص فلذة كبدها. عندما ذهبت اغتصبوها «جماعيا» وأخذوا الدولارات ثم رموها خارجا. لقد تدخل حينها خلف العليان وطه اللهيبي عند المالكي وأرسل للولد لكي يحقق معه فقط «هل اغتصبوك أنت؟» ولأن الولد يخاف أن يختطفوا أمه ويغتصبوها ثانية أنكر، ولازالوا لحد الآن يغتصبون الصبيان من الأعظمية بسبب شذوذ ضباط المالكي الأخلاقي بشهادة اللواء جواد أموري الدايني. هذا الولد مثلا معتقل بتهمة الانتماء للجيش الإسلامي وهو بريء بريء بريء، السبب الحقيقي لاعتقاله هو “الوسامة”.

الرئيس الأميركي يرسل طائرات إغاثة إلى جبل سنجار وهذا عمل إنساني رائع. فماذا يحدث لو أن طائرة أميركية بالخطأ تلقي الماء والدواء وآلاف الوجبات على الفلوجة. أليس أفضل من البراميل المتفجرة؟ لو داعش عندها براميل متفجرة مكتوب عليها «لا إله إلا الله» أما كان سيُعتبر إلقاؤها على النجف عملا إرهابيا خطيرا يستدعي اجتماعا طارئا لمجلس الأمن. هل الفلوجة بيوت فيها أطفال ونساء، أم مجرد غابة «فئران ضارة» في عيون العالم. ما هو الإرهاب؟ إلى هذه اللحظة لم أفهم شيئا سوى أنه «سني».

هذا هو السبب الذي يجعل السنة يقرؤوني ولا يكترثون بما يقول الآخرون. في تقرير لمنظمة سريانية باللغة الإنكليزية البارحة يقول إن الأمهات الإيزيديات شرعن بإلقاء أطفالهن من قمة سنجار خوفا من وقوعهم بيد داعش. ربما غدا سيقولون إنهم اضطروا لأكل جثث الأطفال بسبب الجوع كما حدث في ثورة الزنج سنة 883 بالبصرة. من الواضح أن الأقليات تحاول إفراغ حكايات التوراة المخيفة عن سليمان وداود وبابل برأس البغدادي والسنة. هذا التهويل الواضح والصمت المطبق عن ضرب الفلوجة بالبراميل المتفجرة، ومعاناة مئات الآلاف من النازحين السنة هو ما يجعل من الحوار مع السنة صعبا، لأنهم يشعرون بالغدر والخيانة من جميع الأطراف.

سؤال بريء: رجاء هذه الأقليات التي يمتد تاريخها إلى ما قبل الإسلام في العراق، والتي يحلو لها اتهام الإسلام بالإرهاب هل كانت حضاراتها سلمية وإنسانية؟ في عام 586 ق.م. قضى الملك نبوخذ نصر البابلي على مملكة يهوذا. فقبض على آخر ملوكها، وهو المدعو صدقيا، وأمر بقتل جميع أبنائه أمامه. ثُم قُلعتْ عيناه، وقُيّد بالسلاسل، واقتيد أسيرا إلى بابل، حيث مات في أرض لا يراها.


شاعر عراقي مقيم في كندا

8