انقلاب في مفاهيم الحمية وإعادة الاعتبار للدهون الحميدة

الأربعاء 2014/07/23
التوتر وطريقة استجابة الأفراد له مفتاح السيطرة على زيادة الوزن

تجاوزت أنواع أنظمة الحمية كل الحدود، وعلى الرغم من أن أغلبها أثبت فشله عملياً إلا أن بعض الباحثين ومروجي السلع الاستهلاكية لتخفيض الوزن مازالوا يرون أملاً في السراب البعيد، ملقين كل اللوم في فشل البرامج التي وضعوها على سوء استخدام المستهلك الذي لا يتبع (حرفياً) المسار الموصى به، متناسين في ذلك التكوين الفسلجي والنفسي الذي يشير إلى فروق فردية هائلة بين الناس ويجعلهم يستجيبون بطرق مختلفة للأنظمة الغذائية، التي تنجح لدى البعض وتفشل لدى البعض الآخر.

لعل أكثر أنظمة الحمية الغذائية صيتاً والتي انتشرت مؤخراً، هو نظام (5- 2) وهو يعني تقليص الوحدات الحرارية التي يتناولها الشخص إلى أقصى حد ممكن خلال يومين فقط من الأسبوع وتمضية بقية الأيام باتباع روتين غذائي طبيعي.

النظام الصارم الذي يشبهه الناس بالصوم أثبت فاعليته في إنقاص الوزن كما أنه يساعد في خفض ضغط الدم، الأمر الذي يزيد فرص عيش حياة أفضل وأطول بحسب تعبير متخصصين. إلا أن التحفظات التي أبداها باحثون في جامعة باث البريطانية، تؤكد على أن هذا النوع من الأنظمة الغذائية من شأنه أن يزيد فرصة الإصابة بالعدوى من مختلف الأمراض بمعدل قدره 20 بالمئة عن المعدل الطبيعي.

وأشار الدكتور نيك بريست، المحاضر في علم الأحياء والكيمياء الحيوية والمشرف على الأبحاث، إلى أن هذا النوع من البرامج المرتبطة بالضغوط النفسية المتأتية من الجوع، يمكن أن يكون أثرها جيداً في إطالة الحياة وخفض الوزن، إلا أن هنالك علاقة ترابطية سلبية لا يمكن إغفالها تتعلق أساساً بجهاز المناعة، ويكمن الفرق في ذلك؛ بأن فوائد الحمية تظهر عادة في المدى القصير، بينما تبدأ الآثار السلبية في الظهور على المدى البعيد، حين تقل مناعة الجسم المنهك بسبب الحميات المستمرة تجاه العدوى.

الدهون تمنح الجسم سعرات حرارية مضاعفة إلا أن إلغاءها تماماً من قائمة الغذاء اليومية قد يجعل مهمة الحمية صعبة عمليا

في حين، كشفت دراسة لفريق من الباحثين في ملبورن الأسترالية، بأن التوتر وطريقة استجابة الأفراد له هو المفتاح للسيطرة على زيادة الوزن. وأكدت الدراسة التي قام بها باحثون في قسم العلوم الطبية والحيوية في جامعة موناش، على أن مستوى الاستجابة لمادة (الكورتيزول) وهي مادة كيميائية طبيعية يفرزها الجسم في حالات التوتر يختلف من شخص إلى آخر، حيث يميل الأفراد الذين يعانون من استجابة عالية لهذه المادة إلى تناول كميات كبيرة من الأطعمة لتخفيف حدة التوتر، كما تبين بأن معدل حرقهم الطاقة يتم ببطء. ولهذا ينصح بأن تعتمد برامج حمية خاصة لهذه الفئة من الناس، إذ قد لا تتناسب برامج الحمية الشائعة وطريقة عمل أجسادهم، مثلما هو الحال مع الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي للسمنة.

من جانب آخر، يُلزَم عادة من يتبع نظاماً صارماً في الحمية الغذائية بالتخلي عن كل ما يمت بصلة للدهون والبروتينات؛ مثل مشتقات الألبان كاملة الدسم ومنها الحليب والقشدة والأجبان بأنواعها والزبدة والبيض واللحوم بأنواعها، فهذا النوع من المكون الغذائي عُرف عادة في تسببه في تصلب الشرايين وبعض أمراض القلب إضافة إلى زيادة الوزن. إلا أن الأبحاث الأخيرة أثبتت خطأ هذا الرأي، الذي تناقلته الأجيال عقوداً طويلة من خلال نصائح أطباء ومتخصصين في الغذاء ذوي خبرة ودراية.

الدراسات الجديدة أثبتت بالأدلة الدامغة براءة المجموعة الغذائية التي تحتوي على الدهون الحميدة من قائمة أمراض القلب سيئة الصيت، كما أنها وجهت أصابع الاتهام هذه المرة إلى السكريات والنشويات في حين تم التشكيك في فاعلية الأطعمة قليلة الدسم في محاربة زيادة الوزن. وعلى العكس من ذلك، يبدو أن تناول المواد الغذائية التي تحتوي على الدهون في شكلها الطبيعي غير المعالج مفيدة للقلب، بل وأكثر فاعلية في عملية إنقاص الوزن.

تعود جذور الوهم الذي تناقله متخصصون عبر الأجيال، إلى دراسة قدمها عالم أميركي يدعى أنسل كيز في العام 1953 من القرن الماضي، وكانت الدراسة تعالج مسببات مشكلة صحية كانت شائعة في ذلك الزمان وهو مرض انسداد الشرايين؛ حيث تم في البحث عقد مقارنة بين استهلاك الدهون عند الرجال والوفيات الناجمة عن أمراض القلب والشرايين، وشملت الدراسة عينات من ستة بلدان حول العالم فقط حيث ركزت النتائج مثلاً على مقارنة وفيات أمراض القلب في الولايات المتحدة واليابان التي سجلت تفاوتاً كبيراً في نسبة الوفيات التي تفوقت بها الولايات الأميركية بفعل الاستهلاك المبالغ فيه للدهون. وتم إهمال بعض الدول التي ثبت فيما بعد أن استهلاكها الواضح للدهون لم يؤدّ إلى الزيادة المتوقعة في وفيات أمراض القلب.

الدراسات الجديدة أثبتت بالأدلة الدامغة براءة المجموعة الغذائية التي تحتوي على الدهون الحميدة من قائمة أمراض القلب سيئة الصيت

من جهته، كان عالم بريطاني مرموق وهو جون يودكن قد أشار، إلى أن الرابط الأقوى صلة بأمراض القلب والسمنة هو تناول السكريات؛ مؤكداً على ضلوع ظاهرة أخرى انتشرت في فترة الخمسينات في بريطانيا وهي زيادة اقتناء أجهزة التلفزيون من قبل الجمهور وارتباطها بزيادة الإصابة بالنوبات القلبية القاتلة. وكانت هذه الدراسة الأولى من نوعها –في ذلك الوقت- التي ربطت بين أسلوب الحياة المرفه والجلوس المطول لمشاهدة التلفزيون والإصابة بالأمراض الخطيرة. إلا أن ملاحظات يودكن هوجمت من قبل زملائه ولم تلق الاهتمام المطلوب.

عموماً، يلجأ أكثر الناس الذين يتبعون نصائح المتخصصين إلى البدائل مثل المعكرونة بأنواعها والبطاطا وبعض النشويات لتعويض النقص في الدهون، في الوقت الذي تلعب فيه هذه الأطعمة دوراً لا يقل خطورة عن ما تسببه الدهون.

صحيح أن الدهون تمنح الجسم سعرات حرارية مضاعفة، إلا أن إلغائها تماماً من قائمة الغذاء اليومية قد يجعل مهمة الحمية صعبة عملياً ونادراً ما ينجح الناس في الخضوع إليها لأنها ببساطة تدفعهم أكثر إلى الشعور بالجوع وعدم الاكتفاء.

21