انقلب الربيع خريفا

الخميس 2014/06/19

إنّ من أوكد الخصال التي يجب أن يتحلّى بها المسلم صادق الإيمان، هو الوفاء بالعهد فالله سبحانه وتعالى أمر بذلك أكثر من مرّة في كتابه الكريم، واعتبر الوفاء بالعهد من البرّ، فيقول عزّ من قائل: “لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ”.

كلّ هذا عرفته شعوبنا العربيّة فصدّقت الذين عاهدوهم ووعدوهم، فقاموا بانتفاضاتهم وأطاحوا بالأنظمة الظالمة الجائرة، وفي أوّل مناسبة تمتّعوا فيها بحرّيّة إبداء الرّأي والاختيار، في أجواء ديمقراطيّة شفافة، وضعوا ثقتهم بكلّ إخلاص وأمل، في من وعدوهم وعاهدوهم. لكن، ويا للأسف، خاب ظنّهم وآمالهم لأنّ الذين عاهدوا لم يوفوا بعهدهم، فساءت الأحوال والأوضاع في كلّ الأقطار التي قضت بانتفاضتها على الظلم والظالمين لتقع فيما لم يكن في حساباتها.

فتونس التي أشعلت أولى الشرارات، تدهورت فيها الأوضاع حتّى أشرفت على ما لا يحمد عقباه، وما نجت، مؤقتا على الأقل، إلاّ بأعجوبة أتى لها بها مجتمعها المدني بنسائه في الطّليعة، ضاربا مثلا جديدا في الثّبات والصّمود، ورفض كلّ ما يتنافى وطموحاته من حريّة ومساواة وتقدّم، بلا عنف ولا إكراه.

أمّا مصر التي تلتها، فحقّق شعبها الأبي ما راوده من حلم طوال عقود، فأسقط الفرعنة، وتهيّأ للشّروع في مسيرة طويلة صعبة، تحت مظلة الحرية، في ظلّ القانون، زادُه العدل والمساواة، وسلاحُه الحوار والتشاور بين أحضان الأُخُوّة في أمن وسلام.

شعب الكنانة خابت أمانيه أيضا. فالذين وعدوه بكلّ خير، أعطاهم ثقته، لكنهم لم يوفوا بعهدهم، وأتوا بغير ما كانوا ينادون. فغضب الشعب الصّبور، ونادى بإسقاط الانحراف الجديد، فتظاهر حتّى أسقطه. فهل يذعن ويتوب المتعنّتون؟ كلاّ! بل بالعنف والإجرام يجيبون، لأنهم لغير مصر يعملون. لكن ها هي مصر بقيادة جديدة تحاول الحدّ من الأضرار، ونحو ما يطمح إليه أبناؤها تسير، بخطى بطيئة بسبب عبث العابثين.

تُرى لماذا لا يرتدعون، فيدخلون ما يسمّيه الصّحفيون “اللّعبة السّياسيّة” فيكشفون عن نواياهم، ويطرحون أمام الشعب برامجهم التي يرونها كفيلة، لمصر ومستقبلها، بالرّفاهيّة والأمن، في كنف الحرّيّة، ويتقدّمون مع غيرهم لحكم الشعب واختياره. فإن لم يفعلوا، وكلّ الأدلّة تشير إلى أنّهم لن يفعلوا، فذلك هو الضّلال المبين.

نهض مثل الأختين تونس ومصر، اليمن السّعيد، مصدّقا هو الآخر وعودا وعهودا لم تكن إلاّ غشّا وضلالا، فتحوّلت سعادته شقاء، وسلامه حربا لا أحد يدري إلى أين مداها. ثم جاء الدور على ليبيا التي خدعها أبناؤها عمدا وقالوا لها إننا مسلمون، كما لو كانت هي غير مسلمة. ترى متى عن غيّهم يحيدون؟ لكن هذا فصل آخر ضمن الرّبيع العربي الذي حوّله الضّالون المضلِّلون إلى خريف عاصف. فيا له من خريف، نسفت رياحه وعواصفه وزوابعه فرحة ليبيا وحماس شعبها، وهزّت أركان قلعة من قلاعنا الثقافية العروبية الصّامدة، سوريا درع العروبة، وسجلّ من سجلات تاريخنا، فها هي تتخبّط بين الحياة والموت، بين الكينونة والاندثار.

أمام كلّ هذه المشاهد المحزنة المؤلمة المخزية، وما وراء أسترتها من أرواح تُخمد، ودماء تُهدر، وأموال تُسرف، وثروات تبعثر، وأوقات ثمينة تُضاع، يقف العاقل مشدوها ليتساءل: لم كلّ هذا الخُسران؟ أين يكمن الدّاء؟ وأين يُوجد الدّواء؟ وبعد طول تفكير وعميق تدبير، يجد أن الأجوبة عن هذه الأسئلة سهلة وصعبة. سهلة لأن كل ما نحن فيه ونقاسيه هو منا وإلينا، فلا مسؤول غيرنا. صعبة لأنه مهما أوتي المرء من فكر ثاقب وعقل سديد، يعجز عن فهم ما يدفعنا إلى تحطيم أنفسنا وتخريب بيوتنا، حيث أنّ الذين أسميتهم “متأسلمين”، وهم المتسبّبون في ما غرقت فيه بلداننا من فوضى وانعدام أمن، هم منا وإلينا، لكنهم، وهذا ما يؤسف له، لا يعملون لصالح أوطانهم، بل هم لصالح الغير يجتهدون، وبأوامره يأتمرون.

فأين الحل؟ وكيف الخلاص؟ الحل هو أيضا فينا وبين أيدينا، فيجب أن يأتي منا، فما حك جلدك مثل ظفرك، والقول الكريم يقول: لو تعلقت همّة المرء بما وراء العرش لناله. فلا خلاص إن لم نرد الخلاص، ما لم نصمم العزم على وجوب الخروج مما نحن فيه. هذا واجبنا جميعا، أنا وأنت وأنتِ وهو وهي ونحن وأنتم وأنتنّ والجماهير أجمعين. جماهير تشتكي وتتذمّر وتنتقد ولكنّها لا تعمل. فقد حان الوقت أن تنفض عنها الغبار الذي غشاها حديثا، وتقف وقفة الفرد الواحد وتقول: لا! لا للانحراف، ولا للإكراه، ولا للجمود، ولا للتبعية !

إنّ المجتمع المدني في كلّ الشعوب والأمم، هو الدّرع الواقي، والقوّة الرّادعة، التي تحمي الأرواح وتصون الأعراض. المجتمع المدني اليقظ الواعي، المنضبط المنظم، الآمن المسالم، وهو مع هذا مصمّم متيقّن ثابت، يعرف ما عليه وما إليه، فها هو يقوم بالأوّل ويطالب بالثاني لأنه يعلم علم اليقين أنّه ما ضاع حقّ وراءه طالب. فهل ستواصل شعوبنا مسيرتها بعد انتفاضاتها وإطاحتها بقلاع الظلم والجبروت والطغيان؟ أم ستبقى طعمة لعبث العابثين، تسير على نهج المضلِّلين الذين باعوا أنفسهم لغير الوطن والدّين؟ إن تاريخها وماضيها يؤكّدان غير هذا فالأمل فيها وفي الله عظيم. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8