انكسار تجربة أدبية عراقية

بالرغم من مرور حوالي 30 سنة على تجربته الإبداعية في السرد، إلا أن الراحل المبدع سعد محمد رحيم تمكن من أن يحدّث تجربته بطريقة مثالية من دون ضوضاء كبيرة ولا صغيرة.
الخميس 2018/06/07
تجربة الراحل سعد غنية ومثيرة

شعراء وروائيون وفنانون وصحافيون وأكاديميون غادرونا قبل أن يحل حتى منتصف هذا العام في رحيل جماعي مؤسف بسبب الأمراض وقلة الحيلة وسوء الحياة العراقية وما تركته من آثار نفسية عظيمة على المبدعين الذين يتميزون بحساسية عالية ودقة في قراءة الواقع السياسي المريض، وبالتالي تركوا لنا الكثير من شظاياهم المكسورة ورحلوا مرضى بكآبة عالية لا يمكن وصفها في الأحوال كلها.

رحل الشاعر جمعة الحلفي قبل أن يُكمل قصيدته الأخيرة بعد أن عرف ماذا يجري في البلاد، وتبعه حبيب العباس ودانا جلال ومزهر السوداني وفاضل الموسوي وكزال إبراهيم وهي تستنشق آخر عطر من قصيدتها الجبلية، حتى جاء دور الروائي سعد محمد رحيم ليموت في ثرى كردستان، ولنفس السبب مات في الغربة الروائي محمود النجار وهمد جسده على أرض القاهرة قبل أن يصل إلى بغداد بقلبه البديل.. والقائمة طويلة سجلت خلجات المبدعين العراقيين في آخر أنفاسها.

ما يمكن أن يلفت الأنظار في هذا الخليط الراحل من الأدباء هو تجربة الروائي سعد محمد رحيم التي برع في استحداثها بالرغم من الظروف النفسية غير المهيّأة لأدباء العراق، لكن حينما بلغ هذا الروائي الستين من عمره انتبهت الجوائز العربية إلى عطائه السردي والفكري، فكسب جائزة كتارا ومن ثم البوكر بنسختها الظبيانية، ثم انتشر عربياً بطريقة معقولة وصار يسابق الوقت لكي يجزل العطاء سردياً وفكرياً، فمنذ “رحيل الكراكي” روايته المبكرة وحتى “ظلال الجسد .. ضفاف الرغبة” مرورا بـ”مقتل بائع الكتب” التي عرّفتْه على الأوساط العربية، كان سعد شديد الإخلاص لعالمه السردي الذي شغله كثيراً بالرغم من كتاباته الفكرية المتوالدة في “المثقف يدس أنفه” و”استعادة ماركس″ و”المثقف وشبكة علاقات السلطة” و”سحر السرد” وغيرها.

في التجييل الإبداعي ومع المسلّمات النقدية الراصدة للحركة الإبداعية، سيكون الراحل المبدع سعد محمد رحيم أحد أعمدة الساردين الثمانينيين القلائل الذين واصلوا الكتابة حتى آخر لحظة في تطويع التجربة الشخصية وإملائها بالجديد من المهارات الفنية، وبالرغم من مرور حوالي 30 سنة على تجربته الإبداعية في السرد، إلا أنه تمكن من أن يحدّث تجربته القصصية والروائية والفكرية بطريقة مثالية من دون ضوضاء كبيرة ولا صغيرة، مواصلاً الكتابة والتأمل الفكري والجمالي روايةً وقصةً ومباحثَ ثقافية متعددة ونقدية راصدة للمسارات الروائية العراقية في جديدها المتراكم. وفي هذا التأمل الحثيث كان الراحل يستعد للكثير من الإنجازات الإبداعية على مستوى الرواية والدراسات الفكرية التي تحرر فيها من الأيديولوجيات الجاهزة والمكررة والمعوّقة لخطواته.

تجربة الراحل سعد غنية ومثيرة أيضاً. لم تنقطع تحت وطأة ظروف وطنية كثيرة. ولكنه حينما كسب جائزتين عربيتين بوقت واحد، كان على موعد مع شهرة عربية جاءت متأخرة على تجربته، غير أن مثل هذه الشهرة وفي مثل هذه الجوائز العربية المتقدمة مدّت فيه روح الإبداع أكثر ولم يستكنْ لبريق الجوائز بل ظل مواظباً على الكتابة، وأصدر عدداً من الكتب أبرزها روايته “فسحة للجنون” وهي الرواية التي تلت “مقتل بائع الكتب” التي حصدت مقالاتٍ نقدية عربية وفيرة هيّأت الراحل لأن يكون ضمن صدارة المبدعين السرديين العراقيين.

في تجربته الكتابية كان هناك خطان متوازيان سارا بطريقين واضحين. الأول هو ما اعتاده من سرديات قصصية وروائية، والخط الثاني هو ما أصدره من مقالات فكرية وثقافية أنموذجية في رصد الحالة الفكرية والجمالية عبر بوّابات الأيديولوجيا الضامنة للجدل المعرفي والجمالي في أطروحات الفكر والإعلام والاستهلاك والماركسية وثقافة العولمة وغيرها. وسار هذان الخطان متوازيين ليكشفا الكثير من تأملات الراحل في الحياة الثقافية والفكرية والأيديولوجية، ويكون من القلة القليلة التي مارست الكتابة النقدية والتأمّلية إلى جانب سرديات الرواية والقصة القصيرة.

14