انهمرت الخيزرانات على جسمي كالمطر

الأحد 2015/10/04
لوحة: أحمد قليج

في مساء ذلك اليوم والأيام القليلة التالية كنت الابن المدلل لفرع التحقيق. فقد خصّني بكل اهتمامه ودلاله. وقفت في المساء أمام ضابط أراه للمرة الأولى، واضح أنه أكبر سناً وأعلى رتبة وخبرة من الضابط الذي قابلني في الكركون. رجل هادئ متهكّم، يخاطبني طوال الوقت بلقب “دكتور” بنبرة يتلطّى فيها الهزل في ثنايا الجد.

عرفت فيما بعد أن هذا الرجل هو ضابط برتبة رائد، وكان مساعداً في الفرع ثم درس الحقوق وتطوّع في الشرطة وعاد ضابطاً إلى الفرع نفسه. خبرته واضحة. لم يبدأ معي أيّ حديث يتعلق مباشرة بتحقيقي. بدأ بالتعبير عن تأثّره لعذاب الأمهات على غياب أبنائهن، وهو يقصدنا نحن الأبناء الذين يملؤون الزنازين في الداخل. وقال إنه يغيب عن أمّه عشرة أيام وحين يزورها تحضنه وتبوسه وتعدّ له البامية التي يحبها، رغم أنها مطمئنة عليه وتعرف أنه في عمله، فكيف حال الأمّ التي لا تعرف أين ابنها ولا تعرف ما مصيره؟ يتكلم كأنه في سهرة وليس في جلسة تحقيق. هذه الطريقة ناجحة، جعلتني بالفعل أقلّ حذراً.
غلبتني طبيعتي العفوية. طلب لي كأساً من الشاي، ثم أشار إلى صورة كبيرة لرئيس الدولة حينها (حافظ الأسد) معلقة على حائط المكتب، وقال وهو يبتسم ألا تراه كالشمس. سكتّ. فضحك ضحكة قصيرة ثم دخل إلى مواضيع شخصية عن الحب والعلاقات المنفتحة بين الشباب والبنات في الجامعة وسأل عرضاً: ألا توجد صبية ما يتقطع قلبها عليك وأنت معتقل الآن. قلت لا، قال مبتسماً إذن أنت تتفرغ للقضية، مع أنك ناجح في جميع موادك الجامعية، كيف تستطيع التوفيق بين الأمرين بسهولة. هذا النوع من التحقيق يشبه الإنزال ما وراء خطوط القتال، تصبح العناصر المعادية خلف ووسط العناصر الموالية.
طريقة هذا المحقق هكذا، هي لا تقتحم خطوط التماس بل تقفز فوقها، لا تواجه بل تتسلل، لا يسألك هذا المحقق مباشرة هل لديك نشاط سياسي ما، بل يفترض أن هذا قائم ويتعامل مع نتائجه المفترضة. ويتثبّت من افتراضاته حسب الإجابات. طريقة ذكية وهادئة، غير أن كل هذا “التكتيك” تغيّر ما إن تلقّى المحقق مكالمة هاتفيه أنهاها بعبارة “حاضر سيدي!”.

تغيرت هيئة المحقق ونظر إليّ بطريقة جديدة أقل ألفة، وقال: لا أريد أن أتركك لهؤلاء الحمير كي يضربوك ويهينوك، أنت لا زلت بكرامتك إلى الآن، ولكن ما أن تمتد يد عليك حتى تتبهدل ولا يمكن أن تستعيد وضعك الحالي بعد ذلك، أنت الآن بلباسك وتجلس أمامي على الكنبة، أما إذا استلمك هؤلاء فمعناه أن تضرب وتجلس على الأرض بالكيلوت وتهان. أريد منك أن تخبرني كل شيء (هذه الكل شيء المعرّفة والمغرقة في الإبهام في الوقت نفسه!) كي أساعدك. ثم السيناريو المكرور: أوراق وقلم، اكتب كل شيء. ولكن ماذا يعني كل شيء؟ يعني كلّ ما تعرفه منذ ولادتك حتى الآن، اسم الأم والأب والأخوة والأعمام والعمات والخالات والأخوال وأين درست ومن تعرف وما هو نشاطك السياسي ومتى تنظّمت ومن نظّمك ومن هم أعضاء التنظيم ومن هم القياديون وأين تجتمعون وأين المطبعة.. كل شيء، كل شيء، يعني كل شيء! تكتب، ثم: أكل ما تعرفه لا يتجاوز نصف صفحة؟ اكتب من جديد! تكتب، ثم: تملأ الورقة بمعلومات فاضية لا قيمة لها، أنت تعرف ماذا نريد، اكتب من جديد.. كل شيء يسير بك نحو الهاوية الأكيدة، قطار وضع على سكة تنتهي بهاوية تفتح فمها بلهفة. السيناريو المحفوظ والمكرر نفسه: يمسك الرائد الورقة التي كتبتها للمرة الرابعة أو الخامسة ويمزقها ويقول بضيق إنه حاول أن يساعدني ولكنّي أنا لا أساعد نفسي. هذا الكلام هو بسملة البدء بالتعذيب. سبحان من حللك للتعذيب!

- اشلح تيابك وخليك بالكيلوت!

لكن لا أدري ماذا دار في خلد أحد عناصر الجلد حتى يشرح لي من باب لزوم ما لا يلزم قائلاً “يعني خليك بالكلسون”. لفظة الكيلوت أخف وطأة من لفظة الكلسون، أقل سوقية وأقل إيحاء. ربما أراد هذا العنصر أن يعطي أمر الشلح شحنته الكاملة. الرائد يغيب عن المشهد، وقد قال لاحقاً إنه لا يحب أن يراني بهذا المنظر (الحق أن هذا الرائد لا يميل إلى العنف، وهو لم يمد يده بالضرب عليّ أو على أيّ ممن حقق معهم من مجموعتنا على الأقل، بقية الضباط، بمن فيهم رئيس الفرع، لا يروي غليلهم ضرب عناصر الجلد فيضربون بأيديهم. ربما لو كان الأمر للرائد لاتبع التحقيق سبيلاً أقل عنفاً).

مهما خفت من الألم فإن خوفك لن يتفوق على شعورك به. يتصاعد الألم بحدة ويكسر كل حواجز النفس، فتصرخ وتستغيث وأنت الذي تخجل من رفع صوتك والتعبير عن حاجتك بقوة وعلانية

- انزل بالدولاب ولا!

حتى تلك اللحظة ورغم كثرة ما سمعت قبل ذلك عن الدولاب كوسيلة تعذيب لم أستطع تخيل كيفية استخدام الدولاب في الجلد. كنت أتخيل أن المجلود يستلقي على ظهره ويمررون رجليه من الدولاب ثم يقيدون قدميه معاً بحبل ويبدؤون الجلد. ولكن هذا التصور لا يفسر الحاجة إلى الدولاب في الأساس. وقفت حائراً. حمل أحد الجلادين الدولاب وتقدم منّي ثم أنزله من رأسي ليستقر على كتفي وطلب مني أن أنزل الدولاب إلى تحت إبطي وأن أمسكه بيدي، كمن يريد أن يستعين بالدولاب للسباحة، وأن أستلقي، ثم طلب أن أثني رجليّ وأمرّرهما من الدولاب، كان الأمر عسيراً بعض الشيء لكن هذا العنصر ضغط بكلتا يديه بقوّة على رجليّ بحيث أصبحت مطوياً على نفسي أكثر لتدخل رجلاي في حلقة الدولاب إلى أن صارت ركبتاي أمام أنفي. صار الدولاب حلقة تشد جذعي من تحت الإبطين إلى طرفيّ السفليين من عند الركبتين، والنتيجة أن قدميّ صارتا مواجهتين تماماً للسقف بوضعية مناسبة للجلد. الوضعية بحد ذاتها تعذيب. تركوني على هذه الحالة دون ضرب لفترة من الزمن بدأت أشعر بعدها بخدر شامل في رجليّ. الغريب أني وأنا في هذه الوضعية كنت أقل خوفاً من لحظة نزولي إلى القبو يوم أمس.

دخل بعد فترة رجل قصير ذو كرش (سأعرف لاحقاً في سياق التحقيق أن هذا هو مساعد التحقيق الأساسي أبو أحمد، يقولون هنا إنه الكل بالكل، وهو أول من سيستقبلنا في الفرع الجديد في العدوي عند عودتنا من سجن تدمر بعد “عمر طويل” وقد بات بعد هذا العمر شبيهاً بكلب هرم) برفقة مجموعة من العناصر وبيد كل منهم خيزرانة. وللمزيد من التهيئة قام اثنان بشد ساقيّ إلى بعضهما بقوة بواسطة حبل مربوط إلى قطعة خشب متينة، إجراء مؤلم جداً تشعر أنه يعصر الساقين إلى حدّ أن الألم يصل إلى العظم الذي تشعر أنه يمكن أن يعجز عن مقاومة كل قوة الشد هذه. تقدم ذو الكرش وقال بيقين وعادية من يطلب باكيت دخان من محل سمانة: مين هني أعضاء اللجنة المركزية في حزبكم. قلت له لا أعرف. ليس من باب القوة أو الصلابة أو أيّ شيء من هذا القبيل بل لأنني لا أعرف حقاً. وكأن كلمة لا أعرف كانت إشارة البدء. تواتر رهيب من الضربات على باطن قدميّ، كانت تلك خبرة قدميّ الأولى بمعنى الدولاب. يمكن أن يصح قول إن الحذر أشدّ من الوقيعة في كل شيء إلا في الألم. مهما حاولت أن تتصور الألم وتعيشه في خيالك وتحيط بأبعاده، فإنك لا يمكن أن تتكهن بشيء من حقيقته.

ومهما خفت من الألم فإن خوفك لن يتفوق على شعورك به. يتصاعد الألم بحدة ويكسر كل حواجز النفس، فتصرخ وتستغيث وأنت الذي تخجل من رفع صوتك والتعبير عن حاجتك بقوة وعلانية. تشعر أن الألم الذي يكتظ به جسدك يحاول الخروج من حنجرتك غير أن سبيل خروجه مغلقة، فتصرخ كأنك تريد أن تمزّق حنجرتك لعلك بذلك تفتح سبيلاً لتحرر الألم. ثم في لحظة يتوقف الضرب وينتهي الألم. في لحظة! (سأعرف بعد سنين طويلة من هذه الخبرة أن هذه ميزة للخيزرانة مقارنة مع الكرباج الكاوتشوكي المسطح الذي خبرته في سجن تدمر، فألم الكرباج المسطح لا يتوقف بتوقف الجلد. يصح أن تقول إن الخيزرانة تلسع، أما الكرباج فيجب أن تقول إنه يدحل أو يسحق أو يبطش). يا لها من متعة! متعة العودة إلى نقطة الصفر. متعة الشعور بجسد لا يتألم.

- تذكرتن يا عرصة؟! صرخ ذو الكرش.

- وحياة ألله ما بعرف يا سيدي!

- ليش أنتو بتعرفو ألله؟

يبدو أن كلمة ما بعرف هي بمثابة الأسيد الذي يكوي أعصاب المحققين ولا سيما منهم أولئك الذين يعرفون الله جيداً! ذات مرة سمعت أحد “منظّري” الأقبية يقول ملاحظة مفادها أن المعتقلين السياسيين يقسمون في التحقيق بما لا يؤمنون به، فترى الشيوعي يقسم بالله وترى الإسلامي يقسم بعرضه.

الإنسان الصالح في الدول المتخلفة هو الإنسان الذي لا يسمع ولا يرى ولا يحكي، ولكن حين يسقط هذا البشري في قبو أجهزة الأمن عليه أن يعرف، بل عليه أن يكون مخزن معلومات!

من جديد تبدأ نوبة من الألم الرهيب، نوبة تدوم أكثر من سابقتها. ثم من جديد، يسأل ذو الكرش إن كان الدولاب نشّط ذاكرتي. الدولاب كان على وشك أن يغرق وعيي، وليس فقط ذاكرتي، في عالم آخر مظلم. ولا أدري كيف توفّرت لي قوة القول إنني لا أعرف شيئاً. أدرك المكروش أن الاستمرار في الجلد يعني فقد الوعي فأمر بالتوقف. استراحة جلادين وسكب ماء على الرأس ثم عود على بدء. ليت الجلادين يستريحون طويلاً! فليعط الجلادون حوافز مادية من مال الشعب كي يطيلوا استراحتهم! ليكن بطل الإنتاج في مصلحة صناعة الألم هذه هو أقل الجلادين إنتاجاً. لم يزل الجلادون يستريحون ويستأنفون “الإنتاج” حتى اقتنع ذو الكرش فيما يبدو وأيقن أنني لم أعد أحتمل المزيد من الضرب، فطلب فك قدميّ وتحريري من الدولاب، وغادر صالون التعذيب متوعداً بزيادة “الطاقة الإنتاجية” في الجولات القادمة. بقيت مكوماً على بلاط القبو غير قادر على الحركة. غير أن أحد “المنتجين” رفسني بكعبه على كتفي قائلاً بحنق:

- فزّ ولا! يلعن أبوك عرص ابن عرص، هلكتنا!

لكني لم أستطع الوقوف. وخانتني نباهتي فلم أعتذر. انهمرت الخيزرانات كالمطر على هذه الكتلة الحية المنهكة التي أتعبت الجلادين. “ليت الفتى حجر”! أعوذ بالله من رجل هو من اللؤم والحقد على استعداد لتحمل الألم إلى حدوده القصوى لا لشيء إلا لكي يتعب الجلادين! ألا يعقل أن يكون هذا الرجل حلقة في مؤامرة تستهدف الجلادين إنهاكاً وتعباً؟! ولكن مهلاً! أليس الجلد هو عرس الجلادين وربيعهم؟! لماذا يتذمرون إذن من رجل يقدم جسده وليمة لخيزراناتهم وأبواطهم؟ رفسة أخرى على الرأس هذه المرة، مشفوعة بأمر جديد بالنهوض متبوعاً بما يمكن أن يولده تعب الجلادين من شتائم. تحاملت على نفسي ووقفت فلا أحد يعلم المكان الذي يمكن أن تختاره الرفسة الثالثة. توقع أيّ شيء من تعب الجلادين. لاحظوا! هذا الرجل يستطيع الوقوف إذن، ولكنه يناكف ويعاند وغاية مسعاه إتعاب الجلادين وإفساد رواقهم! طلبوا مني الهرولة في المكان فوق بقعة من الأرض عليها ماء. حاولت أن أهرول على قدميّ اللتين صارتا ضخمتين وثقيلتين وداميتين فلم أستطع واستندت إلى الحائط. رأيت كيف راح دمي يتخلى شيئاً فشيئاً عن كثافته للماء المسفوح على بلاط القبو.

تخطيط: ساي سرحان

جاءني صوت أحد عناصر الشرطة:

- تحرك يا حمار! تحرك، منشانك!

ها هو جلاد يهمه شأني! بات باطن قدمي حساساً إلى حد الشعور بالألم إذا ما صادف وجود مجرّد حبة رمل تحت قدمي. بات مجرد تخيل ضربة الخيزرانة على القدمين تعذيباً. كان ثقل قدميّ هائلاً فلم أستجب للأمر.

جاء الأمر بتنزيهي. النزهة هي أن تركض على طول الصالون ذهاباً وإياباً تحف بك عناصر الجلد من الجانبين وفي يد كلّ منهم خيزرانته التي يستخدمها ضدك حين تصبح ضمن مداه المجدي. أنت دائماً ضمن المدى المجدي لأحدهم، أنت إذن دائماً تحت الضرب. لا السرعة تنجيك ولا البطء. امش إذن، المشي أسهل! غير أن هذا الضرب أقل إيلاماً لأن الضربات لا تتكرر على النقطة نفسها، لكنه ضرب مخيف واحتمال الأذى فيه كبير. يبدو أن الشرطي الذي أبدى اهتماماً بشأني يعرف ما يقول، إذا لم تهرول من تلقاء ذاتك فإنهم يجبرونك على الهرولة تحت لسع الخيزرانات.

هذه البداية في التحقيق معي أعطت انطباعاً عنّي بأني عنيد. أما الحقيقة فهي أنني لا أعرف. عاد ذو الكرش، فأعادوني إلى الدولاب. ولكن هذه المرة بسؤال جديد أكثر بلاهة وعبثية من السؤال السابق. وقد مهد لسؤاله بجولة من الجلد أوقفها بإشارة منه وسأل فوراً:

- وين المطبعة ولا؟

اسودت الدنيا في وجهي وأيقنت أنني على هذه الحال قد أشوّه أو أموت تحت الضرب دون أن يكون أمامي مخرج. قد أكون جاهزاً لقول ما أعرف كي أتفادى الألم، قد أكون جاهزاً لخيانة أصدقاء ورفاق وأهل، ولكن ما يطلبه مني هذا الرجل لا أعرفه. سوف أزيد من تعب الجلادين حتى أنهكهم إذن.

- والله ما بعرف يا سيدي! قلت وأنا في قعر سحيق من اليأس وقد بدأت حنجرتي تتشنج ولا تطاوعني في الكلام، شيء أشبه بالبكاء الجاف.

- بدك تعرف! نحنا هون منشان نخليك تعرف!

هذا النوع من الكلام من مثل هذا النوع من الناس وفي مثل هذا الظرف أشبه ما يكون بمرور مدحلة على القلب. الكثير من اليأس مضافاً إلى الكثير من الألم الذي لا يطاق ينتهيان بفقد الوعي. صحوت على لطش ماء بارد، كان بدء الشعور بالصحو لذيذاً. حررت من الدولاب وأخذت إلى المكتب منهكاً لا أقوى على الوقوف، أجلسوني على الأرض أمام مكتب المحقق، عارياً مبلّلاً بالماء مرتجفاً من البرد ونفاد القوة والروح. كان في المكتب الرائد وملازمان، أحدهما هو ذو الشفاه الغليظة الذي قابلني في سجن الشيخ حسن، والآخر شاب طويل أشقر أراه للمرة الأولى، لكنه سرعان ما سيكشف بعد قليل عن نباهة فريدة. فبينما راح الرائد يجود عليّ بأقوال تشبهه: هل يعجبك هذا الوضع، ألم يكن من الأشرف لك لو سمعت نصيحتي، أنت تحبّ أن تبهدل حالك! (يا سيدي، أنا رجل أحبّ أن أبهدل حالي وأحبّ أن أعذّب الجلادين وأتعبهم ولو على حساب ألمي ودمي، أنا مخلوق من هذا الطراز! يا لهذه المحنة التي ابتلاكم بها الله بأن رماني بين أيديكم!) قفل الرائد هذا “العتاب” فجأة وقال:

- شوف! بدك تضل تاكل قتل حتى تعترف وين المطبعة، هي تعليمات المعلم! منشان هيك ريّحنا وارحم حالك واحكي.

لماذا يطلبون طلبات عالية؟ هل يعتمدون سياسة اطلب العشرة كي تأخذ التسعة؟ ولكن هذا غير منطقي، فهذه العشرة لا تتضمن التسعة، ثم ما هي التسعة التي يريدونها؟ يلحّون على طلب معلومات عالية وشديدة الحساسية من شخص غرّ لم يعترف حتى أنه ينتمي فعلاً إلى الحزب الذي يدور التحقيق حوله.

- يا سيدي والله ما بعرف! وحياة الله ما بعرف!

نهض ذو الشفتين الغليظتين شاهراً في وجهي سلاح تكشيرته الثقيل وقال محاولاً فيما يبدو أن يظهر للرائد قدراته التحقيقية: رح نخليك تعرف! خدوه! لم يتدخل الرائد. شحط، تلبيس دولاب، جلد، صراخ يثقب الجدران، خلايا تموت، قلب يضمحل، وعي يتلاشى، استغاثات “عضوية” موشكة على الفناء. توقف الجلد. كان ذو التكشيرة فوق رأسي مكشّراً. كشّر كما يحلو لك، واشتم كما يحلو لك، شتائمك لطيفة، وتكشيرتك حلوة، فقط أوقف الجلد!

- تذكرت وين المطبعة ولا؟! جاءني صوت أخنّ صادر من البلعوم أو من تحت اللسان أو من دهاليز الأنف أو من أيّ مكان سوى مصدر الصوت الطبيعي.

- تذكّرت! تذكّرت سيدي!

زها ذو التكشيرة بنصره الذي يؤكد أن الدولاب يجعل من لا يعرف يعرف ومن لا يتذكّر يتذكّر. وأمل بعودة مظفرة إلى مكتب الرائد.

- وين؟ خلصنا، العمى بعيونك!

رحت أخترع عنواناً سرعان ما تبين له أنه غير حقيقي وأنه مجرد مناورة يائسة للتخلص ولو مؤقتاً من الجلد، فما كان منه إلا أن بصق عليّ ورفسني بقوة وعاد إلى المكتب وهو يشتم ويتوعد. ثم بعد قليل وجدت نفسي في المكتب أمام الثلاثي نفسه. بادرني الرائد ببرود: ما بدك تقلنا وين المطبعة وتريح حالك يا دكتور! (مخاطبته الساخرة إياي بلقب دكتور تذكر بقصة الشيخ الذي وقع بين أيدي أناس حاقدين عليه فقاموا بربطه من رقبته إلى عربة ثقيلة وطلبوا منه جرها إلى أن أنهكوه، ثم تركوه. وفي مجلسه حكى الشيخ قصة ما جرى له مع أولئك الزناديق مضيفاً، لوجه الحق، أنهم طوال الوقت لم يخاطبوه بغير كلمة “يا شيخنا”!) أقسمت له بأنني كنت أرحت نفسي من زمان لو أنّي أعرف أينها أو لو أني أعرف شيئاً عنها. فالتمعت عينا الملازم الأشقر وقال كاشفاً عن نباهة واعدة:

كأن كل مشاعر الخوف والإهانة والألم واليأس ترجمت نفسها إلى شعور واحد هو الشعور بالبرد. رجفة خشنة تبدأ من القلب وتنتشر إلى المحيط تليها أخرى وأخرى بتواتر يتسارع شيئاً فشيئاً

- منعرف أنك ما بتعرف وين المطبعة، بس بدك تدلنا عليها!

في أجهزة الأمن، القوة تملأ كل الفراغات. تملأ فراغات ضعف الشخصية وعدم اتساق المنطق وتضارب الأسئلة…الخ.

كأن كل مشاعر الخوف والإهانة والألم واليأس ترجمت نفسها إلى شعور واحد هو الشعور بالبرد. رجفة خشنة تبدأ من القلب وتنتشر إلى المحيط تليها أخرى وأخرى بتواتر يتسارع شيئاً فشيئاً. أحسست بخواء فظيع في داخلي وبغثيان عميق. تجمعت على نفسي أكثر. تمنيت يائساً وقوع كارثة، اشتهيت جريمة كبيرة، أكبر من جريمة الماغوط، تلخبط الكون وتقلب المجريات. أعادوني إلى الزنزانة كما أنا عارياً ومبللاً ومنهكاً، ورموا ملابسي خلفي داخل الزنزانة ثم أقفل الشرطي الباب وهو يقول: لسا ما شفت شي، هَيْ بس تسلاية! سلمت نفسي الكسيرة إلى النوم. النوم ترياق. نمت بعمق كما لم أنم من قبل. يستقيل الوعي، يرمي عن كاهله دفعة واحدة كل الأحمال التي أثقلت عليه في بضع الساعات السابقة، ويترك المادة للمادة، يترك الجسم يرمّم نفسه وفق قوانينه المستبطنة. استيقظت، لا أدري بعد كم من الوقت، على فتح باب الزنزانة وصوت العنصر:

- فزّ ولا!

يا ألله، هل نسوا العالم وعبدوني؟ أما من شغل لهم سواي؟ تشعر أن كل وزن الدولة يكبس على رأسك، ويطبق على صدرك. عصب ماكينة الدولة هو الأجهزة الأمنية، وحين تشاء هذه الأجهزة فإن الماكينة تتحرك حسب هذه المشيئة. تشعر أنك الشغل الشاغل للدولة، السيارات جاهزة لإحضار كل من تتلفظ باسمه، وموظفو الجامعة جاهزون لنبش الملفات والأرشيف بحثاً عن اسم زعمت أنه في الجامعة، وأجهزة الاتصال الحديثة تصل البعيد والقريب لتنسيق حركتهم كي يكتشفوا تلفيق أو حقيقة ما تقول. لا شيء ناقص، لا شيء متعثر، فقط حين يتعلق الأمر بك.

كانت الحركة في صالون التعذيب الرحيب والصقيل والشديد الإضاءة، مختلفة عن فترة الصباح. درجة الاستنفار عالية أكثر منها في الصباح، وجوه العناصر أكثر جدية، وتعاملهم أكثر قسوة. لمحت المساعد ذا الكرش الذي غاب عن معظم فترة التحقيق الصباحي. تقدم مني مهدداً وشاتماً (الشتم شديد البذاءة من الملامح الثابتة في التحقيق، وللشتم في مثل هذا الحال مفعول كاوٍ على النفس، من أين يكنّ لك هؤلاء كل هذه الكراهية والعدائية وهم لا يعرفونك وأنت لم تقترف شيئاً مشيناً يفسر ظهور مثل هذه المشاعر تجاهك، أن يحمل العنصر خيزرانة ويضربك فهذا تنفيذ لأمر وأداء لمهمة ولكن أن يشتمك بكل هذا الحقد وكل هذا الفحش فهذا شيء شديد المرارة على النفس) وختم تهديداته بصفعة على وجهي أتبعها بأخرى ثم أمر العناصر بوضعي في الدولاب. رغم كل قسوة الصباح الفائت يبدو هذا المساء أكثر قسوة، لا شك أن في الأمر أمرا. كل العناصر أسرعوا للمساهمة في عملية وضعي في الدولاب كما لو أنهم يؤاجرون. الكل يبادرون بإعلان العدائية ضدي بالضرب والنهر والشتم والتوعد. لحظات وينحلّ اللغز، فبينما أنا في الدولاب في وضعية الاستعداد التام قالباً (وفي وضعية غير الاستعداد التام قلباً)، وبعد أن شدوا وثاق قدميّ معاً على أتم وجه، ظهر رجل مربوع بشعر أبيض خفيف سبق أن رأيته يوم وصولي من اللاذقية في مكتبه العالي، إنه رئيس الفرع. ارتبك الجميع. توجه سيادته إليّ مباشرة ووضع حذاءه على رقبتي وقال بتكشيرة لا تضاهيها سوى تكشيرة الملازم ذي الشفاه الغليظة:

- أنت منظَّم ولا؟!

طوال الصباح يقطعون جلدي سائلين عن أعضاء قيادة وعن مطبعة، وها هو سيادته يعيد الأمر إلى تتابعه المنطقي. ولكن ماذا يعني كل ما جرى في الصباح؟ من قاد التحقيق ومن حدد الأسئلة؟

- لا وحياة ألله يا سيدي! وحياة محمد مو منظم يا سيدي!

غضب من السماء نزل عليّ. كانت فاتحته صياح أحد العناصر “ولك هادا سيادة العقيد يا عرص”. إذن بصرف النظر عن السؤال، يجب أن تقول نعم لسيادة العقيد رئيس الفرع، لا شيء إذن سوى النعم. “لولا التشهد كانت لاؤه نعم!”. من يقف فوق رأسك الآن ليس الملازم ولا المساعد ولا حتى الرائد، إنه العقيد رئيس الفرع بشخصه. حتى الخيزرانات نفسها باتت أكثر نشاطاً وإيلاماً. ألمٌ يشتد كي يمزق شيئاً يقاوم التمزق، ليته يتمزق فأستريح! ألم يتصاعد ويتصاعد وينحشر في المنطقة الفاصلة بين أسفل الرقبة وأعلى الصدر على شكل كتلة كتيمة خانقة. غمرتني رغبة عارمة بالبكاء، ومن ثنايا حنجرة تتمزق راح يخرج صوتي رسول استغاثة إلى قوم لا يرحمون. اقترب سيادته أكثر وحاول دسّ مقدم حذائه في فمي وهو يرفع صوته بكلام لم أفهمه، فاختنقت. بعد لحظات توقف الجلد، وأنا على شفا هاوية سحيقة. تنهال فوقي المياه والشتائم. عندئذ أطلق سيادته نبوءته لي بكل ما أوتي من سلطة وكراهية وبذاءة: “بدك تصير دكتور ما هيك يا خرا؟ بيكونو شواربي على كس شرموطة إذا بعمرك بتصير دكتور!”.

ورغم جحيم الدولاب وتغيم الوعي وطوفان اليأس فإن ذاكرتي التقطت هذه العبارة واحتفظت بها. وبعد سنوات طويلة انكشفت لي آلية تنفيذ نبوءته الباصرة في ورقة صغيرة (توصية!) وضعها سيادته في ملفي الذي رأيته في المحكمة بعد 11 سنة ونصف من توقيفي. وقد قضى هذا الرجل قبل أن يتحقق من صحة نبوءته، قضى في تواليت، كانت آخر لحظات حياته في ذلك المكان المناسب. ولا يمكنني أن أنكر أن خوفي من تحقق نبوءته كان ملازماً لي طوال فترة دراستي رغم أن صاحب النبوءة كان قد صار تحت التراب من سنوات. وعندي ما يكفي من الشعور بأنه ما كان يمكنني متابعة دراستي لو ظل هذا الرجل “المتنبئ” على قيد الحياة، قوياً ونافذاً وقادراً على قيادة تنبؤاته. ولعل موته المفاجئ هو ما أفشل نبوءته، فقد كان يمكن أن يوصي “حوارييه” بالسهر على نجاح تلك النبوءة لو أدرك أنه سيموت وكان لديه ما يكفي من الوقت والقوة ليوصي.
لوحة: عاصم الباشا

يغيب سيادته. يحررونني من الدولاب، هرولة في المكان فوق الماء، تنزيه، ثم تنزيه، ثم أحمل الدولاب على كتفي وأقف في إحدى زوايا صالون التعذيب يحرسني عنصر شاب. لعل سيادته تعب من تعذيب التعذيب ويستريح لشرب فنجان قهوة مثلاً. قليل أو كثير من الوقت لا أدري فقد تعطلت لديّ آلة الوقت، قليل أو كثير من الوقت ويعود الفيلق، يتأخرهم العقيد. ليبدأ جولة جديدة:

- بدك تساوي حالك بطل ما هيك، الظاهر بتقرا روايات كتير؟ بس لازم تعرف يا عرص يا ابن العرص أنه نحنا ما عنا أبطال، الكل راسن تحت هالصرماية!

هذا سيادة العقيد رئيس الفرع، وإذا غضب، فإن ألف خيزرانة تغضب لغضبته. وها هي الخيزرانات الغضبى تشفي غليلها من قدميك المتورمتين النازفتين.

- دخيلك يا سيدي بدي أحكي!

تتوقف ماكينة الدولة، تهنأ قدماي بقليل من الراحة. ليت التوقف يطول ليطول الهناء!

- شو بدك تحكي ولا ابن العرص!

- سيدي.. سيدي.. والله أنا مو منظم يا سيدي! والله..

يغضب العقيد ويشتم فتغضب الخيزرانات وتشتم، وهل لا زال في رصيد قدميّ بقية لتسديد فواتير الغضب؟! غرقت في لجة من الألم الثقيل الكاوي والصراخ الشاتم المهدد من كل مكان. ضاق صدري وتيبس الهواء في حنجرتي..

- بدي أحكي يا سيدي!

غير أن ماكينة الدولة لم تعبأ بي هذه المرة وواصلت مهمتها الرهيبة. كررت الصراخ دون جدوى. “بدي أحكي يا سيدي!” ولكن دون جدوى. الألم ثقيل أكثر مما يمكن أن أحتمل، الهواء يغادر صدري دون أن يعود، أشعر أن قلبي يلتف على نفسه ويتعثر، وكذلك وعيي. أصرخ: أنا منظم!!.. تهدأ ماكينة الدولة دفعة واحدة. تنعم قدماي باستراحة. يعثر دمي من جديد على وجهته. ماكينة الدولة ترتاح على إنجاز. وقدماي كذلك. اعتراف! لقمة تحتاج إلى مضغ! عقول شرسة تخبط في ظلمة دامسة بلا دليل ولا ضوء كاشف.

يعبر في ذهنك أن هناك مؤامرة أزلية، مؤامرة كبرى في الخلق، وإن غاية خلق القدمين على هذا الشكل هي التعذيب ولا شيء آخر. أما كان يمكن تعديل الخلق فلا يكون باطن القدمين هذا المكان المناسب للجلد؟ يخطر في ذهنك أشكال افتراضية لقدمي الإنسان، شيء ما يشبه الأظلاف مثلاً، أو على الأقل قدمان بلا أصابع، إذ ما وظيفة أصابع القدمين سوى أن تكون نقاط ألم فظيع عند الجلد؟ سوى أن تكون مكاناً يختاره جلاد كي يمارس عليه أقصى درجات الإلحاد؟ يعبر في ذهنك أن كل شيء في خلق الإنسان إنما معدّ ليناسب أولئك الذين يعذّبون ويقتلون ويغلبون، “تؤخذ الدنيا غلابا!”. ولكن انتظر! حين يتعذر جَلد القدمين بعد تهتك وتلف جِلد القدمين، هل يعدم الجلاد الوسيلة؟ سيجمعك بعد حين كركون الشيخ حسن مع فرحان، الشاب الجميل الذي اشتهته السجون منذ بداية شبابه واستأثرت به طويلاً، لترى كيف يمكن أن يستعيض الجلاد عن باطن القدمين بباطن الركبتين مثلاً، كيف يصير الجزء الداخلي من مفصل الركبة مكاناً احتياطياً للجلد. تجمعك السجون الأخرى بأناس شهدوا وسائل تعذيب لا تنتهي. الألم قاسم مشترك لكل الوسائل ولا حدود للألم الذي يعانيه جسد الإنسان. ولئن كانت متعة الجسد البشري محدودة فإن ألمه غير محدود.

يمكن أن يعجز الألم الجسدي عن قهر النفس وكسرها واستعبادها، فهناك أشخاص لديهم قدرة مميزة على احتمال الألم، حينها يمكن أن يلجأ المحقق إلى إنتاج ألم من نوع آخر. من القصص أن بحرة الكركون شهدت ذات يوم التحقيق الذي جرى مع رجل كبير السن بتهمة إسلامية. لم تكتف البحرة بالمشاهدة فقط بل شاركت أيضاً بأن استقبلت في مياهها الباردة جسد ذلك العجوز عارياً ومتورماً ومدمى مرات عديدة. غير أن الألم الجسدي فشل في تحطيم “مقاومة” هذا الرجل، مما أثار عدوانية المحقق الذي كان معروفاً بأنه لا يتورع عن فعل أيّ شيء، فما كان منه إلا أن أجبر العجوز على أن يتخذ وضعية معينة وهو عار تماماً ثم هدده بأن يجعله موضوعاً جنسياً لأحد عناصره الشباب ما لم يعترف بكل شيء، الـ”كل شيء” التاريخية إياها. كان هذا كافياً كي ينهار الرجل ويقدم اعترافات أشبه ما تكون بالهلوسة اختلط فيها الصحيح بالوهمي الأمر الذي جر المصائب على أهل قريته بالكامل، من الفران إلى الدكنجي إلى كل من له موقع في ذاكرة ذلك العجوز!

يعود العقيد إلى فريسته. تستنفر الخيزرانات والدواليب والأكف والحناجر، حتى هواء القبو يعاند طبيعته الفيزيائية ويصبح متماسكاً ويستعصي على الشهيق، كما لو أنه يرغب هو الآخر في التحول إلى عنصر في جوقة التعذيب يأتمر بأمر العقيد الظافر. لا شيء حيادياً في هذا القبو، كل شيء منحاز إلى العقيد وجنده ضد هذه الفريسة المنتخبة.

- رحت ع لبنان ولا؟! قال العقيد مكشراً باستعلاء وقرف! ما هي قصة التكشير؟ وإلى أيّ حد كنت غافلاً عن وجود هذا السلاح من قبل؟ فأنا لم أكد أستوعب تكشيرة الملازم الأول غليظ الشفتين حتى هوجمت بتكشيرة أخرى تفوقها قدرة على ختم القلوب وعمي الأبصار. تكشيرة العقيد دخلت بقوة في هذه الجولة التحقيقية كسلاح فعال على الحلبة. تفاديت التكشيرة وأجبت:

- لا والله ما رحت يا سيدي!

- كذاب!

وانطلقت آلة صناعة الألم الجبارة في عملها. الجميع ينهمكون وينصبّ تركيزهم على جسد منهك دام متخبط. أتخيل صورة انهماك الرجال (الرجال فقط، لا يجوز للنساء ذلك!) في السيطرة على الأضحية قبل ذبحها.

في خريف عام 1982 كان حزب العمل الشيوعي، في خطوة مرتجلة، قد أرسل إلى لبنان، إلى طرابلس بالتحديد، مجموعتين من أعضائه للتدرب على القتال واستعمال السلاح في معسكرات تابعة لحركة فتح. علم الأمن بذلك فصار السؤال عن السفر إلى لبنان جزءاً من كل تحقيق مع متّهمي حزب العمل الشيوعي.

ذهبت آلة صناعة الألم بعيداً في عملها. وراح وعيي يتكسر ويتلاشى تحت موجة الألم الرهيبة. بت أشعر أن رئتيّ تنكمشان وتتحولان إلى كرة إسفنجية مشبعة بزيت ثقيل تحاول الخروج من صدري عبر البلعوم، لا تريد رئتاي أن تتحملا مشقة العيش في جسد يتعرض لكل هذا الألم. تتوقف الآلة ليكرر صاحب الأمر سؤاله بمزيج من العدائية والقرف والتسلط، ولأكرر نفيي وأنا في حضيض من اليأس، ثم تستأنف الآلة الصماء عملها في معالجة جسد عالق في برزخ. ينهي سيادته المهمة، يقرر مصيري، ثم يودعني برفسة مشفوعة ببصاقه وبذاءته.

اسودت الدنيا في وجهي وأيقنت أنني على هذه الحال قد أشوّه أو أموت تحت الضرب دون أن يكون أمامي مخرج. قد أكون جاهزاً لقول ما أعرف كي أتفادى الألم، قد أكون جاهزاً لخيانة أصدقاء ورفاق وأهل

هل خطر يوماً في بال أبي شيء كهذا؟ كان أبي من البعثيين الأوائل وكان يكرّس نفسه للعمل الحزبي والنقابي على حساب اهتمامه بنفسه وبأسرته. صار ممثلاً للبعثيين في مكتب الاتحاد العام لنقابات العمال في أواسط خمسينات القرن الماضي ورئيس النقابة العامة لعمّال المناجم والمحاجر للإقليم السوري زمن الوحدة، بعد أن كان قد شارك، تحت إشراف “بعثي”، في تأسيس نقابة عمّال الإسفلت التي انضوت لاحقاً تحت النقابة الأولى. وانعكس إخلاصه “للبعث” على مجمل حياته وترك بصمته على أسماء أولاده. يناديه الواجب البعثي فيترك كل شيء خلفه ويلبيه. ففي الوقت الذي ينشغل فيه أرباب الأسر في الريف بشؤون الزراعة والسعي لاكتساب أراض جديدة على حساب الأراضي الأميرية أو على حساب أراضي بعضهم البعض، كان أبي يجول في بلدان العالم الاشتراكي “الصديق” تنفيذاً لمهامه الحزبية التي لا يعلو عليها شيء، تاركاً أراضينا الفقيرة والمحدودة موضوعاً للإهمال ولطمع الفلاحين المجاورين. كانت أمي تقول بسخرية مريرة: أبوكم لا يطيع سوى أوامر حزبه، ليت هذا الحزب يأمره بزراعة أراضيه والاهتمام بأسرته بدلاً من هذا التجوال الدائم الذي لا نجني منه سوى الشقاء.

اعتدنا على غياب أبي المتكرر عن البيت. كان تعبير “مهمة حزبية” حاضراً دائماً في حياتنا الأسرية. يسافر أبي، تاركاً لأمي كل شيء، تربية الأطفال والحراثة والزراعة والجني والحماية والعناية بالحيوانات وتأمين حطب المواقد للطبخ والغسيل وحطب التدفئة.. الخ. كان يترك لها كل شيء، سوى النقود. وتحكي أمي أن أبي أوشك أن يضربها ذات مرة لأنها احتجت على أخذه كل الرصيد المالي الهزيل من البيت قبل سفره “الحزبي” إلى دمشق، قائلة كيف ترضى أن تتركنا دون نقود؟ ألا يؤمّن لك هذا الحزب مصاريف سفرك؟ لم تكن أمي تدرك أنه حين كانت تسطع شمس المهمة الحزبية البعثية في ذهن أبي كانت تكسف أمامها كل كواكب المهام “التافهة” الأخرى. فهل يتقاعس عن “المهمة الحزبية” خشية أن يجوع ولد أو تشقى زوجة مثلاً؟ كان بعثياً مهووساً وليس فقط مخلصاً.
يحكى أنه في الثامن من آذار 1963، حمل علم البعث عالياً في طرقات القرية قبل أن يعود ويرفعه على سطح بيتنا، ابتهاجاً بانتصار “الثورة”. لم يكن يعلم أبي أن أمثاله إنما هم وقود غيرهم في الوصول إلى السلطة، أما بعد ذلك فللسلطة وقود من نوع آخر. بدأ أبي بعد “الثورة” يشرب الخيبة شيئاً فشيئاً من كأسين، الأول هو كأس شعوره بتقصير “الثورة” عن تنفيذ ما كان يحلم به منها، من وحدة وتحرير وإنصاف للعمال الذين قضى عمره يعمل للدفاع عنهم دون أدنى مكسب شخصي بل بالكثير من الخسائر الشخصية، والثاني هو كأس شعوره المتزايد يوماً وراء يوم بالتهميش والإقصاء داخل حزبه نفسه. التهميش الذي انتهى بأن تم فصله من الحزب على أيدي البعثيين الجدد الذين كان يثقل على نفوسهم في الاجتماعات بجرأة نقده وسطوع تاريخه ونظافة يده.

هل كان يخال أبي أنه بعمله “الحزبي” ذاك الذي كرّس له شبابه وحياته، إنما كان يبني لابنه الأصغر الذي ولد بعد أشهر قليلة من رفعه العلم البعثي على سطح البيت، قبواً للتعذيب. هل كان يتصور أنه في كفاحه ذاك إنما كان يحمل على كتفيه أمثال هذا العقيد الذي سيشتمه في وجهي وعن طريقي بكل هذه البذاءة؟ هذا العقيد الذي لا يملّ من تكرار القول “الكل تحت هالصرماية!” مشبعاً بسلطته غير المحدودة وغير الخاضعة لحساب، هذا العقيد الذي تغذى وأمثاله على عرق وشقاء ودم أبي وأمثاله، بات اليوم لا يرضى بأقل من السمع والطاعة، ولا يتناول أبي وأمثاله إلا بالشتائم. وقد لاحظت، بالمناسبة، أن الكثير من السجناء اليساريين الذين التقيتهم في السجن هم أبناء لآباء بعثيين يشبهون في تاريخهم تاريخ أبي.

في الأيام التالية عاد التحقيق معي إلى الأرض، أسئلة عن طبيعة علاقتي بهؤلاء الأصدقاء الذين في الزنازين، عن الكتب التي نقرؤها، الغاية من هذه القراءات، علاقة الحزب بها، متى تلتقون، أين تلتقون، من اقترح فكرة اللقاء.. الخ. تحقيق “طبيعي”. تراجع ضغط التعذيب قليلاً. المساعد ذو الكرش يتولى الآن معظم مجريات التحقيق، يدوّن اعترافاتك على أوراق بيضاء، يتجاوب مع اعتراضاتك. لكن ذات مرة غضب من اعتراضي على إحدى التلفيقات التي اعتبرتها هامة ومضرّة وطلبت حذفها، فنهض وصفعني بعنف وهو يرفع صوته ويقول:

- يا حيوان أنت محلك هون خلف الطاولة مو هون! مشيراً إلى مكاني حيث أجلس أمام الطاولة. لم أفهم في البداية معنى قوله، ولم أفطن إلا بعد أيام في خلوة الزنزانة إلى الدلالة الطائفية لكلامه.

لوحة: فادية عفاش

هدأ بعد ذلك وكأنه يدخل في مشهد جديد، وقص عليّ كيف أنه نسي حاله مرة وصفع ابنه، الطالب الجامعي، صفعة رهيبة حاسباً أن ابنه موقوفاً. وقال إن ضغط العمل كبير ويجعل المرء عرضة للخلط. استغربت كيف ينتقل هذا الرجل بهذه السرعة وهذه الجذرية فيبوح لشخص انتهى للتو من صفعة بهذا العنف. في هذا المشهد البوحي الجديد كان يمكنني أن أسأله، فسألته ألم يختلط الأمر عليك ذات مرة فتحسب الموقوف ابنك؟ غير أن سؤالي لم يرق له، فقال “لا” ناشفة كما لو أنه ظن أني أنصب له فخاً، ذلك أن من شأن مثل هذا الشعور إذا صرح به أن يهدد حياته الوظيفية!

ذو الكرش يبهّر التقرير بأشياء كاذبة فقط ليعطي الكلام نكهة شيوعية، ولكنها أشياء قليلة الأهمية. ترضى عن ملفك، توقع عليه. ملفك يقول إنك غير منظم في أيّ حزب، وأنه لا علاقة مباشرة لهؤلاء الشباب بأيّ حزب. تشعر أنه رغم كل شيء (كل شيء!) فالخاتمة سعيدة. سترفع الملفات إلى جهة أعلى ثم ربما إلى جهة أعلى، ثم يبتّ بأمرنا ويخلى سبيلنا دون شك. تفاؤلي المسكين هذا لم يفارقني طوال 16 سنة من السجن. 16 سنة وهذا الطفل الغافل المطمئن يلهو في حديقة نفسي، لا يملّ، ولا أدري هل يتعلق بي بأكثر مما أتعلق أنا به. يضعف تفاؤلي أحياناً وينكفئ لكنه يألفني كثيراً فلا يملّني ولا يغادرني. أشعت في نفسي وفي نفوس من حولي أملاً بأننا خارجون من هنا إلى دراستنا وأهالينا. من يقرأ الملف لا بد أن يغزوه التفاؤل. لم يدر في خلدي أن هذه الأريحية من قبل المساعد في صياغة الملف تعكس عدم أهميته، وأن انطباع سيادة العقيد وتوصيته هو ما له القيمة أمام الجهة الأعلى والأعلى. انتهى التحقيق، فتحت معظم طاقات الزنازين. وارتاحت نفوسنا من ضغط الترقب والخوف والتعذيب. وراحت أجسامنا تطالب بما فاتها من طعام طوال فترة التحقيق. وراحت الأيدي في فترة توزيع الطعام تمتد من الطاقات مطالبة بالمزيد من الخبز. على أن فترة بقائنا في الفرع بعد انتهاء التحقيق لم تشهد اعتقالات سياسية ذات قيمة، كل ما حدث هو اعتقالات متقطعة وفي قضايا غير سياسية فيما يبدو. ولم يكن هؤلاء المعتقلون يمكثون أكثر من يوم أو يومين في الفرع وأحياناً لا يبيتون فيه، دلالة على ضعف فعالية هذا الفرع قياساً على فروع الأمن الأخرى في تلك الفترة. ذات يوم من تلك الفترة وصلتنا من داخل قبو التعذيب أصوات جلد وصياح رجل يقول:

- دخيلكم أنا ماني بألبا! دخيلكم خدو الجبس كلو يا سيدي!

كان هذا بائع جبس قريب من الفرع اشترى العناصر منه واحدة ولكن تبين بعد الكسر، كما يزعمون، أنها بيضاء وقليلة الحلاوة. ويبدو أن العناصر كانوا متحاملين سلفاً على هذا الرجل لأنه لا يسامحهم في السعر، كما قال أحدهم، فاغتنموا فرصة غياب الضباط ووجود رئيس مفرزة متساهل كي “يربوه” متذرعين بأن الجبسة التي اشتروها منه كانت “مغشوشة”. (لكل مستوى من مستويات الفرع ظلمه الخاص. ظلم يتناسب مستواه مع مستوى الظالم في تراتبية الفرع، “فالظلم من شيم النفوس!”). علّق أحدنا على هذه الحوادث المتفرقة والعابرة بالقول إن هذه أصوات قرقعة أمعاء الفرع الخاوية.

ما حول التحقيق

في أيام التحقيق الأخيرة، بعد أن رسم سيادة العقيد لنا مصيرنا وترك أمر الشكليات لموظفي الفرع وضباطه الأدنى رتبة، وبعد أن ينتهي الدوام ويفرغ الفرع من ضباطه، كان المناوبون من عناصر مفرزة التحقيق يدخلون إلى كوريدور الزنازين، يخرجون من قميص الجلادين ودورهم، يفتحون طاقات الزنازين علينا ويقضون سهرتهم معنا. لا شيء فيهم يشبه حالهم أثناء أدائهم وظيفتهم في التحقيق. حتى أشكالهم تختلف. قدرة رهيبة على الدخول والخروج من الأدوار. وقد كان الشرطي سبع سيد هذه السهرات بقصته الغرامية مع من هي الآن زوجته. وسبع رجل من الساحل متطوع ويبدو عليه الفقر، ويمكن أن أقول أيضاً إنه يتمتع برهافة الحس. وتظهر رهافة حسه من المواويل جميلة المعنى والأداء التي كان يخفف بها من ثقل ما نحن فيه، حتى أنه كان يختار مواويل عن الغربة والسجن والافتقاد تلامس الحالة التي نحن فيها، وكثيراً ما كان يكرّر موالاً ينتهي بدعاء لعودة كل غائب إلى أهله. وتظهر رهافة حسه من طريقة قصه لغرامياته وتركيزه على تفاصيل صغيرة، ومن طريقة كلامه معنا وإحساسه بمعنى الوضع الذي نحن فيه. فقد كنت كثيراً ما تسمعه يقول بطيبة “ألله يرجعكم لأهاليكم، والله أنتو أوادم، ألله يفرجا عنكم”. وكنت تشعر أن سبع حتى ذلك الوقت ورغم مضيّ وقت غير قليل على زواجه ورغم الأبناء وأعبائهم، لا يزال يحب زوجته بطريقة جنونية.

تحدث بتنويعات كثيرة عن لقاءاته بها على النبع، فهو لا يزال يذكر بدفء كيف كانت تغسل له الخس وتعطيه الورق الغض والقلب، وكيف كان يغامر ليقطف لها أجود عنقود عنب. وكم كانت متعته كبيرة حين يساعدها على حمل جرّة الماء، وقد كان يتمنى، لولا العيب، أن يحملها عنها ويريحها. وفي إحدى المرات وبينما كان سبع يدخل الكوريدور متشوقاً لمتعه قص ذكرياته تلك أو لمتعة أداء موال ما، بالغ أحد الشباب في رفع الكلفة وسأله: شو أخبار فلانه؟ ذاكراً اسم زوجته بدل أن يقول أم فلان. ظهر الاستياء واضحاً على وجه سبع، ونرفز وقال كلاماً كثيراً يأسف فيه على أنه فتح قلبه لنا، وينضم فيه إلى فئة من يقول إنه لا ينفع معنا سوى الدولاب. كلام كثير موجه إلى من رفع الكلفة بهذا الشكل، كلام لم ينفع معه اعتذار ولا تبرير، كلام طويل ثقيل كنا ننتظر أن يكون، لولا رفع الكلفة المشؤوم ذاك، كلاماً عن الحب والذكريات العذبة. تغير سبع بعد تلك المرة، ومع ذلك لم يصبح عدوانياً تجاهنا، وقد جاء بعد تلك الحادثة يسألني، بصفتي من المحافظة نفسها، ماذا أريد من اللاذقية فهو ذاهب في إجازة، قلت له لا أريد سوى السلامة، فقال بصوته العالي الذي كثيراً ما ملأ كوريدور الزنازين بالمواويل في السهرات الخوالي: معقولي مانك مشتاق لفرعة حبق من تراب الضيعة؟

سبع لم يكن يدخّن، لا بل كان “يكرز″ ضد التدخين. وعلى خلاف ذلك فإن المساعد نايف، رئيس المفرزة، كان يدخّن بكثرة. وكان دخوله إلى الكوريدور فرصة للمدخنين من أهالي الزنازين.

ولا شك أن المساعد نايف كان يدرك جيداً معنى الانقطاع القسري للمدخن عن التدخين وحجم شوقه إلى سيجارة. وهو لم يكن يبخل، على الأقل بعد نشوء علاقة اجتماعية بيننا جراء تكرار السهرات، بإشعال سيجارة وإعطائها لمن يطلب رغم ما في ذلك من مسؤولية عليه. كان نايف يقدم للسجين سيجارة كاملة دون أن يستجر المذلة من أحد أو أن يتلذذ بكسر النفوس، على خلاف ما روى لنا سجناء الشيخ حسن، بعد أن انضوينا تحت رايتهم، عن أبي غازي الذي كان، قبل السماح بالدخان هناك، امبراطوراً في الكركون، لمجرد أنه يدخّن. كان أبو غازي على حافة التقاعد حين نقلونا إلى الكركون من الفرع، وكان “قفةً من العظام”، أحدب وبارز الأنف وطويل عظم الذقن، أي كان يشبه صور الساحرين أو الأبالسة. يمشي في التنفس وهو يدخن سيجارة اللف فيتبعه من غلبته رغبة التدخين طالباً منه سيجارة، فيماطله أبو غازي حتى تقترب سيجارته من نهايتها ويمدها له من خلف كتفه دون أن ينظر إليه بعد أن يكون عقبها قد صار مشبعاً ببصاقه. فيتلقفها السجين ممتناً، إذ حين تشتعل الرغبة لا يبقى محل للقرف. في أحيان أخرى يكون أبو غازي أكثر حذراً فلا يعطي عليه أيّ مستمسك بأنه يعطي السجناء من دخانه، وبدلاً من أن يمد السيجارة إلى السجين “الخرمان” الذي يلاحقه طمعاً “بكرمه” كان أبو غازي يرمي سيجارته إلى الأرض ويتكرم على السجين بأن لا يهرسها بحذائه، فيعمل السجين على التقاط السيجارة عن الأرض والتنعم بها!
في الزنزانة تخيلت لو أن الملازم صاحب التكشيرة هو من تولى التحقيق بموضوع الغرفة هذا، كيف كانت الحال وإلى أين كان يمكن أن تسير الأمور. وكلما امتد خيالي، زاد كرهي لجمعة

أما عامر، وهو شاب نحيل مفرط الحيوية يتميز بشحاطه الديري ذي الإصبع، فقد كان يطيب له التسلي بخوفنا من الدولاب، يدخل الكوريدور وهو يصرخ ويهدد مراقباً ردود أفعالنا. وكان منه ذات مرة أن جلب الدولاب من صالون التعذيب ورماه في كوريدور الزنازين متصنعاً الجد ومهدداً به نبيل، الشخص الأكثر غضاضة بيننا، ليتسلى بردود أفعاله.

في الصباح كنت أسمع صوت خطوات كندرة نسائية فوق زنزانتي. خطوات قصيرة وقليلة وبمرات متباعدة تدل على أن هذه المرأة تتحرك ضمن مجال ضيق افترضت أنه مكتب، لا مجال لافتراض آخر، على أيّ حال. لا شك أنها موظفة في الفرع. من المؤكد أن هذا الصوت كان موجوداً طوال الوقت لكني لم أنتبه إليه إلا بعد انتهاء التحقيق وخلال فترة انتظار “قرار مصيرنا”. صرت أترقّب الصوت وأستمتع به. ورغم أن هذه المرأة تعمل، كما يفترض، في مكتب تابع للفرع الذي “يحتفي” بنا، وقد تكون سكرتيرة أحد الضباط، إلا أن أنوثة صوت وقع الكندرة طغت على قسوة الفرع. الأنوثة تشكل نوعاً من العمق الاستراتيجي للنفس يمكنها أن تنكفئ إليه في ساعات الشدة، حين يطغى الظلم وتسيطر القسوة. الأنثى هي الحليف الأول لكل ضحايا العنف والقوة. في السجن كما في الشدات الأخرى تجد تعاطف النساء أكثر صدقاً. يقيناً إنه من الأقسى على النفس أن تتلقى التعذيب على يد نساء، كما كان يحدث في أيام محاكم التفتيش مثلاً. حين تتلقى التعذيب والمعاملة القاسية على يد من تجد فيهم النفس عادة جانباً ليناً تلوذ به، تصبح النفس، كما أظن، أكثر عرياً ويأساً.

انتهى التحقيق، لم نعد نسمع صوت جرس مكتب المحقق كثيراً. صوت جرس المكتب يعقبه صوت فتح باب شبك الحديد المطل على كوريدور الزنازين ثم صوت فتح باب إحدى الزنازين. تتابع اعتدناه أثناء فترة التحقيق ولكن ما لم نستطع التعود عليه هو الخوف الذي يطلقه في نفوسنا صوت هذا الجرس، الصوت الذي بتنا نستقبله ببواطن أقدامنا قبل أن تستقبله آذاننا. لا نحسد من تفتح زنزانته، لأن الصوت الرابع الذي يلي هذه الأصوات الثلاثة هو صوت استغاثات وتوجع صاحب الزنزانة المفتوحة. انتهى التحقيق وأمر الرائد بفتح الطاقات على البعض منا. صار عناصر المفرزة أكثر جرأة في الدخول إلى كوريدور الزنازين وأكثر انفتاحاً معنا. وبعد كل وجبة غداء، كان جمعة، وهو شرطي مسجون في واحدة من الزنازين لسبب نجهله، يقضي وقتاً طويلاً في شطف الكوريدور من آثار توزيع الغداء، بالصابون السائل مرة ثم بالماء، ثم تنشيف ثان بالمساحة. يتواجد جمعة فترة طويلة حراً بين الزنازين، يقوم بدور حلقة وصل فيما بيننا، ينقل رغيف خبز أو بضع حبات من الزيتون أو أيّ شيء من واحد إلى آخر. وذات يوم فتح طاقة زنزانتي وأعطاني شيئاً قائلاً هذا من جلال، كانت ورقة تحوي نصف قطعة حلو من الدوسير الذي وزعوه علينا في الأمس، كانت هدية رائعة وثمينة ولا سيما أن دوسير الحلويات نادر وأن المرسل يموت في الحلويات أيضاً. فترة شطف الممر هي فترة استراحة ما بعد الغداء. غالباً ما تكون الطاقات مفتوحة على الجميع، نقف ونتحادث، نقص مناماتنا على بعضنا البعض، نجتهد في التفسير، نتبادل التكهنات، نبني قصوراً شاهقة على كلمة قالها المساعد أو تعليق صدر عن شرطي كما لو أن هؤلاء يعلمون شيئاً.

بعد أيام من الراحة يرن جرس المحقق في إحدى الأماسي، تلك الرنة اللعينة عينها. ثم يحدث التتالي نفسه بعد أن تنقطع أنفاسنا: يفتح باب شبك الحديد، ثم خطوات الشرطي في الممر، ثم يفتح باب الزنزانة، إنها زنزانتي! ما إن وضع الشرطي المفتاح في قفل باب الزنزانة حتى استعادت قدماي في لحظة واحدة سيرة أيام قليلة خلت منذ أيام قليلة ولا تزال آثارها حية فيهما. خرجت حافياً خائفاً. في المكتب استقبلني الرائد بسخرية مواربة كعادته: أهلين دكتور! وراح كعادته أيضاً يقارب موضوعه من بعيد ويحوم حوله. تابعت كلامه واقتصدت في ردودي كي أتبين الأمر وأعرف سرّ طلبه لي، ونفسي مسرح خال للخوف. كنت خائفاً ليس لأني “صمدت” في التحقيق وأخفيت أشياء مهمة أخشى أن يكونوا قد توصلوا إلى خيوطها، بل لأن أيّ ظن مهما كان ضئيلاً وضعيف السند يكلفك هنا درباً طويلة من الآلام. بعد كلام طويل قال الرائد:

- شو قصة هالغرفة اللي خايف عليها واللي أخفيتها عنا طول هالوقت؟

- أي غرفة!؟ قلت بصوت خال من الألوان، وأنا أستشعر نكبة.

- ولو يا دكتور! صحيح وقفنا التحقيق بس إلنا جوا مين عم يراقب أحاديثكم مع بعض، وأنت قلت لواحد من رفقاتك أنك خايف عالغرفة تروح، بقا شو قصة هالغرفة؟ ما بدنا نرجع لأساليب ما منحبا.

جيد أنه شرح. كان يمكن أن يلعن أنفاسي في الدولاب وهو يسأل شو هالغرفة؟ من شرحه فهمت. إنه جمعة الشرطي الذي ينظف الممر بين الزنازين ويتابع أحاديثنا لينقل لهم ما يراه مهماً. فمنذ يوم أو يومين كنت أتحادث مع ناصر الذي كانت زنزانته مقابلة لزنزانتي وقلت له فعلاً إني أخاف على الغرفة، ولكن هذه الغرفة هي غرفتي المستأجرة في أحد أحياء دمشق الفقيرة. وقد اضطررت لاستئجارها بعد أن سدّت في وجهي كل سبل الحصول على غرفة في السكن الجامعي التابع لجامعة دمشق. اتضح أيامها أن “توصية” سبقتني أو لحقتني تحظر حصولي على سكن جامعي. حينها كنت حسن الظن -ولا أزال للأسف!- وكثيراً ما راجعت مسؤولي الاتحاد الوطني للطلاب وهؤلاء كانوا يطلبون مني قراءة القوائم المعلقة على جدران المدينة الجامعية فلا بد أن اسمي بينها، وكثيراً ما راجعت تلك القوائم عبثاً، وراجعت من ثمة المسؤولين الذين يعيدوني إلى قراءة اللوائح ثانية قائلين إن هناك لوائح جديدة نزلت ولا بد أن اسمي.. وهكذا. وكان يزيد من همتي في متابعة هذا التعثر معرفتي المباشرة بطلاب دمشقيين حصلوا دون أدنى صعوبة أو تأخير أو مراجعات على السكن ليس بغرض السكن، فقط كي يحصلوا على بطاقة سكن جامعي تمكنهم من دخول المدينة الجامعية حين يروق لهم. كنت أقول في نفسي من غير المنطقي أن يحصل ابن دمشق على سكن، وهو من المفترض أنه يسكن مع أهله، ولا يحصل عليه ابن اللاذقية الذي يفترض أنه لا أهل له في دمشق، ولا سيما إذا كان يدرس فرعاً علمياً يحتاج إلى الالتزام بالدوام. وعلى سكة هذا المنطق المغفّل مشيت، حتى تعبت ويئست واضطررت لاستئجار غرفة، هي الغرفة التي يستفسر عنها سيادة الرائد. وهنا في هذا القبو، حين غلبني تفاؤلي بأن نتيجة التحقيق ستكون الإفراج عنا بعد وقت غير بعيد، خشيت أن يستثقل أهلي دفع إيجار الغرفة لشهر أو شهرين ويتخلون عنها، وهذا ما عبّرت عنه التعبير الذي كان يمكن أن يكلفني الكثير. شرحت ذلك للرائد وقد اقتنع لحسن الحظ. وأكثر من ذلك، فقد أوصى الشرطي بترك طاقة زنزانتي مفتوحة، بعد أن كانت قد فتحت باقي الطاقات سوى طاقة زنزانتي وطاقة زنزانة جلال.. يا له من كرم!

في الزنزانة تخيلت لو أن الملازم صاحب التكشيرة هو من تولى التحقيق بموضوع الغرفة هذا، كيف كانت الحال وإلى أين كان يمكن أن تسير الأمور. وكلما امتد خيالي، زاد كرهي لجمعة.

عذاب التحقيق يهوّن عليك عذاب الزنزانة. زنازين الفرع مرعبة. عزلة تامة. عالم سفلي بكل المعاني. لا ضوء ولا صوت يمكن أن يصل إلى هذا القبو. الأصوات التي تدخل هي أصوات الفرع، والأضواء التي تكشف (يصعب أن تقول “تنير”) هي أضواء الفرع. في زنازين الشيخ حسن (الكركون) تصلك أصوات المدينة ويزورك ضوء الشمس. أما في زنازين الفرع فلا شيء لا يحمل دمغة “صنع في الفرع″. يا لكلمة “الفرع″ كم تبدلت! في صغري كنت أحب هذه الكلمة حين كانت أمي تقول “طلع الفرع″ دلالة على بداية الربيع، فالفرع كل ما هو غض وجديد وبازغ من النباتات. أغصان غضة ووريقات صغيرة لامعة بخَضار في طور الاكتمال، هذا ما كان يتشكل في مخيلتي حين أسمع كلمة “الفرع″. أما الآن فقد نسخت الدلالة الجديدة ما قبلها، “الفرع″ بات حواجز حديدية وبراميل باطون مدهونة بألوان العلم السوري أو علم البعث وعناصر حراسة بوجوه فارغة ورشاشات وجعب، وأبواب حديدية وزنازين ودواليب وخيزرانات وأكبال واستغاثات وصراخ ألم رهيب وشتائم بذيئة ونشفان ريق ونشفان دم واصطكاك ركب وغثيان وإذلال وتعسف وتُهم لا تُرَد ورجال يزداد رصيدهم من السلطة بقدر ما يبطشون، هذا ما صار يستيقظ في النفس حين تسمع كلمة “فرع″. أيّ فارق! إن إحلال دلالة مرعبة مكان دلالة جميلة، هو نوع من الاعتداء غير المباشر، ولكن العميق وبعيد المدى، على الروح وعلى الكيان اللين للإنسان. قال لنا سجناء من حلب تم نقلهم إلى سجن عدرا بعد إفراجات 1991 من أجل إحالتهم إلى المحكمة، إن حفلات التعذيب في سجن حلب كانت تتم على صوت فيروز. أليست فكرة شريرة بكل المقاييس؟ هل هناك أذى أكبر؟ كيف يمكن لمن يُجلد ويُعذب على صوت فيروز أن يمّحي من ذهنه لاحقاً هذا الترابط؟ ألا يحرم بذلك من كل جمال الاستماع إلى هذا الصوت؟ ينتهي التعذيب وتندمل الجروح ويرمم الجلد ولكن هذا الأذى لا ينتهي. أذكر أنني بقيت سنوات طويلة في طفولتي لا أستطيع أن أضع في فمي حبة زيتون، لمجرد أنهم نقلوا أختي الصبية المتوفاة إلى قبرها بنقالة ذات لون أخضر يشبه لون حب الزيتون المكبوس. هذه منطقة شديدة الحساسية في الذهن البشري، يجب حظر التعدي عليها. فيها يكمن الشعور بالجمال والقبح، وفيها تنمو مشاعر الاستمتاع العليا. فيها تكمن البرمجة الفريدة الخاصة بكل شخص، والتي يجب أن يكون التعدي عليها جريمة كبرى.

هول التعذيب يجعل الزنزانة رغم كل فظاعتها حضناً آمناً. وبعد انتهاء التحقيق يبدأ هذا الحضن بالتحول تدريجياً إلى أن تظهر الزنزانة على حقيقتها بصفتها قبرا للأحياء. بحر من الزمن، كنت أستعين عليه بإعادة قص ما حدث معي في التحقيق، كما لو أني أروي ذلك لشخص أختاره وأفترضه أمامي. التحقيق كان الحدث الحارق، ولكن فيما بعد صرت أروي قصة اعتقالي ونقلي من اللاذقية وكل تفاصيل ما جرى لي قبل التحقيق، أحداث افترضت أن أهلي وأصدقائي يتوقون لمعرفتها فكنت أندمج في سردها الافتراضي لهم إلى حد لا أشعر معه بالزمن، ثم صرت أروي أشياء من خارج التحقيق والاعتقال، أشياء عالقة في ذاكرتي من طفولتي أو مراهقتي، صرت أعيد صياغة خيباتي الكثيرة، بطريقة مواسية للنفس، ألعب بعناصرها قليلاً أو كثيراً فتغدو الخيبة انتصاراً في مرات، وفي مرات كثيرة يخف شعوري بالحرج منها، وفي كل الحالات كنت أنا الرابح. وكنت إذا وفقت إلى صياغة تروق لنفسي، أستمتع بإعادة قصها مراراً حتى يصبح حضورها المروي في ذهني أقوى من حضور حقيقتها. ومع انهماكي في لعبة القص صرت أبتكر أشياء ترمم ما أظنه نقصاً أو فجوة، من هذه الأشياء المبتكرة ما له ركيزة واقعية واهية ومنها ما يحلق مستقلاً بجناحيه. القص هو الدواء الأنسب لمعالجة فيض الزمن هذا. ولاحظت أن القص الاسترجاعي، إن صحّ القول، ليس فقط علاج لفيض الزمن بل هو أيضاً ضرورة نفسية، كما لو أن النفس بذلك تعيد ترتيب الحوادث المؤثرة. كما لو أن هذه الحوادث تكون مرمية عشوائياً في مستودع النفس فيعمل القص الاسترجاعي على ترتيبها، بعد أن يكون قد شذّبها وليّن من قسوتها.

وما كان يفاجئني في محنة الزنزانة أن نفسي كانت ترتاح إلى النظر إلى أجزاء جسمي ولا سيما إلى يدي. كنت أسند كفّي على الحائط حيث يسقط ضوء الكوريدور وأمعن في النظر إلى يديّ فأشعر براحة وطمأنينة أطيلها بإطالة النظر، على أني لم أجد في نفسي هذا الميل بعد انتهاء فترة الحجز الانفرادي ذاك والانتقال إلى السجن الجماعي.

في صباح أحد الأيام فتحوا جميع الزنازين وأخرجونا جميعاً إلى الكوريدور كي نمشي، نوع من التنفس. ورغم أننا كنا نرى بعضنا بشكل دائم من خلال الطاقات، ونتحادث بشكل يومي، فإننا حين خرجنا معاً إلى فضاء دون حواجز، دبّ في الجميع شوق إلى الجميع. كأننا لم نر بعضنا البعض منذ دهر. تحيات حارة واحتضان وقُبل. حوالي ربع ساعة من “الحرية” ثم أعادونا إلى الزنازين، وبعدئذ أحضروا عدة حلاقة وأخرجونا واحداً واحداً لحلاقة الذقن. كان شيئاً مسلياً يقتل الوقت. الشرطي يقف في الكوريدور ويسلم من يأتي دوره بالحلاقة شفرة جديدة ويبدأ هذا بحلاقة ذقنه، ينتهي ثم يعود إلى زنزانته. هناك شيء يمكن متابعته والتفرج عليه. وفي اليوم التالي نقلونا إلى سجن الشيخ حسن. لم يكن ثمة من نودعه سوى جمعة الذي أصر على تقبيل الجميع وهو يبكي (الرابط الإنساني شيء والدور المخابراتي شيء آخر!). قرار نقلنا إلى الكركون هز عرش التفاؤل دون أن يسقطه. مهما يكن من أمر فقد ضاق صدرنا من المكوث في ذلك القبو، وكان خروجنا إلى الكركون مريحاً حتى وإن حمل في طياته دلالة تشاؤمية بشأن قرار الجهات العليا المتعلق بملفنا.

كاتب من سوريا

يُنشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

12