"انهيارات بطيئة" قصائد رومانسية متقشفة عن الحب والمرض

السبت 2015/04/11
ذات الشاعر في حالاتها الشعرية بين الحب والإيروتيكا والمرض تنحت تفاصيل قصائدها

فرض الأدب الحديث على المنجز الأدبي فسخ الحدود الأجناسية والتخلي عن الاختصاص الكتابي في جنس واحد، وربما كان الشاعر المصري سمير درويش، الذي ينتمي فنيا إلى جيل الثمانينات، أبرز مثال للكاتب والشاعر المنصهرين في قلم واحد، إذ تتميز تجربته من جهة بالغزارة الإبداعية، إذ أصدر اثني عشر ديوانا شعريا، ومن جهة أخرى يتميز بالعمق والتنوّع الأجناسي، فهو يكتب الرواية (له روايتان هما: خمس سنوات رملية، وطائر خفيف) ويمارس النقد الأدبي أيضا.

يخوض الشاعر والكاتب المصري سمير درويش في ديوانه الجديد “انهيارات بطيئة” الصّادر مؤخّرا عن دار مجاز بالقاهرة، تجربة شعرية جديدة تتمثّل في رصده لمحنة المرض التي تعرّض لها، إلى جانب تجاربه السابقة حيث العلاقة بين المحبوبة في ظل المعيش اليومي.

يحتفي الديوان بمفردة القصيدة التي اختفت من دواوين الشعراء، فتأتي تسمية كل قسم بعنوان «قصيدة» مع إسنادها إلى مضاف إليه يكشف محتواها ويبرز دلالاتها في بعض الأحيان، في استعادة لجلال القصيدة ومكانتها، وقبلها استقلاليتها. فهذه قصيدة النبع، وتلك قصيدة الولع فالورع إلى الغزو والبوح والدخان والحنان والمرض، وصولا إلى البعث.

ملهمة النبع

في القسم الأول المعنون «قصيدة النبع»، يحدثنا الشّاعر عن تجربة الحبّ التي يعيشها مع محبوبته، فتأتي المحبوبة طيّعة تتشكّل خياراتها عندما تخترقها سهام المحب، وتتبدّل نظرتها إلى فستانها الزيتوني بعد أن «تسلّلت أصباغه فنحتت قصائد عشق على الجزع، طيّرت الحمام»، كما أن الحبّ لا يأتي في صورة لقاء وهيام بين محبوبين بقدر ما يأتي في صور أخرى مغايرة للتوصيف الرومانسي للمحبين.

وقد تأتي الحبيبة القديمة كنوع من الاستعادة بعدما فقدها بالموت، فرغم مروره بتجربتي حب بعدها إلا أن صورتها مازالت تراوده لأنها لا تزال معلّقة في دمه «فتفيض تارة فيضرب موجها شاطئه».

قصيدة الشاعر تخلو من أي زخارف فنية أو حتى صور بلاغية جميعها تنحو منحى السرد واليوميات

يضع الشّاعر المتلقي معه في قلب القصيدة، فنحن لا نعرف شيئا عن هذه الحبيبة القديمة، ومن ثمّ يقدّم لنا شذرات من ماضيهما، وأحلام البيت الذي لم يسكناه، وعن رائحة الكيماوي في جسدها، ومع أحلامها التي كانت تحلّق بحبيبها عاليّا، وهو ما يصل بنا إلى حالة من التعاطف معها، بغضّ النظر عن جملته الاعتراضية ودلالتها «لكن الله أغلق قوسه على روح فتاة».

تتراوح صورة المحبوبة وملهمة النبع لدى الشاعر فتأتي تارة كاستحضار لصورة المحبوبة لدى رواد المدرسة الرومانسية (أبوللو والمهجر) حيث الصّور الغارقة في التصورات الخيالية البعيدة عن الواقع المعيش، فنراها حلما «تشبه الرماد الذي تلفحه الشمس، وتعجنه الأمطار، وتنثره الرياح في العيون»، ومرة ثانية كائنا أرضيّا «تشبه النباتات الشيطانية وحواف الترع والغيطان، والظبي البريّ».

ومرة ثالثة فردوسا «هي جنة من نخيل وأعناب»، ومع هذه الصورة المثالية إلا أنه بعكس شعراء المدرسة الرومانسية لا يسرف في الخيالات والتصورات، فيتخيلها في صورتها الواقعية وهي «تستر جسدها بقماش وفير، وترتل عن شواي الذرة والقمرية التي تغني». أو وهي تجسّد لعالم الفقر الذي يلازمها فآثاره حاضرة «منقوش على جسدها آثار الفرن والإخوة الكثيرون حول طبلية وصحن وحيد».

في المقابل تبدو مواصفات المحبوبة بعيدة عن الرومانسية أو حتى الصّورة الشاعرية، فهي ابنة الواقع بفظاظته وانتهاكه، فهذه السمراء الطويلة، وتلك القصيرة البيضاء، وثالثة سمينة نحيفة، ورابعة ثرثارة طيبة، ونقيضتها الماكرة الكتوم.

قصائد الحب والمرض والحياة

كما ثمّة إيروتيكية واضحة في العلاقة مع الحبيبة فلا تقتصر على الوصف، فدائما يداه «تداعب اليمام بعد أن يفك إزار السماء»، وهي أيضا حاضرة في لحظة التوحد فـ«تفتح.. بريدها كي تعد القصائد».

كما أن رسم صورة هذه المحبوبة لا يخلو من حسيّة فلدينا وصف باذخ وخريطة لجسد المرأة، يبدأ بـ«الوجه المدور على الجسد النحيل»، و«شفتاها مصبوغتان بدم المقتولين من الصهد»، ويبرز من جسدها «ثديان نيّان» مرة، ومرة «ثديان مكوران»، وتارة ثالثة، يبدوان وكأنهما «كرتا نار» أو «حربتان على قمتي نهد»، كما أن شعرها لا يخلو من استفذاذ للرغبة فهو «همجي» وبالمثل عيناها «غائمتان».

قصيدة المرض

في قصيدة المرض يستعيد الشاعر تراث الشعراء الذين جعلوا من هذه التجربة دافعا للكتابة، ورغبة في المقاومة على نحو ما فعل أمل دنقل في ديوان «أوراق الغرفة 8»، وحلمي سالم في «مدائح جلطة المخ»، يدخل الشّاعر التجربة وفي ذهنه ميراث سابق من التجارب، ومن ثمّ يعي جيدا المقارنة التي قد لا تكون في صالحه.

فهنا ثمة عالم سوداوي تعكسه عين الشاعر، فيرى من خلاله «الممرضات لسن حسناوات»، و«الوجوه مكدودة، لا تبتسم»، ويبرّر هذا بأن «الألم لا يجعلني أهتم بتفاصيل الأجساد تلك المعبأة في سترات بيضاء سهلة الاتساخ».

تخلو القصيدة من أية زخارف فنية أو حتى صور بلاغية جميعها تنحو منحى السّرد اليومي واليوميات التي يصف بها حالته. هكذا تأتي فكأنه يقدم تقريرا عن حالته.

عزيزي القارئ تمهل، هل وجدت شعرا هنا؟ ما الذي يريده الشاعر من وراء هذا السّرد لحالة مريض يدقّق ويتابع فيمن حوله، ربما لا يكون ثمّة شعر هنا، لكن ثمّة إحساسا مضاعفا بالمرض، نقله الشاعر بهذه الحالة التي بدت وكأنه شخص يترصد ويتابع من الخارج وليس هو ذاته المريض.

سياق وتشكيل قصيدة النثر يأخذ منحى جديدا ليس على مستوى تشكيلها فقط، بل أيضا على مستوى موضوعاتها

أولا علينا أن نعترف بأن سياق وتشكيل قصيدة النثر يأخذ منحى جديدا على الأقل في قصائد درويش ليس على مستوى تشكيلها فقط، بل أيضا على مستوى موضوعاتها، التي يأخذ من مقارنة مستشفى خاص بآخر عام موضوعا لها، هكذا: «في المستشفى الخاص سيستدعون الطبيب حين يصحو، وفي المستشفى العام ليس ثمة أدوية ولا فرش للأسرة، فقط ممرضات بدينات يتنادين بأسماء أبنائهن ويجلسن جماعات تحت شمس ديسمبر الهاربة».

أين الإدهاش الذي كانت تحرص عليه قصيدة النثر من قبل؟ ليس ثمة إدهاش هنا، هنا فقط نوع من التقريرية بحالة نعرفها أنا وأنت، ولكن قد نتجاهلها، أما الشّاعر فلم يفعل إلا أن نقلها إلى بؤرة المواجهة، فتعدّت التلاشي والتجاوز إلى التأثر والانفعال، ومن ثمّ بعدما شغلنا بهذه الانفعلات ينصرف إلى ذاته، عندئذ يوحّد الشّاعر بين حالتين؛ بين حالتك بعدما دفعك للتركيز فيما تراه من إهمال ومناظر تسيء، وبين حالته هو وإحساسه بالوحدة والمعاناة وهو يجرد يوميات المرض.

لم تغب دلالة العنوان عن الحالة الشعرية التي عاشتها الذّات الشاعرة سواء في علاقتها بالمحبوبة، أو في علاقتها بالمرض، ففي الحالتين كان الانهيار قرين التجربة، الفارق فقط يكمن في قدرة هذه الذات على التحكّم ومراوغة الانهيار، لذا كان أشبه بالانهيار المؤجّل -الذي سيحدث في أيّة لحظة- أو كان انهيارا بطيئا كما وصفه في العنوان.

17