انهيار أسعار التمور الجزائرية إلى مستوى غير مسبوق

إجراءات الإغلاق تسد منافذ التصدير وتكدس الإنتاج وتهوي بالأسعار
الاثنين 2020/10/19
أكوام التمور تبحث عن مشتر

ضربت جائحة كورونا سوق التمور الجزائرية لتتحول أكداس المنتجات إلى عبء يرهق المزارعين ما تسبب في ركود السوق، بعدما شلّت الإجراءات الوقائية وسائل النقل وفرضت حصارا على الأسواق والذي امتد إلى البوابة الشرقية التي كانت تمثل منفذا لتهريب المنتجات، حيث أوصدت أبوابها أمام تجار المحافظات الجنوبية الشرقية.

الجزائر – تهاوت أسعار التمور في السوق الجزائرية إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ البلاد، ما أفضى إلى تكدس الإنتاج خلال الأسابيع الأولى من الموسم، الأمر الذي فاقم مخاوف المزارعين من تلفه جراء نقص إمكانيات التخزين وتقلص فرص تصدير الكميات المعتادة إلى الأسواق التقليدية.

بات المزارعون وتجار التمور في الجزائر في دوامة من الإشكاليات جراء كساد السوق في ظل قلة فرص السيطرة على الوضع حيث تنعدم إمكانيات التصدير ومحدودية أساليب التخزين.

وفي هذا السياق عبر عادل شوية، مالك لمزرعة نخيل في محافظة وادي سوف، بأقصى الجنوب الشرقي للبلاد، في تصريح لـ”العرب”، بأن “موسم جني التمور خلال هذا الموسم يسجل صعوبات جمة يتوقع من خلالها تكبد العاملين في القطاع لخسائر فادحة، نتيجة التعقيدات المستجدة في النشاط الزراعي والاقتصادي بسبب وباء كورونا”.

وأضاف “الأسعار تسجل انهيارا غير مسبوق حيث خسرت ثلاثة أرباع السعر المتداول خلال المواسم الماضية، وتراكمت مع انطلاق الموسم الكميات المخزنة خلال العام الماضي مع الكميات التي شرع في جنيها، فضلا عن تراجع الاستهلاك، وغلق الحدود التي كانت تمثل البوابة الوحيدة لتهريب المنتج إلى الجارة الشرقية تونس”.

وبحسب ما أعلنت عنه جمعية المصدرين الجزائريين، تمكنت الجزائر من تصدير ألف طن عبر الرحلات الجوية الاستثنائية إلى كل من فرنسا وموريتانيا، وهي كمية ضئيلة مقارنة بالكميات المصدرة خلال الأعوام الماضية على ضعفها قياسا بالدول المنتجة للتمور.

وتشير كل المعطيات المحيطة بسوق التمور في الجزائر إلى تسجيل موسم مأزوم، في ظل التخمة التي تعرفها أسواق المحافظات المنتجة للتمور، على غرار بسكرة وغرداية وأدرار وورقلة ووادي سوف، فرغم الأسعار المتدنية إلا أن تراجع الاستهلاك دفع التجار والوسطاء إلى الاكتفاء بكميات محدودة، ومنهم من اكتفى بتصفية الكميات المخزنة من العام الماضي، فضلا عن استمرار غلق المجال الجوي والبحري والبري أمام عملية التصدير العادي وحتى التهريب.

الأزمة تكشف سطوة شبكات التهريب بين الجزائر وتونس على سوق التمور

لكن رئيس جمعية المصدرين الجزائري ناصر باي، أبدى تفاؤلا في اتصال لـ”العرب” بشأن إمكانية انفراج الأزمة في المدى القريب بعودة النقل الجوي والبحري والبري إلى حالته العادية، وتصريف المزيد من كميات التمور المنتجة إلى زبائن أجانب.

وقال “لقد تم تصدير نحو ألف طن إلى فرنسا وموريتانيا عبر الرحلات الاستثنائية، ويمكن أن تنفرج الأمور انفراجا في المدى القريب، وأن العملية لا تتوقف عن البلدين المذكورين فقط، وإنما يمكن توسيعها لشركاء آخرين، حيث تجري مفاوضات مع دول خليجية لتموينها بالتمور الجزائرية”.

وتضاربت الأرقام الأولية حول كميات الإنتاج المتوقعة، بين من يعتبرها وفيرة، وبين من يذكر بأنها سجلت تراجعا خلال هذا الموسم، بحسب شهادة المزارع شوية عادل من محافظة وادي سوف، الذي لفت إلى “تراجع كمية الإنتاج وتراجع نوعيته، لأسباب تبقى مجهولة”.

وحسب إحصائيات وزارة الفلاحة الجزائرية، سجلت الجزائر التي تحوز على أكثر من 300 نوع من التمور، موسما وفيرا خلال العام الماضي، قدر بـ1.2 مليون طن، من أكثر من 18 مليون نخلة موزعة على 167 ألف هكتار، وهو ما يعادل 14 في المئة من الإنتاج العالمي.

وأفادت الإحصائيات الرسمية بأن الجزائر حصّلت خلال العام الماضي من تصدير التمور نحو 40 مليون دولار، وهو رقم ضئيل مقارنة بالمساحة الصحراوية في البلاد التي تشكل 80 في المئة من المساحة الإجمالية (أكثر من 2.2 مليون متر مربع)، ومقارنة بمداخيل الدول المنتجة حيث تقدر مداخيل تونس المجاورة 200 مليون دولار.

وتعاني زراعة النخيل من اختلالات كبيرة لا تضيع خزينة الدولة لثروة بإمكانها أن تكون بديلا لريع النفط، وعلى رأسها وقوع نشاط التمور في قبضة شبكات تحتكر المنتج وتخزنه وتسوقه وفق مصالحها، رغم جهود الحكومة لدعم القطاع الزراعي.

40 مليون دولار عائدات صادرات التمور خلال العام الماضي حسب بيانات وإحصائيات رسمية

وذكر المزارع شوية عادل أن “زراعة وتجارة التمور تتحكم فيها لوبيات ويتداخل فيها الكثير من الوسطاء الذين يتلاعبون بالأسعار لدرجة أن يكون سعرها في البلد المستورد أقل من البلد المصدر، وحتى عملية التصدير ليست متاحة للجميع لأن فرص التسويق وعمليات التسويق والبحث عن الأسواق الخارجية تبقى حكرا على فئة معينة فقط”.

ويكشف كساد المنتج في الأسواق المحلية خلال الأسابيع الأولى من الموسم عن سطوة شبكات التهريب بين الجزائر وتونس على سوق التمور، حيث أبان غلق الحدود البرية الشرقية التي كانت تمثل المنفذ الوحيد للتهريب، عن هشاشة الآليات والمؤسسات المنظمة للنشاط، حيث تضيع سنويا الملايين من الدولارات عن خزينة الدولة، بسبب انفلات السوق وعدم خضوعها للقنوات الرسمية.

وكانت الجزائر قد أعلنت في فبراير الماضي عن برنامج أنظارها جديد لتحسين استغلال المناطق الصحراوية بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، في مسعى لتسريع خطط الإصلاح. وتراهن الحكومة على إمكانية أن تساهم الزراعة بشكل كبير في تطوير النمو عبر تعزيز الاستثمارات ونشر مشاريع التنمية في أنحاء البلاد.

وتترقب الأوساط الاقتصادية والشعبية الجزائرية تدشين الحكومة لمخططها الزراعي لتحويل المناطق الصحراوية من حجر عثرة أمام التنمية إلى فرصة لتعزيز الاستثمار وفتح فرص جديدة في سوق العمل.

وتشكل الصحراء في البلد النفطي أكثر من 80 في المئة من مساحته الإجمالية، وهو ما يعني أن السلطات ستدخل مغامرة صعبة لتنميتها مع تقلص إمكانياتها المادية نتيجة انحسار عائدات صادرات الطاقة.

وخصصت الحكومة في موازنة العام الحالي نحو 400 مليون دينار (3.33 مليون دولار) لدعم صغار المزارعين ومربي الماشية في 16 محافظة بالجنوب.

10