انهيار أسعار النفط يهدد بتقويض الاقتصاد العالمي

يمكن ببساطة، اعتبار انهيار أسعار النفط، الحدث الاقتصادي الأبرز بلا منازع في العام الراحل، وهو مرشح لمواصلة الهيمنة على العام المقبل، الذي سيشهد أبرز تداعياته على الاقتصاد والنظام المالي العالمي.
الأربعاء 2015/12/30
إنتاج بلا جدوى

لندن – تخشى أسواق المال العالمية من أن أكبر التداعيات الخطيرة لانخفاض أسعار النفط العالمية يمكن أن تحدث خلال العام المقبل، وبوتيرة يمكن أن تشبه تساقط عدد كبير من أحجار الدومينو في سلسلة طويلة.

محور المخاوف أن تأثيرات بقاء الأسعار في مستوياتها الحالية، وربما انحدارها أكثر في معظم عام 2016، لن تقتصر على منتجي النفط والغاز ولا على صناعة الطاقة بشكل عام، بل يمكن أن تؤدي إلى ارتباك النظام المالي العالمي، وتبخر قيمة تريليونات الدولارات من الأوراق المالية.

فقد اختفى بالفعل أكثر من تريليون دولار من القيمة السوقية لأسهم شركات النفط في مختلف أنحاء العالم.

ويواجه ما يقرب من تريليوني دولار من السندات والديون التي سوقتها شركات الطاقة والتعدين منذ عام 2010 موجة من خفض التصنيفات الائتمانية، في وقت تتزايد فيه حالات التخلف عن السداد.

والكثير من هذه الديون سندات خردة مرتفعة العائد ومرتفعة المخاطر أصدرتها شركات صغيرة تعمل في مجال الغاز الصخري.

وهناك أيضا تأثيرات غير مباشرة لتراجع أسعار الطاقة، التي فجرت مخاوف من سقوط الاقتصاد العالمي في دوامة انكماش الأسعار، التي يمكن أن تؤدي إلى كارثة اقتصادية لم يسبق لها مثيل.

تلك المخاوف دفعت المصارف المركزية إلى إغراق الأسواق بالسيولة من خلال برامج شراء السندات. وهناك اليوم على سبيل المثال ديون حكومية أوروبية قيمتها نحو ترليوني يورو يقل عائدها الآن عن الصفر بالمئة، وهي مهددة بالتآكل وفقدان قيمتها.

حجم التداعيات التي خلفها انهيار أسعار النفط، جعل البعض يبحث عن أسباب سياسية ونظريات مؤامرة، لأن أكبر الخاسرين كانوا في معسكر واحد وأبرزهم على صعيد الوزن السياسي الدولي هما روسيا وإيران.

لكن ذلك التحليل القاصر يتناسى حجم الأضرار التي تكبدها كبار منتجي النفط مثل الدول الخليجية التي تراجعت عوائدها بأكثر من 300 مليار دولار سنويا عن المستويات التي سبقت تراجع الأسعار منذ منتصف عام 2014.

خطر سقوط الاقتصاد العالمي في دوامة انكماش الأسعار يربك حسابات وسياسات المصارف المركزية الكبرى

كما أن شركات النفط الغربية بشكل عام وشركات النفط الصخري الأميركية خسرت تريليونات الدولارات من استثماراتها وأصولها وقيمة السندات التي أصدرتها، والتي سقطت في سوق الخردة بعد زوال معظم قيمتها.

ويتناسى من يدفعهم عدم القدرة على تفسير ما حدث إلى نظريات المؤامرة ذات الدوافع السياسية، صعوبة جمع كل تلك الأطراف المتضررة في مؤامرة واحدة، هم أكبر المتضررين منها.

الأسباب الحقيقية لما حدث في صناعة النفط بسيطة وواضحة، وهي أن دورة الاستثمار النفطي طويلة، أي أنها لا تجني ثمارها إلا بعد 4 سنوات على الأقل، حتى بعد كل التطور التكنولوجي الحالي.

وقد تدفقت الاستثمارات الكبيرة في فترة بقاء الأسعار مرتفعة فوق 100 دولار لعدة سنوات من 2011 إلى منتصف 2014، إلى النفط الصخري والحقول مرتفعة التكلفة، لأن الإنتاج منها أصبح مجديا في ظل تلك الأسعار المرتفعة.

وقد بنت تلك الاستثمارات مراكز تحوط شبيهة بالتأمين عند أسعار معينة. أي أن شركة معينة لكي تجمع التمويل في ذلك الوقت، فقد كان عليها ترتيب تأمين عند سعر معين مثل 70 دولارا للبرميل لمدة عام أو عامين أو حتى 3 أعوام. وحين تنخفض الأسعار عن ذلك تدفع شركات التأمين الفارق.

كلاوديو دسكالزي: انخفاض الاستثمار قد يرفع الأسعار إلى 200 دولار للبرميل خلال أعوام

وقد انتهى أجل الكثير من مراكز التحوط (التأمين) وسينتهي معظم ما تبقى منها خلال العام الحالي. وسوف لن تجد شركات النفط الصخري ذات تكلفة الإنتاج المرتفعة من يغامر بضخ استثمارات جديدة بعد الذي حدث منذ يوليو 2014.

وهذا يفسر التراجع الكبير في الاستثمارات خلال عام 2015، والذي تقول وكالة الطاقة الدولية أنه يزيد عن 20 بالمئة، والذي من ملامحه الانخفاض السريع في عدد منصات الحفر في الولايات المتحدة، وبدء تراجع الإنتاج الأميركي منذ سبتمبر الماضي.

بل إن كبار مسؤولي شركات النفط الكبرى حذروا من أن تراجع الاستثمارات قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات فلكية في السنوات المقبلة.

ويرى كلاوديو دسكالزي رئيس إيني الإيطالية للطاقة إنه إذا استمر انخفاض الاستثمار ولم تستقر أسواق النفط فربما ترتفع الأسعار إلى 200 دولار للبرميل بعد عدة أعوام.

وتوقع أن تستمر الأسعار عند مستويات منخفضة لمدة 12 إلى 18 شهرا ثم تبدأ في التعافي تدريجيا مع بدء هبوط الإنتاج الصخري في الولايات المتحدة.

وأشار الرئيس التنفيذي لشركة توتال الفرنسية باتريك بويان “وجود انخفاض طبيعي في الإنتاج بنسبة 5 بالمئة سنويا من الحقول القائمة حول العالم”.

وقال إن “هذا يعني أنه بحلول 2030 سيختفي أكثر من نصف الإنتاج العالمي الحالي من النفط… هناك حاجة لاستثمار أموال ضخمة لضمان إنتاج جديد بنحو 50 مليون برميل يوميا”.

تلك هي دورة الارتفاع والانخفاض المستمرة منذ السبعينات ولا سلطة لأحد عليها، وستبدأ الأسعار بالارتفاع في نهاية العام الحالي، إلا إذا مكن التطور التكنولوجي شركات النفط الصخري من خفض تكاليف الإنتاج بشكل كبير جدا.

ويبدو أن دور أوبك في التأثير في أسواق النفط العالمية انتهى إلى غير رجعة، إلا إذا تمكنت من استحداث إطار جديد يضم جميع المنتجين الكبار في العالم إلى عضويتها، من روسيا إلى المكسيك والبرازيل، وهو أمر مستبعد إلى حد بعيد.

فحتى لو أقدمت السعودية مثلا على خفض الإنتاج بمليون برميل، فإن تأثير ذلك لن يتعدى أياما معدودة، وسيتسابق منتجون آخرون من داخل أوبك وخارجها إلى تعويض ذلك فورا لتعود الأزمة إلى المربع الأول.

من الواضح أن عصر تدخل منظمة أوبك للتأثير على الأسعار انتهى، وأن النفط أصبح سلعة مثل الحديد والنحاس بل ومثل أسعار القمح والذرة الخاضعة لقوانين العرض والطلب.

أما على صعيد النظام المالي العالمي فإن المخاطر المترتبة على انخفاض أسعار النفط قد تصبح أكبر المخاطر التي تواجهه، وقد تحدث زلازل كبيرة يصعب التنبؤ بتداعياتها.

نوبات الفزع من انكماش الأسعار الناجمة بشكل أساسي عن تراجع أسعار الطاقة وانعكاساتها، دفعت الكثير من المصارف المركزية الكبرى إلى سياسات تيسير مالي غير مسبوقة من خلال طباعة النقود وضخ السيولة في الأسواق في محاولة لمنع انكماش التضخم.

ويبدو أن تأثير استمرار انخفاض أسعار النفط لفترة طويلة على توقعات التضخم، مزعج بالقدر نفسه للبنوك المركزية المقبلة على تشديد السياسة المالية مثل مجلس الاحتياطي الاتحادي، مثلما هو مزعج للبنوك المركزية التي تواصل سياسات التيسير المالي المفرط مثل المركزي الأوروبي والمركزي الياباني.

وتصل التداعيات والأضرار ذروة أخرى في الدول الناشئة والمصدرة للسلع الأولية من روسيا إلى البرازيل وجنوب شرق آسيا، والتي انهارت عملاتها وشهدت في عام 2015 أول موجة نزوح صافية لرؤوس الأموال إلى الخارج منذ عام 1988.

باتريك بويان: خفض الاستثمارات سيؤدي إلى اختفاء نصف الإنتاج العالمي بحلول 2030

وفي ضوء حجم الانخفاض في أسعار النفط من الصعب تفهم سبب التحولات التي شهدتها الأسواق.

وتميل التوقعات حاليا إلى أن آمال ارتفاع أسعار النفط خلال العام المقبل، تبخرت وسط مزيج سام من وفرة كبيرة في المعروض وتباطؤ حاد في الطلب في الصين والقوى الاقتصادية الناشئة.

وسيمثل شبح التعايش مع أسعار النفط عند مستوياتها الحالية تحديا رئيسيا للكثير من الشركات والاقتصادات المكشوفة بفعل عوامل ليس أقلها رفع أسعار الفائدة الأميركية قبل أسبوعين.

ويبدو أن معظم التوقعات لا تزال تغفل إمكانية انخفاض أسعار النفط تحت حاجز 30 دولارا للبرميل رغم كثرة المخاطر التي تتراوح من صراعات الشرق الأوسط إلى صدمات السيولة في الأسواق.

وقد تراجعت الأسعار فعلا إلى أدنى مستوياتها منذ 11 عاما منذ انتهاء اجتماع أوبك بداية ديسمبر الجاري، دون خفض المعروض أو حتى الإشارة إلى فرض قيود على الإنتاج.

وقد قذف بنك غولدمان ساكس قبل أسبوعين المخاطر الصادمة بوجه الأسواق حين قال إن اعتدال الطقس في الشتاء وتباطؤ النمو في الأسواق الناشئة واحتمال رفع العقوبات الدولية على ايران تشير إلى أن أسعار النفط قد تنهار إلى مستوى تكلفة الإنتاج عند 20 دولارا للبرميل.

وقد يؤدي ذلك إلى استنزاف الأسواق العالمية من خلال انخفاض احتياطيات البنوك المركزية والدول الكبرى المصدرة للطاقة.

وقد بدأ بالفعل نضوب الاستثمارات الجديدة في أسواق الأسهم والسندات والعقارات العالمية من صناديق الثروة السيادية التي تغذيها أموال النفط وسط تقارير عن قيام مؤسسات حكومية بسحب مليارات الدولارات من تلك الصناديق.

ويبدو أن كرة الثلج التي دحرجها انخفاض أسعار النفط، وانعكاساتها على تراجع أسعار السلع الأساسية، بدأت تدفع الاقتصاد العالمي بشكل متسارع نحو دوامة انكماش الأسعار، التي تؤدي حتما إلى انكماش النمو الاقتصادي.

أصوات لتعديل البوصلة

انكماش الأسعار يسقط القطعة الأولى من أحجار الدومينو. وكلما انخفضت الأسعار ضغط المنتجون على أسعار المواد الأولية والأجور، وتتكرر تلك السلسلة في حلقة مفرغة لتزداد الحفرة اتساعا يوما بعد يوم.

بوادر هذه الأزمة كانت قليلة قبل انحدار أسعار النفط، التي ضاعفت من المشكلة، لأنه أدى لانخفاض معظم أسعار السلع الاستهلاكية.

فاليابان مثلا سقطت في انكماش الأسعار منذ منتصف الثمانينات ولم تتمكن حتى الآن من الخروج منها رغم سياسة التيسير المالي المفرط. فما بالك لو سقط 80 بالمئة من الاقتصاد العالمي في انكماش الأسعار؟

وتؤكد البيانات الرسمية أن التضخم في بريطانيا ومنطقة اليورو واليابات تتذبذب قرب الصفر بين الانكماش والارتفاع الضئيل رغم إغراق الأسواق بالسيولة لتفادي تلك الكارثة.

الإفلات من فخ انكماش الأسعار في بلد واحد يصعب أحيانا على جميع السياسات المالية المركزية. أما في حالة سقوط معظم الكتل الاقتصادية الكبرى في تلك الهاوية، فإن السياسات ستتضارب وتتقاطع في محاولة الجميع للإفلات من الحريق.

وستنشب حروب عملات واسعة من خلال لجوء المصارف المركزية إلى وسائل لخفض عملاتها في محاولة للإفلات من الهاوية.

وإذا دفع انهيار أسعار الطاقة الاقتصاد العالمي إلى دوامة انكماش الأسعار، فإن ذلك سيؤدي لعزوف المستثمرن عن المخاطرة والتحول للادخار في الملاذات الآمنة، مما يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي وانخفاض أرباح الشركات وتسابقها لتعميق الحفرة من خلال خفض الانتاج والأسعار والأجور.

جميع المؤشرات تؤكد أن زلزال انكماش الأسعار وما سيتبعه من انكماش الاقتصاد العالمي، أصبح حقيقة يصعب تفاديها.

إذا وقع هذا السيناريو الكارثي، فإنه سيفرض، بعد أن تعجز الدول عن الفكاك منه، إلى فرض سياسات مالية عالمية موحدة. وفي أقصى درجات التشاؤم، التي قد لا تبدو واقعية، قد تتصاعد دعوات لفرض سلطة مالية عالمية، وربما.. المطالبة بفرض عملة عالمية موحدة، ستتدافع الدول للانضمام إليها كطوق نجاة وحيد.

11