انهيار الليرة السورية

الثلاثاء 2016/04/12

قبل بداية الثورة السورية كان سعر الدولار يتراوح بين 45 و50 ليرة، وكانت الليرة السورية تعادل 32 ليرة لبنانية. اليوم وبعد دخول الثورة المُنتهكة والمسروقة عامها السادس أصبح الدولار بأكثر من 500 ليرة سورية.

ماذا يعني هذا الانهيار الاقتصادي المُريع في الليرة السورية، هل يعقل أن تساوي الألف ليرة سورية مجرد زجاجة مياه معدنية في لبنان؟ وبعد أن كانت تشترى بحوالي 3 كيلوغرامات من اللحم، أصبحت لا تشترى سوى بأوقية لحم.

العملة الجديدة من فئة 1500 ليرة أشبه بشيك بلا رصيد، قيمتها الشرائية شبه معدومة، وأصبح حليب الأطفال أغلى من البترول، كما قال لي أحد التجار.

الشعب السوري يقبض أوراقا نقدية لا قيمة لها، فيما يشتري كل شيء محسوبا باليورو أو الدولار. مظاهر الفقر الفاقع أصبحت لا تخفى في سوريا، مشاهد الرجال والأطفال والنساء ينبشون في القمامة ويفرزونها، كما لو أنهم موظفون محترمون وحاصلون على شهادة جامعية في نبش القمامة وتصنيفها.

أصبح منظر أطفال ينامون في الشارع وأفواج المتسولين وخاصة الأطفال أمرا عاديا، كما لو أنه من صلب الحياة السورية.

تغير مظهر الحياة بشكل يدعو للعجب، ويمكن اختصار شكل الحياة باللاذقية في عبارتين: التدخين ودكاكين الألبسة المستعملة! فرغم اختفاء أهم الأدوية وغلائها الفاحش ورغم الجوع وانعدام القوة الشرائية للعملة السورية، إلا أن كل أنواع الدخان موجودة بما فيها المعسل والتنباك للأراجيل.

وتحولت أهم المتاجر في أرقى شوارع اللاذقية إلى محلات لبيع الدخان، والمقاهي التي تقديم الأراجيل تعج دوما بالناس كما لو أن وجودهم يتلخص في نفخ همومهم مع دخان السيجارة أو الأركيلة. وبلغ عدد محلات الألبسة المستعملة الآلاف.

الحياة المزدهرة ظاهريا في اللاذقية والساحل السوري تتلخص في الدخان والألبسة المستعملة، كما لو أنها خطة الدولة لحل الأزمة، لكن حتى الألبسة المستعملة باهظة الثمن عند تقييمها بالليرة السورية.

طعم الحياة السورية إن كان لها طعم هو الذل. من يضطر للسفر إلى لبنان مثلا، عليه حسب القانون، أن يبرز على الحدود ألف دولار! أي أن يملك نصف مليون ليرة سورية! كيف سيحصل عليها إذا كان متوسط الرواتب يقل عن 30 ألف ليرة، أي 60 دولارا شهريا؟ وعليه أن يُعيل أسرته من مأكل وملبس ودراسة وطبابة بهذا المبلغ التافه الوهمي.

لو فرضنا أن البعض تمكن من امتلاك ألف دولار، فكيف حصل عليها، إذا كان البنك المركزي والبنوك الخاصة تمنع بيع الدولار، ويعاقب تجار العملة بالسجن بتهمة الاتجار بالعملة الصعبة، فيما ملوك وأسياد تجارة الدولار واليورو طليقين ويجمعون مليارات الدولارات من تجارة العملات.

أصبحت أحاديث الناس متناسبة مع شكل الحياة اللامنطقي والعجيب في سوريا. فكم من عائلات اضطرت لبيع أثاث المنزل، كي تؤمن أجرة المهربين لإنقاذ أولادهم من شرف لقب “الشهيد البطل” ولكي تدفع للضابط المسؤول عن ابنها المجند كي لا يقذف به إلى الخط الأول للمعركة؟

كم من العائلات نسي أولادها طعم اللحم والخضار والفاكهة بسبب الغلاء الفاحش للأسعار؟ الإنهيار الاقتصادي يعني إنهيار الإنسان، وليس مجرد بورصة تعلو وتهبط. تحول متوسط دخل السوري إلى 50 أو 60 دولارا، شهريا، يعني أن هناك أطفالا يعانون من نقص التغذية والطبابة والدراسة والأمل والفرح والطمأنينة.

ذلك يعني أيضا أن اليأس دفع الناس بمباركة عظيمة من الدولة، كي يجدوا حلولا لأزماتهم الحياتية بمجرد تدخين معسل التفاح أو أي نوع يريدون، وأن يلبسوا كنزة مستعملة من سوق الألبسة المستعملة.

ويعني أيضا اختزال الحياة وانتهاكها بتلك الطريقة، وأن يشعر المواطن السوري أنه لا يساوي شيئا، وأن ما يملأ جيوبه مجرد عملة وهمية مثل العملات التي تطبع كألعاب للأطفال.

إنها مسؤولية الدولة كاملة، التي أدت لتدهور حياة السوري ليصبح طعمها الذل وإنعدام الكرامة وغياب الأفق لحياة كريمة. تستحق ورقة الألف ليرة سورية أن يُرسم عليها زجاجة مياه معدنية بسعة الليتر. ستكون حينها أصدق وأدق معيار لإنهيار حياة السوري.

كاتبة من سوريا

11