انهيار المجتمع يبدأ من التمرد على العادات والتقاليد

الثلاثاء 2017/07/25
دعوات في ظاهرها تمسك بالتقاليد وفي باطنها سياسة

يمثّل وجود نحو 14 ألف حالة زواج سري في مصر خارج تقاليد الأسرة، أحد تجليات الخروج عن العادات والأعراف المجتمعية والتمرد على كل ما هو راسخ، وما ينتج عن ذلك من سلوكيات وأفعال شاذة يدفع بسببها المجتمع فاتورة باهظة.

قد لا يدرك كثيرون كمّ المخاطر التي تصيب المجتمعات نتيجة خروج أبنائها عن طوع العادات والتقاليد وفرض واقع جديد خاص بهم لا يتماشى مع العرف الاجتماعي، ما يهدد بانتشار أفكار هدامة تقوم على سيطرة التحرر غير المنضبط على سلوكيات الأفراد بدافع التمدن والتمرد على كل المسلمات الواقعية.

من تجليّات هذه “العصرنة”، تمسّك بعض الفئات بثقافات غربية أصبحت جزءًا أصيلا من حياتهم اليومية، في طريقة ارتداء اللباس الممزقة التي تظهر أجزاء من الجسد، أو القيام بأفعال تتنافى مع أخلاقيات ومبادئ مجتمعاتهم، وصولا إلى استخدام لغة عربية محرفة ما بين العربية والإنكليزية تسمى “العربي إيزي”، حتى أصبحت هذه لغتهم البديلة.

خطورة التحرر المطلق دون مراعاة لحقوق الآخرين، أنه يعتدي على خصوصيات المجتمع المحيط به ويقوض أساساته

مشكلة أصحاب الفكر المتمرد على العادات والتقاليد، أنهم يعتبرون الابتعاد عنها أساس التطور التحضر ومواكبة العصر، والتمسك بكل ما هو قديم مدعاة للتخلف والرجعية، دون تفرقة بين أصول قديمة لا يمكن التخلي عنها مثل التي تتعلق بالزواج، وأخرى يمكن تجاوزها لأنها لم تعد تصلح في هذا الزمن.

دليل ذلك، أن هناك فئة تنظر إلى إقامة علاقات غير مشروعة بين الجنسين والزواج بطريقة غير شرعية، وتحرر المرأة بشكل مطلق عن جميع القيود الاجتماعية وشرب الكحول، على أنها أمور مباحة في زمن التحضر.

أزمة بعض المتمردين على العادات، أنهم يقلدون بشكل أعمى، وينظرون إلى التحضر والتحرر بطريقة مطلقة دون مراعاة لكون ذلك يتماشى مع المجتمع أم لا، غير عابئين بأن الالتزام بما هو مناسب من العادات والتقاليد يرسخ الرقي بالمجتمع ويحصنه من السقوط. دعاة التحرر يبررون تحديهم للعادات والتقاليد أنها مكبلة للحريات، وتراهم يقيدون أنفسهم بمجوعة من التقاليد الحديثة، ما يعكس وجود رغبة لدى هذه الفئة في التمرد على كل ما هو محافظ، بغض النظر عن كونه يتعلق بتقاليد أم لا، بذريعة أنه مدعاة للتخلف.

خطورة التحرر المطلق دون مراعاة لحقوق الآخرين، أنه يعتدي على خصوصيات المجتمع المحيط به ويقوض أساساته، ويفقده القدرة على التماسك، ومن ثم يتحلل قوامه المتمثل في فرض تقاليد المجتمع على سلوكيات الأفراد، وتصبح الحياة شبيهة بشريعة الغاب يفعل فيها الجميع ما يريدون.

الحاصل أن هناك عادات وتقاليد تجاوزها الزمن فعلا، لكن توجد أخرى التمرد عليها طعنة قوية للمجتمع، مثل التباهي بالإلحاد والزنا وشرب المواد المخدرة والخروج عن طوع الأسرة والتبرج والتعري.

تستطيع المجتمعات التي ما زالت تقدس الأعراف والتقاليد، أن تلفظ الأفعال المنحرفة التي تتنافى مع الآداب والأخلاقيات وتجعل مرتكبوها في عزلة خشية أن تتمدد أفكارهم على نطاق أوسع. لذلك فتوارث التقاليد البناءة بين الأجيال، الضمانة الحقيقية للتماسك المجتمعي والحصن القوي ضد الانهيار في دوامة التفكك وانتشار الأفكار الهدامة والممارسات غير السويّة. ويرى أنصار هذا الرأي، أن التخلي المطلق عن العادات والتقاليد المجتمعية، مهما كانت لأسباب تتعلق بالتحضر أو الحداثة، يعني أن فعل “العيب” سوف يكون من صميم التمدن، وما كان منبوذا قبل عقود سوف يصبح مباحا للجميع فعله.

أبرز المكتسبات التي جنتها المجتمعات المحافظة أنها كانت البديل القوي عن غياب تطبيق القانون على المخطئ

ثمة مشكلة أن هؤلاء يتعاملون مع الحداثة بنظرة قاصرة للغاية، لدرجة أن مفهوم التمدن في مخيلتهم يساوي “الموضة” واستيراد العادات المتحررة بشكل مطلق، دون اعتبار أن التقدم العلمي والتكنولوجي والثقافي والفكري والإبداعي، هي من صميم التحضر.

أمام اتساع الهوة بين الأجيال لا يمكن تبرئة التمسك الأعمى بالعادات لدرجة التقديس في أنها حرمت فئات بالمجتمع من بعض حقوقهم، ومارست قيودا مجحفة عليهم، لكنها حافظت على الكيان الأمّ من الانهيار والتصدي لبعض الأفكار الدخيلة عليه، التي إن نجحت في اختراقه لانهار بأكمله.

لعل من أبرز المكتسبات التي جنتها المجتمعات المحافظة أنها كانت البديل القوي عن غياب تطبيق القانون على المخطئ، حتى أصبح الجميع يندرجون تحت قوانين العرف الاجتماعي خشية أن يكونوا منبوذين أو مطرودين، وهو عقاب أشد قسوة من قانون الدولة الرسمي.

كما أن التمسك بالأعراف والتقاليد فرض نمطا حياتيا يقاوم رغبات الأفراد التي تحمل أحيانا أفكارا منحرفة، وهو ما جعل الأكثرية ترضخ أمام الرغبات المجتمعية خوفا من أن تكون موصومة بالعار والفضيحة، وهي من التهم التي لا تسقط بالتقادم، كما أن التمرد على المجتمع وتقاليده هو بمثابة إعلان وفاة.

12