انهيار "الوطن".. لا حدود تعيق المواطنين العالميين

يقول تقرير صندوق النقد الدولي إن معدل شراء الجنسيات والتحول إلى الجنسية المزدوجة بات في تزايد مطرد مؤخرا، حتى جواز السفر الأميركي لم يعد كافيا للتنقل أو الحصول على وظيفة، وهو ما دفع يونجي ويت، التي كانت تعيش في السابق في نيويورك، إلى الحصول على الجنسية المالطية بحثا عن الانتقال للعمل في إحدى الدول الأوروبية.
الثلاثاء 2016/07/05
لماذا الحصول على تأشيرة بينما يمكنك الحصول على جواز سفر

لندن – تُقدّم مالطا جوازات سفر ثانية للذين يستطيعون الدفع، لتسهيل الوصول إلى الاتحاد الأوروبي الأوسع.

وعندما أخذت يونجي ويت، المواطنة الأميركية التي تعيش في نيويورك، أفراد عائلتها إلى مالطا في نوفمبر الماضي، كانوا مسحورين بجمال وثقافة أرخبيل البحر الأبيض المتوسط.

وتقول ويت “عائلتي كلها وقعت في حب ما تُقدّمه مالطا”، لكن الزيارة كانت أكثر من مجرد عطلة، إذ كانت خطوة نحو شراء الجنسية المالطية لعائلتها، التي من شأنها أن تسمح لها بالعيش والعمل في أي جزء من الاتحاد الأوروبي.

السيدة ويت تُجسّد فئة جديدة سريعة النمو من “المواطنين الاقتصاديين”. في السابق، كانت جوازات السفر الثانية – مثل حقائب النقود – حكرا على روايات التجسس. الآن أصبحت شائعة على نحو متزايد، وذلك وفقاً لصندوق النقد الدولي.

وأعلن الصندوق عن زيادة في عدد برامج المواطنة الاقتصادية، حيث قال في أحد التقارير العام الماضي إن الأفراد الأثرياء ينظرون إلى شراء المواطنة أو حقوق الإقامة “على أنه وسيلة لتحسين التنقل الدولي، والتخطيط الضريبي، وأمن العائلة”.

ولا توجد مزايا ضريبية بالنسبة إلى عائلة السيدة ويت في الحصول على جوازات السفر المالطية، لكن من شأنها فتح المجال أمام الحصول على وظيفة في أوروبا.

وقالت “بعض الناس يقولون إن بإمكانك السفر إلى أي مكان بجواز سفر أميركي، لكنه لا يمنحك المرونة للعيش والعمل في بلدان أخرى. إذا رغب أحد ما بالعمل في الخارج وأن يعيش حياة كفرد مُنتج ومُشارك، يجب عليه النظر في الحصول على جنسية أو ترتيب الحصول على تصريح عمل”.

من الناحية النفسية، أن يضطر شخص مع صافي ثروة عال إلى الطلب من شخص ما أن يسمح له بالذهاب إلى مكان ما أمر مزعج للغاية

في حين أنها وزوجها اعتمدا على المصارف التي يعملان بها لترتيب التأشيرات، إلا أنها تعتقد أن المزيد من الشركات الريادية اليوم لا تتوجه لمساعدة الموظفين على العمل في الخارج.

وويت، التي تتوقع إنهاء إجراءات الحصول على “جنسية عن طريق الاستثمار” هذا العام، تصف الأمر بأنه صارم ويستغرق وقتا طويلا، ويتضمن تحرّيات مكثّفة للخلفية الشخصية. كما أن الاستثمار المطلوب كبير، إذ يسدد مُقدّم الطلب الرئيسي 650 ألف يورو مع استثمارات إضافية في مجال العقارات والسندات والمزيد من المساهمات للأزواج والمُعالين.

إثارة الجدل

برنامج الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار في مالطا مُثير للجدل. وفي عام 2014، صوّت أعضاء البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة لصالح قرار غير مُلزم ينتقد البرنامج، قائلين إن جواز سفر الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن يحمل “سعرا محددا”.

وفي أبريل الماضي، وجه تقرير أجراه أعضاء البرلمان من مالطا انتقادات جديدة للطريقة التي كان يتم فيها منح العقود لبرنامج المواطنة. وعلى الرغم من مثل هذه التحفّظات، إلا أن الاتحاد الأوروبي عزّز بيع الجنسيات من خلال تقديم سفر دون تأشيرة في أوروبا لعدد من البلدان في البحر الكاريبي، ابتداء من عام 2009. وبعثت هذه الخطوة الحياة في واحد من أقدم برامج المواطنة- المُتحضر إلى حد كبير- الذي كانت تُديره جزيرتا سانت كيتس ونيفيس منذ عام 1984.

وتعد الجزيرتان الواقعتان في البحر الكاريبي القادمين “بجمال طبيعي قوي، وسماء مشمسة، ومياه دافئة، وشواطئ رملية بيضاء” لكن مواطنيها الجُدد ليسوا بحاجة إلى العيش هناك أو حتى زيارتها. ومقابل استثمار ضئيل بمقدار ربع مليون دولار، كان المستثمرون قادرين على تأمين سفر دون تأشيرة إلى العشرات من البلدان في غضون أشهر.

نوري كاتز: نتيجة برامج التجنيس سيكون لها تأثير كبير في البرامج الأوروبية التي يتم تسويقها بأنها باب خلفي أرخص وأسرع إلى بريطانيا

واندفع تقديم الطلبات بسرعة، وهو ما رفع المبالغ المسددة إلى 13 في المئة من الدخل الوطني البالغ 787 مليون دولار في الجزر في عام 2013. مع الحد الأدنى من التنظيمات وأعباء الضرائب، كان الليبراليون من بين أوائل المتحمسين.

ومن بين هؤلاء روجر فير، المستثمر منذ وقت مُبكر في الشركات الناشئة المتعلقة بعملة البتكوين، الذي غالبا ما كان يتم تصويره وهو يرتدي قميصا عليه شعار “الحدود هي خطوط وهمية”.

وكان شخص آخر يدعى بافيل دوروف، وهو صاحب مشاريع تكنولوجية متجوّل مولود في روسيا، يقول إنه لا يُحب مفهوم البلدان.

والإحصاءات الدقيقة نادرة، لكن صندوق النقد الدولي أشار إلى أن الطلب على برامج الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار يقوده عملاء من الصين، تليها روسيا، وبدرجة أقل من الشرق الأوسط.

وقال إن الزيادة في الطلب “ربما تعكس مزيجا من نمو الثروة في الأسواق الناشئة وزيادة في التقلبات العالمية والقضايا الأمنية”. وتختلف الآراء حول الآثار المترتبة على مثل هذه البرامج من تصويت المملكة المتحدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي. ويتوقع نوري كاتز، رئيس الشركة الاستشارية للمواطنة، أبيكس كابيتال بارتنرز، أن النتيجة سيكون لها “تأثير كبير” في البرامج الأوروبية التي يتم تسويقها بأنها باب خلفي أرخص وأسرع إلى بريطانيا.

لكن كريستيان كالن من الشركة الاستشارية القائمة في جيرزي، هينلي آند بارتنرز، يعتقد أن خروج بريطانيا سيكون له “تأثير قليل إن وجد على أعمالنا”. ويقول إن المواطنين البريطانيين سيستمرون في الوصول إلى الاتحاد الأوروبي في علاقة مماثلة للعلاقة مع النرويجيين والسويسريين.

ويقول كالين إن انعدام الأمن يُغذّي الطلب، فالبعض من مشتري جواز السفر الثاني يشعرون بالقلق من كشف جنسياتهم على قوائم الركاب أو سجلات الفنادق، في أعقاب الهجمات الإرهابية في مومباي في عام 2008، التي تم فيها انتقاء حاملي جوازات السفر الأميركية والبريطانية. كما تعتبر الضرائب حافز آخر أيضا. وتقول شركة هينلي “إن الانتقال إلى بلد ذي نظام ضريبي أكثر اعتدالا خيار جذّاب بالنسبة إلى الكثير من الناس الذين يشعرون أنهم يدفعون أكثر من نسبة عادلة، والذين بشكل خاص لا يحبّون السياسات المُسببة للخلاف والتآكل المستمر لخصوصيتهم”.

وعادة ما تحدد الإقــــــامة، وليست المواطنة، أين سيدفع الناس الضرائب، باستثناء المواطنين الأميركيين الذين يدفعون ضرائب فيدرالية أينما كانوا. وتقول شركة هينلي إن المواطنة قد تكون الشرط الفاصل عندما يكون هناك أكثر من بلد واحد لديه حقوق ضريبية، و”بالتالي هذا مهم على نحو متزايد باعتباره أداة فعّالة للتخطيط الضريبي الدولي”. ويمكن الحصول على جواز سفر جديد أيضا أن يكون ذا قيمة بالنسبة إلى العدد الصغير، لكن ليس العدد المتنامي من المواطنين الأميركيين الذين يتخلّون عن جنسيتهم الأميركية بسبب عبء الامتثال وزيادة تطبيق قواعد الضرائب في الولايات المتحدة.

أتوسا أراكسيا أبراهاميان: لا أرى بأسا في برامج الهجرة من أجل الاستثمار. إذا كنت ثريا وتريد أن تتولى الأمور بنفسك، فهذا يعطيك المزيد من القوة

تأشيرة إلى النفوذ

إمكانية سفر أكثر من دون تأشيرة هي نقطة البيع الكبيرة الأخرى بالنسبة إلى الأثرياء جدا، وذلك وفقا لكاتز. ويُشير إلى مثال لشخص من جنوب أفريقيا أراد تناول وجبة العشاء في باريس دون عوائق، لكنه يحتاج إلى تأشيرة للسفر إلى الكثير من الأماكن. ويقول إن جواز السفر الثاني فقط هو الذي يُمكن أن يُضيف بعض الحريات التي يعتبرها الغربيون أنها أمر مفروغ منه.

وقال كاتز “من الناحية النفسية، أن يضطر شخص مع صافي ثروة عال للطلب من شخص ما أن يسمح له بالذهاب إلى مكان ما أمر مزعج للغاية”.

وعلى نحو متزايد، جوازات السفر الإضافية تُعتبر بمثابة رمز للمكانة. ويستشهد كاتز بما يصفه بأنه “متلازمة أميركان إكسبرس السوداء”، بطاقة دعوة فقط من الفولاذ تحمل عضوية ناد من كبار المنفقين. ويقول “بالنسبة إلى البعض، وجود جنسية أخرى أمر مرموق”.

وتعتقد أتوسا أراكسيا أبراهاميان، صحافية في قناة الجزيرة الإنكليزية ومؤلفة “ذا كوزموبولايتس”، وهو كتاب يتحدث عن بيع الجنسيات، أن التسويق الفعّال يُمثّل جزءا كبيرا من زيادة شعبيتها.

وتقول أبراهاميان إن الأمر يعود جزئيا إلى “الاستفادة من جنون الشك” وجزئيا إلى التأطير الماهر للصفقة كما هي الحال في وصف شركة هينلي لعملائها بأنهم “فئة جديدة متميّزة من المواطنين العالميين”.

لكن سمعة بعض البرامج تعرضت للتشويه بسبب الضوابط الضعيفة. يقول صندوق النقد الدولي “الحفاظ على مصداقية” البرامج ربما هو التحدّي الأكثر أهمية الذي يواجهها.

تقول أبراهاميان، التي تحمل ثلاث جنسيات عن طريق عائلتها أو الميلاد، إنها لا ترى بأسا في البرامج الاستثمارية. وأضافت “إذا كنتَ ثريا وتريد أن تتولى الأمور بنفسك، فهذا يعطيك المزيد من القوة أتوسا أراكسيا أبراهاميان “. وتعتبر ويت أن حصول عائلتها على جوازات السفر تعامل يحتاج إلى تحليل حذر شأنه في ذلك شأن أي قرار آخر يتعلق بثروة عائلتها. وتضيف “بالنسبة إلي الحصول على الجنسية نوع من الاستثمار في أصول بديلة، مثل التـأمين أو التداول في الخيارات”.

13