"اهتزاز".. المسرح المصري على حافة بئر الرغبة

مسرح الشباب في مصر يسعى إلى فرض حضوره في المشهد الفني للتعبير عن ذاته بطرق متطورة وأساليب غير نمطية فهو يطرح أفكارا ورؤى خارج الصندوق.
الجمعة 2019/11/15
امرأة للواقع.. وامرأة للحلم

بالاتكاء على ثلاثة ممثلين وفق أسلوب ”التريودراما”، طرحت مسرحية “اهتزاز” التي تُعرض حاليا بالقاهرة قضايا فنية وأزمات شخصية ومجتمعية متعددة، متخذة من الخلل النفسي نقطة انطلاق لاقتحام محاذير وتابوهات، على رأسها مفاهيم الخيانة والاحتياج الجنسي، وجاءت مظلة التمرّد وإعلان الانفلات بمثابة غاية فوقية حجبت أبجديات الطموح المسرحي إلى إنجاز تثوير وتفجير بالمعنى الفني.

القاهرة- للمسرح النفسي صولات وجولات في فضاء التعمق في كشف الجوّانيات الإنسانية وتحليل الصراعات الداخلية التي تنعكس بدورها على العلاقات مع الآخرين، وتكون نواة
لكشف سوءات المجتمع وتعرية مشكلاته الكامنة.

في هذا المضمار، سعت المسرحية المصرية “اهتزاز” المعروضة على مسرح “الهناجر” في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، إلى ترجمة الارتعاش النفسي عن طريق الرقص والجنس والأداء الحركي المثير إلى دلالات مادية وجسدية معبّرة عن اهتزازات الحياة والبشر، لكن هذه المغامرة التي تلمّست العبارات الفجة والإشارات والإيحاءات الجارحة كوسيلة سهلة لخلخلة الثوابت وكسر المحرّمات.

يُحتسب للمسرح الجديد سعيه اللاهث إلى التعبير عن ذاته بطرق متطورة وأساليب غير نمطية، فهو يطرح أفكارا ورؤى خارج الصندوق، ويقدّم ثيمات مغايرة منوّعة مثل المونودراما، أي مسرحية الشخص الواحد، والديودراما، أي المسرح الثنائي، والتريودراما، أي المسرح الثلاثي، ويستند إلى أساليب تعبيرية وأدائية مبتكرة، بالإضافة إلى اهتمامه بالتجريب من حيث التقنيات ومفردات العملية المسرحية وعناصر الإبهار والإدهاش.

وما يهدف إليه مسرح الشباب في مصر هو فرض حضوره في المشهد الفني، ليس فقط بلفت الأنظار شكليا، وإنما بإثبات القدرة على إنجاز صياغة جمالية حقيقية لمسرح حديث، لها جناحان أساسيان؛ الأول: فني صرف، والثاني: مجتمعي، بمعنى ملامسة قضايا واقعية بمصداقية وعمق.

ولا شك في أن العرض المسرحي الجديد “اهتزاز”، من إنتاج فرقة مسرح مركز الهناجر للفنون، وتأليف رشا فلتس، وإخراج حسن الوزير، وبطولة شادي سرور وإيمان إمام ودنيا النشار، على وعي نظري بمثل هذه الأمور والطروحات.

الغوص الداخلي

مسرحية تترجم الارتعاش النفسي عن طريق الرقص والجنس والأداء الحركي المثير
مسرحية تترجم الارتعاش النفسي عن طريق الرقص والجنس والأداء الحركي المثير

بعدما قدمت الكاتبة رشا فلتس مسرحيتها الأولى “بارانويا” في وقت سابق، مضت على النهج ذاته في عملها الجديد “اهتزاز”، معتبرة أن الدراما النفسية الأقرب إلى تشريح الذات بحرية وصراحة دون أي حُجُب، وصولا إلى قراءة النسيج المجتمعي ككل بغير نفاق أو تورية.

رسمت المسرحية شخصية محورية مأزومة، مريضة نفسيا، هي نسمة، التي تعيش بمفردها، وتتعاطى العشرات من الأدوية والمهدّئات العصبية “أنا منهارة، أتلعثم في الكلام، أخاف من نفسي”، كما أنها مدمنة خمر ومخدرات وسجائر “آخد كاس، أعمل دماغ، مخي أبيض بسبب الشرب”، في محاولات بائسة يائسة للخلاص من واقعها الكابوسي، والهروب من حرمانها النفسي والجسدي إلى خندق الغيبوبة ونسيان إحباطاتها وإخفاقاتها في كل شيء: الحب، الحنان، التواصل مع الآخرين، الكتابة الأدبية.

في إطار الصراع المسرحي الثلاثي، ثمة شخصيتان أخريان، هما: ليلى صديقة نسمة، وهي الوحيدة التي نجت من مقصلة تخلص نسمة من صداقاتها الزائفة، وسيف، عشيق ليلى، الذي يمنحها الدفء والحب دون إطار شكلي محدّد لهذه العلاقة التي تجري خارج منظومة الزواج.

من خلال لقاءات متعددة للثلاثي في المكان الوحيد الذي تدور فيه الأحداث -منزل نسمة الذي تظهر منه صالة استقبال وبار معدّ للشرب وبعض الغرف- تتبدّل العلاقات وتتساقط الأقنعة وتتكشّف ملامح جديدة للوجوه والنفسيات وتتنامى الصراعات بين أطراف المسرحية، بما يشكّل جُملة من الاهتزازات العاصفة بالجميع، وتكبر الأزمة النفسية الخاصة بنسمة، لتصير أزمة عامة تطول الثلاثة، وتعكس أزمة الواقع والمجتمع.

هذه الأزمة، الخاصة/ العامة، المفترض أن لها طبقات ومستويات متعمقة، وترددات متشابكة، اختزلها العرض في مفردة واحدة فقط هي الجنس كبحث مستمر في الوجود واللاوجود، فكل صور الحرمان المعنوي والمادي الذي تعاني منه نسمة تلخّصت في احتياجها إلى جسد الرجل، وكل صيغ الإشباع والنجاح في التعاطي مع الحياة والاستمتاع بها لدى ليلى جرى تسطيحها في لحظات العشق بين ذراعي سيف، ذلك الشخص الذي يتظاهر بالدفء والحنان، وهو لا يفكّر سوى بالرغبة وقضاء وقت عابر مع امرأة.

ثقوب الذاكرة

هذه الأوضاع الشاذة لم تدم بطبيعة الحال، إذ انقلبت الصداقة بين نسمة وليلى إلى غيرة وتنافس، ثم اتفقتا ضمنيا على التخلّص من العشيق المشترك المُخادع، لتحتفظ كل منهما بالأخرى كصديقة، لكن بعد أن تبدّلت المفاهيم والأفكار، وتزعزعت الأرض تحتهما بفعل هذه الاهتزازات العنيفة المتتالية.

ويمكن توصيف عرض “اهتزاز” بأنه من تلك العروض التي تسقط تفاصيلها من ثقوب الذاكرة، باستثناء بعض النقاط القليلة المتوهجة، فقد أهدر الكثير من طاقته وجموحه وفورانه في إثبات جرأته وتمرّده عبر الإيماءات والتلميحات الجنسية، والعبارات الصريحة أحيانا “إيه (ما) أحلى حاجة في الحياة؟ الحب، الجنس، المتعة، الشهوة”، إلى جانب الحركات والاستعراضات الثنائية الراقصة المليئة بالإشارات الجنسية: أوضاع الجماع المختلفة، الرعشة، تعبيرات الوجوه الشبقة، إلى آخر هذه الدائرة التي بقدر ما اتسعت في العرض ظهرت مُفتعلة ومُخالفة للذائقة، وشكلت حبلا يخنق الحضور الفني.

ما لم يسقط من ثقوب الذاكرة، تَمَثَّل في لمحات الإجادة المقترنة في أغلب الأحوال بقدرات فردية، كالطاقة التمثيلية المتميزة لدى أبطال العرض، بما سمح بإبراز التقلبات النفسية وبلورة الصراع ببراعة، سواء في حالة الحوار أو في لحظات الصمت، إلى جانب الأداء الحركي المُبهر في الرقصات والاستعراضات التي جاءت مزيجا بين الرقص الحديث والباليه، بمصاحبة موسيقى سيمفونية معبرة وتوزيعات أوركسترالية وإيقاعات ثرية، وإضاءة مريحة مُلائمة، تكشف ما يجب التركيز عليه، وتُطفئ ما ينبغي تهميشه لحظيا.

وُفّق العرض كذلك في الاشتغال الفلسفي على بعض الأمور والمسائل، منها لعبة الزمن، ذلك الذي يمضي كالزئبق ويتبخر كالغازات المتطايرة، وكان لصوت عقارب الساعة “تك. تك. تك” دور في شحن الكثير من المواقف بالانفعالات والإثارة، وتفاعل ذلك بصورة إيجابية مع مفردات الديكور بما فيها من مسحة غموض الستارة الزرقاء وتداخلات بين الحقيقة والخيال، مثل المخ البشري المتحرك في خلفية المشهد ككوكب في فضاء مجهول.

كان يُمكن أن يحمل العرض صيحة مسموعة ودعوة محمودة إلى إعادة ترتيب الأولويات والأفكار وبدء كل إنسان الحياة من جديد بالأسلوب الذي يراه ملائما له، مثلما هدف صُنّاع العمل، لكنّ المبالغة في التركيز على التعري والرموز الفاضحة أفسدتْ الكثير من القيم الخلاّقة البنّاءة المتوقعة من المسرحية.

14