اهتزاز صورة المرشد في إيران بعد مقتل سليماني

خلافة علي خامنئي تشعل الصراع داخل مؤسسات النظام الإيراني.
الأحد 2020/01/26
موت سليماني يجعل الوضع أكثر تعقيدا

مجازفة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باغتيال قاسم سليماني، الرجل القوي والنافذ في إيران، أربكت النظام ودفعت الصراعات التي كانت تحت الرماد إلى الخروج على السطح ليس فقط بين الإصلاحيين والمتشددين، ولكن، وبالأساس بين المتشددين الذين تريد كل جهة منهم أن تمسك بالقيادة، في وقت تزداد فيه قوة مؤسسة الحرس الثوري على حساب المؤسسات الأمنية والعسكرية الأخرى، خاصة أن أنصارها نجحوا في ذروة قوة سليماني في السيطرة على معظم المؤسسات الحيوية.

طهران - مثل مقتل قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني اختبارا جديا للمفاهيم التي حملتها ثورة الخميني في 1979، وهي مفاهيم تقوم على عنصر رئيسي هو الحكم الذي يستمد مقاربته من مرجع أعلى يأخذ تعليماته من جهة خفية، ولذلك تراه يستند إلى النص الديني لإكساب هذا الدور قدسية لا ترقى إلى أيّ نقد أو تشكيك، لكن الهجوم الأميركي هز تلك الصورة وأظهر أن مصادر القوة لـ”الولي الفقيه” لا تستطيع حمايته، فضلا عن بناء دولة قادرة على مواجهة “الشيطان الأكبر” وهزمه.

بعد الضربة القاصمة التي هزت ثقة الناس في حكم رجال الدين، بادر المرشد الأعلى علي خامنئي إلى الاحتماء بالنص الديني لتبرير السكوت على الهجوم والعجز عن حماية ذراعه اليمنى قاسم سليماني، وقدم تفسيرا يحوّل الهزيمة إلى نصر مؤجل مستشهدا بآية من سورة إبراهيم “ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكّرهم بأيام الله”.

تلا المرشد الأعلى الإيراني هذه الآية على مسامع الآلاف من المصلين، الذين احتشدوا لأداء فريضة يوم الجمعة، للإيحاء بأن الضربة هي يوم من أيام الله، في تفسير قدري تبريري للفشل بالتصدي للهجوم، مذكرا الناس بما وصفها “نعما جلبها حدثان مختلفان في خمسة أيام”.

وأشار إلى النعمة الأولى بأنها “أكبر موكب جنازة في العالم”، حيث اجتمع الإيرانيون لتشييع قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، الذي قُتل في غارة شنتها الولايات المتحدة على موكبه في بغداد في الـ3 من يناير.

وتمثّلت الثانية في إطلاق طهران لصواريخ من أراضيها نحو قاعدتين عسكريتين أميركيتين في أربيل وعين الأسد غرب بغداد في الـ8 من يناير. وقال المرشد حينها إن الهجوم يعدّ “لطمة على وجه” الولايات المتحدة.

وبعثت اللغة التي وظفها القائد البارز برسالة واضحة للسياسيين الإيرانيين وإلى بقية العالم مفادها أن هامش المناورة محدود، وأن كل الاستعدادات الإيرانية لمواجهة الولايات المتحدة لا تتجاوز الشعارات والوعود.

ويعتقد المحللون أن هامش المناورة أمام المرشد بات محدودا في إقناع الإيرانيين بالأيديولوجيا المرتبطة بجهات خارجية خارقة يستمد منها العون والقوة والتحدي. لقد بات الأمر بمثابة نكتة سمجة، إذ اكتشف الأتباع أن سليماني مات، وهو يقاتل لوحده، ولم تنجده أيّ قوة خارقة بما في ذلك قوة المرشد، وهو ما سيدفع السلطات إلى المزيد من التطرف سواء في إسكات النقد بالداخل، أو في إطلاق أيدي الحرس الثوري والميليشيات الحليفة في الخارج.

معركة خلافة

خامنئي يسرّع من جهوده لتقوية الحرس الثوري
خامنئي يسرّع من جهوده لتقوية الحرس الثوري

شكّل مقتل سليماني ضربة كبيرة لإيران في الداخل والخارج، ووجهت العملية بأكملها “لطمة” لخطط المرشد الأعلى الذي كان يعوّل كثيرا على مساعده الأقرب في تدعيم أركان النظام الديني بعد موت خامنئي ذاته.

ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن محلل سياسي إيراني موال للتيار الإصلاحي قوله “نشهد ألعابا محلية وأجنبية معقدة جدا وترتكز جميعها على مسألة من يخلف خامنئي”، مضيفا أن “إعطاء المزيد من التمكين لعناصر الحرس الثوري، سياسة متعمدة لجعلهم القوة المهيمنة حتى يتمكنوا من لعب الدور الرئيسي في انتقال السلطة”.

وتزامن دعم خامنئي للحرس الثوري بعد مقتل سليماني، ورغم مسؤولية هذا الجهاز الأكثر قوة في إيران عن إسقاط الطائرة الأوكرانية بعد ساعات من الهجوم على القوات الأميركية، وذلك في ظل معركة غير معلنة على الخلافة على منصبه حيث ستحدد هوية الشخص الذي سيخلفه في التحكم بمصير إيران لعقود.

ويقول مهدي خلجي، الزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن موت سليماني يجعل الوضع أكثر تعقيدا في مجلس الخبراء المكلف بموجب الدستور باختيار خليفة للمرشد في حال موته، إذ لطالما استبدل خامنئي الولاء لأيديولوجيا النظام بعبادة لشخصه على مرّ السنين. وإذا كان سيغادر الساحة السياسية قريباً، فلن يكون للنخبة المقسّمة إلى عدة فصائل – بما فيها “الحرس الثوري”- سلطة محورية ترسي عليها أساساً جديداً للوحدة الداخلية والشرعية المحلية، مما سيطرح خطراً وجودياً على النظام ككل.

ويوضح في السياق ذاته أن “آيات الله الثمانية والثمانون الذين يشكلون مجلس الخبراء يعتمدون على جهات فاعلة من الخارج، ولاسيما الحرس الثوري. فعادةً ما يفوز الأعضاء في انتخابات المجلس بدعم مباشر وتمويل من عناصر الحرس الثوري، كما أن علاقاتهم بالأجهزة العسكرية والأمنية أقوى بكثير من جذورهم في المؤسسة الدينية. وبالتالي، لا بدّ من اتخاذ القرار الفعلي بشأن خلف خامنئي المحتمل خارج المجلس”.

ويعتمد النظام الديني الإيراني على “ولاية الفقيه” التي تخول للشخص تولي السلطة الشاملة لـ”الإسلام الشيعي”، وفقا للتفسير الذي يفرضه السياسيون المتشددون. ويختار رجال الدين في مجلس الخبراء الزعيم الديني ويجب أن يعامل كما لو كان الله من عيّنه في منصبه لحكم العالم الإسلامي، لكنّ السياسيين الإصلاحيين يرفضون هذا التفسير الديني ويطالبون بعملية أكثر ديمقراطية من خلال الانتخابات.

وكانت هذه التفسيرات المختلفة جوهرا للصراع السياسي الإيراني منذ سنة 1989 عندما تولى خامنئي منصب المرشد خلفا لروح الله الخميني الذي أصبح زعيم الثورة الإسلامية في 1979. ومنذ ذلك الحين يعتمد خامنئي، الذي لم يتمتع بكاريزما سلفه ورتبته الدينية العالمية، على الدستور مما مكنه من “سلطة مطلقة” على جميع شؤون الدولة.

وعمل خامنئي على توسيع نفوذ الحرس الثوري وحوّله إلى ذراعه اليمنى في ممارسة السلطة لقمع أيّ احتجاجات تطال النظام الديني في إيران.

ويتوقع محللون أن يسرّع خامنئي من جهوده لتقوية الحرس الثوري أكثر على خلفية الأحداث الأخيرة التي شهدتها إيران سواء في الداخل على مستوى الاحتجاجات أو في الخارج على مستوى قيادة ميليشياتها المختلفة.

ويقول أحد المطلعين على سياسات النظام الإيراني “عندما يموت خامنئي سيتولى الحرس الثوري السيطرة على البلاد بالكامل حتى يتمكن مجلس خبراء القيادة من اختيار قائد جديد”، مشيرا إلى أن الحرس الثوري سيكون القوة العليا القادرة على التأثير على عملية اختيار خليفة خامنئي وكبح أيّ أزمات محتملة والحفاظ على الأمن.

قوة الحرس الثوري

يشكل الحرس الثوري الإيراني، الذي يبلغ عدده 120 ألف عسكري، المؤسسة الإيرانية الأكثر تنظيما مما يمنحها النفوذ الأكبر في عملية اختيار الخليفة. كما يسيطر هذه الجهاز على قوة من المتطوعين الذين تصل أعدادهم إلى الملايين مما يزيد من قدرته على التأثير.

وينتشر السياسيون المقربون من الحرس الثوري في مؤسسات مختلفة في إيران مثل مكتب المرشد الأعلى والرئاسة والبرلمان والقضاء. وتتمتع هذه القوة بمصالح في الاتصالات والتجارة والبتروكيماويات وغيرها من القطاعات الأخرى، وهو نفوذ حاول الرئيس حسن روحاني كبحه في السابق عبر الاستغناء عن العقود في الشركات المملوكة للدولة.

كما يدير الحرس الثوري جهاز المخابرات المسؤول عن سجن المئات من الناشطين المؤيدين للديمقراطية، والمواطنين الحاملين لجنسية مزدوجة والمتهمين بالتجسس. وفي حين يحمل الحرس الثوري قدرة كافية على التأثير على خامنئي حيث يقول المحللون إنه يظل مواليا له ويحترم كلمته الأخيرة في جميع الشؤون. ومع ذلك، قد لا يتمتع المرشد الأعلى القادم بنفس القدر من السلطة.

الأمر بات بمثابة نكتة سمجة، إذ اكتشف الأتباع أن سليماني مات، وهو يقاتل لوحده، ولم تنجده أيّ قوة خارقة بما في ذلك قوة المرشد

ويقول مهدي خلجي إن “سليماني كان يمثّل سلطة بديلة لا تضاهى، كان شخصاً قد منح خامنئي على الأرجح راحة البال بأن النظام قد يحافظ على استقراره متى حان موعد المرحلة الانتقالية”، مضيفا أن “الأنظمة الاستبدادية تستفيد من وجود مثل صمامات الأمان هذه – شخصيات يمكنها تقديم التوجيه خلال أوقات الأزمات وتتوقع الالتزام به دون اللجوء إلى التدابير القسرية- والآن يبدو أن آفاق الخلافة مقلقة على نحو أكبر بالنسبة إلى طهران، كما أن مستقبل النظام أقل تأكداً”.

وتبرز الأحداث الأخيرة في إيران، وفقا للعديد من المتشددين، الحاجة إلى وجود زعيم براغماتي آخر على استعداد للوقوف في وجه الولايات المتحدة ويرفض تكهنات الإصلاحيين الذين يرون أن الإيرانيين سيريدون أن تكون صلاحيات المرشد الأعلى المقبل مناسبة لمنصب صوري وليس لشخصية قوية أخرى.

ويقول أمير محببيان، وهو صحافي مقرب من المحافظين، إن “الحرس الثوري أصبح في موضع قويّ حيث لا يهدد أيّ زعيم مستقبلي مصالحه. نحن في حالة طوارئ دائمة مما يجعلنا بحاجة ماسة إلى الاستقرار في بلد مرّ بفترات انعدم فيها الأمن مما خلق خوفا مستمرا من زعزعة الاستقرار”.

ويؤكد الحرس الثوري الإيراني التزامه بواجبه الدستوري الذي يفرض عليه الحفاظ على البلاد كما يرى نفسه المسؤول عن “تحقيق المهمة الأيديولوجية الأساسية المتمثلة في الجهاد في سبيل الله”.

منْ المرشد بعد المرشد

Thumbnail

تحوم تكهنات في الداخل الإيراني حول الشخص الذي ستفضله قيادة الحرس الثوري، ويتوقع محللون نظرا إلى الأحداث الأخيرة أن تميل المؤسسة العسكرية في إيران إلى نجل خامنئي الثاني، مجتبى، على الرغم من أنه لم يحقق الكثير في حياته الدينية والسياسية. ويدرّس مجتبى البالغ من العمر 51 عاما في مدينة قم، التي تعتبر مركز تعليم مهمّ للشيعة في إيران، مما يمنحه رتبة دينية رفيعة وضرورية لتولي دور المرشد الأعلى. وقال أحد أقاربه إنه “يتبنى أفكارا مماثلة لوالده ونظرة ثاقبة في القضايا السياسية والعسكرية. كما تجمعه علاقات جيّدة مع الحرس الثوري. ورغم أنه لا يتمتع بسلطة والده، إلا أنهم لن يستطيعوا مواجهة كلمته”.

ويرى المقرّب من النظام في مثل هذا الاختيار عاملا سيحوّل المنصب إلى عنصر يذكّر بالملكية الوراثية التي أطاحت بها الثورة الإسلامية قبل أكثر من 40 سنة.

كما يعدّ إبراهيم رئيسي المرشح المحتمل الآخر، وهو رئيس السلطة القضائية المتشدد والذي خسر الانتخابات الرئاسية في 2017 ليتحوّل إلى شنّ حملة ضد الفساد.ويقول أحد المحللين المحافظين “تحدد الفوائد السياسية والتكاليف اختيار القائد، حيث يجب أن تكون المنافع مشتركة وتخدم مجموعات من المصالح المختلفة. يجب أن تتأكد الجماعات السياسية والمجتمع من أن هذا الاختيار يتناسب مع مصلحتهم”.

ويقول أحد أقرباء المرشد إن “التطورات الأخيرة كانت بمثابة دعوة للاستيقاظ، لتذكرنا بأن الولايات المتحدة يمكنها خوض حرب مع إيران في أيّ وقت، ونحن بحاجة إلى زعيم شجاع آخر قادر على الحفاظ على استقرار البلد”.

6