اهتمام أميركي متصاعد بقضية الصحراء

تهميش المينورسو أولى مراحل الضغط، والرؤية الأميركية تقود إلى خيارين التسوية أو الحرب.
السبت 2018/12/15
في انتظار التسوية

واشنطن – ركز مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي جون بولتون خلال عرض إستراتيجية بلاده في أفريقيا على قضية الصحراء المغربية حيث تحدث باستفاضة عن ضرورة التوصل إلى تسوية للنزاع متهما بعثة الأمم المتحدة (مينورسو) بالتقصير وإدامة الوضع القائم منذ حوالي ثلاثة عقود.

واستغرب جون بولتون فشل بعثة المينورسو في تحقيق تقدّم بعد مضيّ 27 عاما على تشكيلها.

وقال بولتون في كلمة حول إستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة بشأن أفريقيا في مؤسسة هيريتيدج للدراسات، إن “الموارد التي أنفقت خلال هذه الفترة على البعثة الأممية كان يجب أن توجّه إلى تحسين ظروف المواطنين في المنطقة”.

وحذّر من أن الولايات المتحدة ستطلب “إنهاء” المهمات الأممية في أفريقيا كونها “لا تأتي بسلام دائم”، وأردف قائلا إن واشنطن ستعيد النظر في دعمها لمهمات حفظ السلام التابعة للمنظمة الدولية من أجل ضمان فعاليتها في حلّ النزاعات وليس تجميدها فقط.

وأنشأت البعثة عام 1991 وأوكلت إليها مهمة تنظيم استفتاء في منطقة الصحراء المتنازع عليها، لتقرير مصير سكانها وحفظ السلام ومراقبة تحركات القوات المتواجدة في الصحراء من الجيش المغربي وجبهة البوليساريو.

وبدأت ضغوط الولايات المتحدة عن طريق المينورسو منذ أشهر عندما قامت بصياغة مشروع قرار دولي يمدد عمل البعثة بستة أشهر فقط بدل سنة. ويتوقّع مراقبون أن تتجه واشنطن خلال الأشهر المقبلة نحو إلغاء البعثة أو تجميدها.

ويرى المحلل السياسي هشام معتضد أن “الولايات المتحدة تريد من خلال هذه التصريحات الضغط على أطراف النزاع لعدم التماطل في التوصّل إلى تسوية خلال جولة المفاوضات المرتقبة في ربيع العام المقبل وتحديد خارطة طريق فعّالة وفعلية للوصول إلى اتفاق تسوية، وذلك لطيّ الخلافات العالقة حول هذا الملف”.

وانتهت المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة بشأن الصحراء قبل أسبوع دون إحراز تقدّم، لكن مبعوث الأمم المتحدة هورست كولر قال إن جميع الأطراف اتفقت على الاجتماع مجددا في مطلع 2019.

وفشلت جهود الأمم المتحدة مرارا في التوصل إلى تسوية بشأن المنطقة المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر منذ غادرتها إسبانيا عام 1974.

ويندرج تعامل الإدارة الأميركية مع ملف الصحراء في إطار التصوّر الجديد الذي يعتمده البيت الأبيض، والذي يتمثّل في التعامل السياسي مع القضايا الإقليمية وخاصة تلك التي تحيط بها مخاطر أمنية.

تسوية النزاع من شأنها خلق استراتيجية للتنمية في المنطقة، تقدم موارد اقتصادية بديلة عن التهريب والاتجار بالبشر

وقال هشام معتضد لـ”العرب”، إن “التجاوزات التي قامت بها البوليساريو فوق أرض الميدان، ضاربة عرض الحائط بقرار وقف إطلاق النار، زادت من تخوّف الإدارة الأميركية من إمكانية انفلات أمني بالمنطقة”.

وأضاف “لذلك تسعى واشنطن إلى إيجاد حل سريع سيجنّب المنطقة أيّ انفلات أمني من شأنه مفاقمة التهريب وتحرك المجموعات الإرهابية”. وتوغلت البوليساريو أبريل ومايو الماضيين في المنطقة العازلة وباشرت مناورات عسكرية بمشاركة خبراء من الجيش الجزائري، ما اعتبره المغرب استفزازا ومحاولة للتصعيد.

ويرى هشام معتضد، أن الإدارة الأميركية تبحث عن تغير هيكلة المهمات الأممية في فض النزاعات الإقليمية وتسعى جاهدة إلى تقليص المساهمات المالية الأميركية، وذلك لتنزيل نهج ترامب الجديد، والذي ينسجم مع رؤيته للنظام العالمي الجديد وتفعيل سياسة “أميركا أولا”. وهو ما عكسه تصريح بولتون عندما قال إن الهدف الآن هو جعل الاقتصاد والسياسة في خدمة التنمية في المنطقة، ما يشير إلى رغبة أميركية في الاستثمار فيها.

ويعيق نزاع الصحراء التعاون والتكامل الإقليميين ويخلّف تداعيات خطيرة على الأمن والتنمية. وأثّرت الحدود المغلقة بين المغرب والجزائر سلبا على معظم العلاقات الإقليمية، فعلى سبيل المثال، تجد تونس وليبيا ومالي نفسها مضطرة إلى إعداد إستراتيجيات أمنية مع كل من الدولتين على حدة عوضاً عن إستراتيجية إقليمية منسقة أكثر فعالية. كما أن إقصاء المغرب عن “القيادة الإقليمية لعمليات مكافحة الإرهاب المشتركة” التي تتزعمها الجزائر، يسلط المزيد من الضوء على المشكلة.

ويرى خبراء أن تسوية النزاع من شأنها أن توحّد الجهود الأمنية العابرة للحدود عند المستويَين الإقليمي والمحلي، وخلق استراتيجية عملية للتنمية الاقتصادية تُقدّم موارد اقتصادية بديلة عن التهريب والاتجار بالبشر، ما قد يساهم في بسط الاستقرار في هذه المناطق ويعود بالنفع ليس فقط على اللاجئين العالقين في المخيمات منذ أكثر من أربعين عاما، بل أيضا لمستقبل الجزائر والمغرب كبلدين جارين وللاستقرار الإقليمي في المغرب العربي.

ويملك جون بولتون الذي عمل مساعدا لجيمس بيكر عندما كان مبعوثا شخصيا للأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان للصحراء، معطيات حول الملف ومتابع للوضع عن كثب ويعمل على التأثير في مجرياته بعد أن أصبح مستشارا للأمن القومي في إدارة ترامب.

ويعتقد بولتون جازما أن تحريك الحل السياسي لن يكون إلا بالضغط على المينورسو أو بإنهاء مهامها بصفة نهائية مع إغفال إمكانية استغلال البوليساريو لهذا الوضع للتصعيد على طول الشريط العازل، وهو ما سيجرّ المنطقة إلى عدم الاستقرار.

ويتردد في بعض الأوساط المغربية أن الولايات المتحدة أعدّت خطة تحمل عنوان “بيكر 3”. وتضع هذه الخطة أطراف الأزمة أمام خيارين: إما التوصل إلى حل سلمي عاجل وإما الحرب.

ويدافع جون بولتون على ضرورة إخراج ملف الصحراء من الخانة الكلاسيكية للنزاعات إلى خانة المعارك الجيوسياسية.

وحذّر هشام معتضد من سياسة الولايات المتحدة التي تعتمد على الضغط. وأوضح ” أنه إذا كان اختيار نهج الضغط له إيجابياته السياسية في الملف فإن عدم الوصول إلي تسوية سياسية والمساس بتخفيض دور الأمم المتحدة في تدبيرها للملف قد يعجّل بوقوع مواجهات مباشرة تدخل المنطقة في سلسلة حروب سيكون لها انعكاسات خطيرة على المستويين السياسي والاقتصادي.

4