اهتمام إعلامي غير مسبوق بزيارة إمبراطورة إيران السابقة إلى مصر

تعوّدت إمبراطورة إيران السابقة فرح ديبا على أن تحل ضيفة على مصر لإحياء ذكرى وفاة زوجها الشاه محمد رضا بهلوي، (27 يوليو 1980)، لكن على غير العادة شهدت زيارتها هذا العام تغطية إعلامية لافتة تدفع بعض المراقبين إلى وضعها في السياق السياسي الإقليمي وتطورات العلاقة بين مصر وإيران ضمن تصاعد الأصوات العربية الرافضة للسياسات الإيرانية في المنطقة وضمن توجّه مصري نحو الحفاظ على الحدود التي رسمتها القاهرة في علاقتها مع طهران منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بعد احتفاء طهران بخالد الإسلامبولي، العقل المدبّر لعملية اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، الذي استضاف في فبراير ‏1980‏ شاه إيران محمد رضا بهلوي.‏
الأحد 2017/08/06
جيهان السادات وفرح ديبا أمام قبر الشاه

القاهرة - المتابع لتطور العلاقات بين القاهرة وطهران يجدها هادئة ضمن صيغة يرتاح لها الطرفان تقريبا، لأن كل منهما يخشى أن ينزلق إلى مواجهة صعبة في ظل مجموعة كبيرة من العواصف والتجاذبات الإقليمية، كما أن التغير في التحالفات جعل من الحذر هدفا في حد ذاته.

مع ذلك لا تخلو العلاقات من صدور إشارات وتلميحات تأخذ العلاقات أحيانا إلى أقصى درجات العداء وأحيانا أخرى يغلب عليها صمت يمكن تفسيره على عدة أوجه. ويلعب التوقيت دورا مهمّا في تحديد البوصلة التي يقف عندها سقف العلاقات الخلفية، لأنها على الصعيد الدبلوماسي مقطوعة أصلا.

يوم 27 يوليو الماضي، زارت الإمبراطورة الإيرانية السابقة فرح ديبا (بهلوي) القاهرة كعادتها لإحياء ذكرى وفاة زوجها الشاه محمد رضا بهلوي في مسجد الرفاعي، لكن المختلف هذه المرة يكمن في احتفاء وسائل الإعلام المصرية بها على غير العادة التي جرت طوال السنوات الماضية، وهو ما اعتبره الكثير من المراقبين إشارة رفض مبطّنة من القاهرة لطهران، تتوافق مع التطورات الكبيرة في العلاقات المصرية السعودية، والتي كانت طهران واحدة من منغّصاتها لفترة من الوقت.

تكتسب الزيارة أهميتها من السياق الزمني الإقليمي لدرجة دفعت البعض إلى إضفاء أبعاد سياسية على الاحتفاء الإعلامي غير المعتاد الذي حظيت به فرح ديبا، التي تمت استضافتها في أكثر من برنامج تلفزيوني وأجريت معها حوارات في مختلف الصحف المصرية. وفُسّر الاهتمام ضمن رؤية مصر لموقع إيران في المنطقة ودورها السلبي في الأزمات المختلفة.

البعد السياسي فرضته مشاركة بعض أعضاء مجلس النواب المصري في المؤتمر الذي عقدته المعارضة الإيرانية في باريس في يوليو الماضي، الأمر الذي اعتبرته طهران تدخلا “غير معتاد” في شؤونها الداخلية من قبل القاهرة، وقامت باستدعاء رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية لديها لهذا السبب.

الاهتمام الإعلامي الملحوظ بزيارة إمبراطورة إيران السابقة فهم على أنه رسائل غير مباشرة موجّهة لنظام طهران، تؤكد أن القاهرة غير راضية عن السياسات التي تتبناها إيران

دلالات وتفسيرات

الاهتمام الإعلامي الملحوظ بزيارة إمبراطورة إيران السابقة فهم على أنه رسائل غير مباشرة موجّهة لنظام طهران، تؤكد أن القاهرة غير راضية عن السياسات التي تتبناها إيران، بعد أن تمادت في تدخلاتها سواء في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، على غرار ما حدث مؤخرا في الكويت التي أثبتت ضلوع إيران في دعم خلية العبدلي أو في الكثير من الأزمات الإقليمية، وآخرها الأزمة الحالية بين قطر ودول المقاطعة العربية الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين)، والتي تسعى طهران إلى استثمارها لاستقطاب الدوحة إلى محورها ورفع مستوى تفاهماتها السياسية والأمنية معها وهو ما تتجاوب معه الدوحة.

لا يستبعد البعض في القاهرة أن يكون اهتمام الاتجاه المناهض لسياسة إيران بزيارة الشهبانو مرتبطا بالمحاولات الإيرانية الرامية لتحسين العلاقات مع مصر، على غرار التصريحات الأخيرة التي أدلى بها المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي في 16 يوليو الماضي، مشيرا فيها إلى إمكانية تعزيز العلاقات مع مصر، وقبلها إعراب رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) علي لاريجاني عن تطلع إيران إلى تطبيع العلاقات مع مصر، معتبرا أن الظروف التي تسببت في قطعها تغيرت، في إشارة إلى معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية التي وقعت بعد شهر واحد من اندلاع الثورة في إيران في فبراير 1979.

لذلك أرادت القاهرة فرملة هذه النوعية من التوجهات، وعدم التمادي فيها، فالحسابات التي تنطلق منها القاهرة تتصادم مع الكثير من التقديرات التي تتبناها طهران في المنطقة، والحذر الذي كان سائدا يمكن التخلي عنه وتبنّي رؤى لن ترضي طهران.

الحاصل أن التراشق الإعلامي المصري حول إيران يرتبط إلى حد كبير بمستوى العلاقات بين مصر والسعودية، فغالبا تظهر كتابات ودعوات إلى تحسين العلاقات مع طهران خلال الفترات التي تشهد تباعدا في مواقف الدولتين إزاء بعض الملفات، والعكس صحيح، بمعنى أن ارتفاع مستوى التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض ينعكس سلبا على الموقف المصري من إيران، دون أن يصعد إلى درجة الخصام المفتوح، فلا تزال القاهرة على وعي بأن مصالحها القوية مع السعودية يجب ألا تكون كابحا لعلاقات مع أي دولة أخرى، بما فيها إيران.

لكن هناك تقديرات مصرية تفضّل عدم الدخول في مناطق شائكة يمكن أن تتسبب في متاعب في غير أوانها، من هنا يمكن فهم الجانب الغاطس في العلاقات مع إيران، والتي سوف تظل تراوح مكانها طالما استمرت التعقيدات الراهنة في الكثير من الملفات الإقليمية.

زيارة الشهبانو للقاهرة تساهم، ضمن متغيرات أخرى، في إعادة الجدل حول مصير العلاقات مع طهران، في ظل التطورات الإقليمية المتشابكة

كما أن ثمة رؤية تقول إن الحذر المصري مع إيران قد يتم توظيفه لاحقا، في سياق الأزمة القطرية، من زاوية محاولة جذب طهران (عبر إغراءات معيّنة) بعيدا عن الدوحة، الأمر يجعل من المواقف الرسمية المصرية تواصل حذرها، وتكتفي بتوجيه الرسائل المطلوبة من خلال الإعلام، مثلما حصل في اهتمامه بزيارة فرح ديبا.

وهناك من يرى أن تجنب الصدام المباشر مع طهران قد يكون إحدى الآليات التي يمكن أن تستند إليها القاهرة لإعادة تفعيل دورها الإقليمي والتعامل مع التداعيات الوخيمة للأزمات الإقليمية المحيطة بها، انطلاقا من فكرة أن “إيران كما هي جزء من المشكلة يمكن أن تصبح جزءا من الحل”.

الشهبانو ممتنة للمصريين

الاحتفاء أيضا بزيارة فرح ديبا، التي قالت في حوارها مع الإعلامية لميس الحديدي، “أنا وعائلتي والكثير من الإيرانيين ممتنين للرئيس الراحل السادات والشعب المصري”، يمكن تفسيره على أنه رد على عدم تعامل الإعلام الرسمي الإيراني بسياسة واحدة مع ما يحدث في مصر، فهناك توصيفات مختلفة للتطورات السياسية التي شهدتها البلاد في الأعوام الأربعة الأخيرة، بداية من ثورة 30 يونيو 2013 وأظهرت تباينا في المواقف الرسمية بين القاهرة وطهران التي وجّهت انتقادات للخطوات التي اتخذت في التعامل مع مرحلة ما بعد الإطاحة بحكم الإخوان.

كما أن الإعلام الإيراني يركز على قضايا تحظى بحساسية خاصة لدى القاهرة، ويتعمد التركيز فيها على الجدل الذي تشهده مصر ويمنح مساحات أكبر للاتجاه المعارض، إلى جانب الأزمة الحالية مع قطر، والتي يتبنى فيها الموقف القطري لمواكبة الدعم الرسمي من جانب طهران للدوحة.

من هنا، يمكن القول إن زيارة الشهبانو للقاهرة تساهم، ضمن متغيرات أخرى، في إعادة الجدل حول مصير العلاقات مع طهران، في ظل التطورات الإقليمية المتشابكة، فهل تحدد القاهرة بشكل أكثر وضوحا ما تريده من إيران؟

رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية

4