اهتمام الإذاعات الغربية بالانتشار عربيا لا يخلو من أغراض سياسية

أثار انطلاق النسخة العربية من إذاعة “إنرجي” الفرنسية جدلا حول أهمية تعريب الإذاعات الغربية والجدوى السياسية والثقافية منها، ومدى نجاح تلك الوسائل في التأثير على الرأي العام العربي من عدمه وقياس ثقة الجمهور العربي في تلك الإذاعات.
الاثنين 2017/04/10
الدخول إلى المنطقة العربية من بوابة الشباب

القاهرة - دفع الإقبال المتزايد على المحطات الإذاعية في بعض الدول العربية إلى إطلاق نسخة عربية من إذاعة “إنرجي” الدولية بالقاهرة قبل أيام. وسيتزامن هذا الحدث أيضا مع إطلاق نسخة أخرى باللغة الفرنسة في المغرب وأخرى في لبنان باللغة الإنكليزية قريبا، ما يفتح مجالا لتوسع انتشار الإذاعات الأوروبية في أكثر من 20 دولة على مستوى العالم.

وتركز الإذاعة الجديدة في رسالتها الإعلامية على مخاطبة الشباب بمختلف مستوياتهم الاجتماعية من خلال فريق شاب، الأمر الذي ينعكس على نوعية البرامج المقدمة وتركيزها على الموسيقى باعتبارها من أهم عوامل جذب الشباب إليها.

وقالت عايدة سعودي، مديرة إذاعة إنرجي بالقاهرة لـ”العرب”، إن المحطة ليست إذاعة مترجمة لإحدى المحطات الأوروبية، لكنها تقدم محتوى عربيا خاصا بها، مع الاستعانة بمواد إذاعية خام تقدمها الإذاعة الفرنسية، وهو ما نراهن على نجاحه خلال الفترة المقبلة.

وأضافت أن الموسيقى تطغى على التوجه العام لكن ذلك سيكون عبر وسائل جذب غير تقليدية، فالإذاعة الجديدة تمتلك مسرحا لتقديم حفلات مباشرة للجمهور وتحمل الطابع الشبابي الذي يتماشى مع التوجه العام، لذلك تم التعاقد مع فرق “الأندر غراوند” لتقديمها إلى جانب برامج ترفيهية أخرى يصل عددها إلى 22 برنامجا.

وتقدم الإذاعة محتوى إعلاميا مختلفا عن نظيره في إذاعات أخرى إلا أنه سيكون مطابقا لها في التوجه العام نحو الشباب، ما يتضح من خلال الهدف الرئيسي لها والذي أعلن عنه رجل الأعمال وليد مصطفى، وهو أن المحطة لا تستهدف المنافسة في السوق الإعلامية المصرية وتقوم على تقديم الترفيه والمتعة للشباب بطريقة لائقة.

وكانت الانطلاقة الأولى للإذاعة الأوروبية من فرنسا في عام 1981، وتحولت إلى المحطة الإذاعية الأولى بفضل ما حققته من نجاحات كبيرة، وهو ما دفع ملاك الإذاعة ليطلقوا عدة نسخ إذاعية منها حول العالم شملت ألمانيا، بلجيكا، كندا، النمسا، بلغاريا، روسيا، والدنمارك، بالإضافة إلى عدد من دول أميركا الجنوبية وآسيا ومؤخرا طرقت باب المنطقة العربية.

عايدة سعودي: إنرجي ليست إذاعة مترجمة بل تقدم محتوى عربيا خاصا بها

وتحاول الإذاعة الجديدة السير بالتوازي مع أنشطة الإذاعة الأم في فرنسا التي تقدم عددا من الأنشطة الفنية منها تقديم خدمات ترفيهية لضيوفها ومطربيها، وتنظيم فعاليات غنائية وترفيهية، وإقامة حفل سنوي بمدينة كان الفرنسية لتوزيع جوائز العام على أصحاب النجاحات الغنائية المختلفة.

ولا يحمل تعاطي الإذاعة مع فئة الشباب والاهتمام بها عن طريق الموسيقى جديدا بالنسبة إلى غيرها من الإذاعات المصرية والعربية التي تضاعفت بشكل كبير خلال الأعوام الماضية، لكن دخول اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري “ماسبيرو” على الخط كشريك في إذاعة خاصة أوروبية بدا جديدا ومثار جدل لدى العديد من خبراء الإعلام في مصر.

وأرجع البعض من خبراء الإعلام الخطوة إلى عدم تعارض المحتوى مع السياسة التحريرية للتوجهات المصرية، ولا توجد برامج نوعية مترجمة لمخاطبة عقول الشعوب العربية كغيرها من الإذاعات الغربية.

وقال ياسر عبدالعزيز الخبير الإعلامي لـ”العرب”، إن انتشار إذاعة غربية بعينها باللغة العربية يعكس الأهمية الاستراتيجية للدول العربية، لافتا إلى أن بعض الدول الغربية تعتمد خطة اتصالية ثابتة حيال دول العالم الثالث عموما.

وأوضح أن هذه النوعية من الأنشطة تستهدف التأثير في صياغة المنطقة، وكان الماضي شاهدا على تزايد الاهتمام بالإذاعات الغربية المترجمة إلى العربية ما بين الحربين الأولى والثانية وعقب استقلال البلدان العربية، وشهدنا اهتماما متزايدا بالقنوات التلفزيونية الغربية المعرّبة منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي ثم بالمواقع الإلكترونية مع بداية الألفية الجديدة.

وقلّل عبدالعزيز من إمكانية تأثير الإذاعة الجديدة في الرأي العام المصري بقوة، مشددا على أن العودة إلى الاستثمار في المجال الإذاعي لا يقابلها طلب حقيقي من قبل الجمهور رغم زيادة الإقبال، حيث تحاول التجربة الوليدة الاستثمار في فرص محدودة لا تقارن بالاستثمار في المنصات الإلكترونية التي تصل إلى عدد كبير من الجمهور.

وتسعى المحطة الجديدة إلى إعادة تكرار نجاحات حققتها إذاعات غربية في نسخها العربية مثل “بي بي سي” و”مونت كارلو” و”إذاعة لندن” و”صوت أميركا” و”راديو سوا” الذي حقق نسبة مشاهدة مرتفعة في العالم العربي مؤخرا، بعد أن استطاع الوصول بخدمته إلى أكثر من 12 مليون مستمع عربي ويحاول لعب دور في تحسين صورة الولايات المتحدة منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وبحسب مؤرخين، فإن تصاعد الاهتمام العربي بالإذاعات الغربية كان حاضرا في عصر ما بعد الاستعمار الغربي في ستينات القرن الماضي، وكانت السمة الرئيسية في تلك الفترة عدم الاستقرار السياسي لينتقل الصراع بين القوى المتناحرة آنذاك إلى الإذاعات المحلية كبرهان على فرض الهيمنة السياسية في البلاد.

وأخذت الشعوب العربية تلتفت إلى الإذاعات الأجنبية الناطقة بالعربية للتعرف على وجهات نظر مختلفة بشأن الأحداث الجارية، كما أن الحروب التي خاضتها دول في المنطقة وتزايد الاهتمام السياسي لدى المواطنين كانا دافعين أكبر نحو تصاعد دور الإذاعات الغربية التي تتمتع بمصداقية لدى قطاعات واسعة من المستمعين العرب.

وأكد شريف اللبان، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن نجاح التجارب الغربية في إيصال رسائلها الإعلامية إلى العالم العربي يرجع إلى أسباب تعليمية وثقافية وسياسية قديمة، فتنوع نظم التعليم وارتباطه بالغرب يخلقان أجيالا مرتبطة بشكل أكبر بكل ما يأتي من هناك، بالإضافة إلى اتساع نطاق الترويج الثقافي الذي تمارسه دول عدة تحت مسمّى العولمة.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن العديد من مواطني دول شمال أفريقيا ينجذبون نحو الثقافة الغربية، ولا تزال هناك روابط بين الأجيال الصاعدة والإعلام الغربي تتغذى غالبا من تنامي الشعور بالاغتراب الوطني لدى القطاعات الشبابية.

18