اهتمام عربي خجول بالبحث العلمي يضع ابتكارات الشباب طي النسيان

الجوائز الدولية لأبحاث الشباب لم تدفع الشركات الصناعية العربية لتبنيها لرغبتها بمشاريع جاهزة تجاوزت مراحل التجربة والتطوير.
الأحد 2018/07/29
اهتمام لا يلقى رعاية

القاهرة - شهدت المنطقة العربية مؤخرا اهتماما متزايدا من الشباب بالبحث العلمي والسعي نحو الحصول على براءات اختراع، وهناك العديد من النماذج قد استطاعت أن تحصد ابتكاراتها جوائز عالمية، وحضرت بقوة في عدد كبير من المسابقات. غير أن بعض الإنجازات تتوقف عند حدود التفوق من دون ترجمتها إلى مشاريع صناعية وخدمية.

وتقول المنظمة العالمية للملكية الفكرية، إن طلبات تسجيل براءات الاختراع خلال العام 2017 بمختلف الدول العربية، بلغت 7976 اختراعا، لكن 2057 فقط من هذه الطلبات لمخترعين ومبتكرين مقيمين في العالم العربي، والبقية طلبات من الخارج، ما يبرهن على عدم وجود ثقة من قبل أصحاب هذه الاختراعات في أن تترجم أبحاثهم إلى مشاريع داخل المجتمعات التي ينتمون إليها.

وتحدث طلال سليمان الرحبي نائب الأمين العام للمجلس الأعلى للتخطيط في عمان عن التحديات التي تواجه البحث العلمي في المنطقة، وقال إن “البحث العلمي نخبوي، لذلك هناك ضرورة للتركيز على المواهب والمبادرات في هذا المجال”.

ماجدة نصر: البنية التحتية الصناعية في مصر غير مستعدة لمواكبة الاختراعات التكنولوجية الحديثة للشباب
ماجدة نصر: البنية التحتية الصناعية في مصر غير مستعدة لمواكبة الاختراعات التكنولوجية الحديثة للشباب

وأشار إلى تواضُع مساهمة الدول العربية في البحث العلمي التي لا تصل مجتمعة إلى نسبة 1 بالمئة من الإنفاق العالمي.

ودعا خلال إطلاق التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية “الابتكار أو الاندثار، البحث العلمي العربي: واقعه وتحدّياته وآفاقه”، في بيت الأمم المتحدة ببيروت، إلى تجمّع عربي لمواجهة التحدّيات الكبرى مثل الغذاء والبيئة والبطالة واستدامة الموارد الطبيعية.

من جهته أكد لحسن الداودي الوزير المغربي المكلف بالشؤون العامة والحكامة، على “دور الابتكار في إيجاد فرص عمل مُجدية للشباب العربي، وفي وضع الشباب في محيطهم العالمي ومواكبة ما يجري من حولهم”.

ولكن المشكلة في التصريحات الحكومية الرسمية في أنها تبقى أسيرة المؤتمرات والمنتديات ولا تجد طريقها إلى التنفيذ والمتابعة على أرض الواقع.

قدرات لم تجد فرصة

يجد الكثير من الشباب الذين تتوافر لديهم طاقات علمية وتنفيذية عثرات عدة أمام الدخول في عجلة الإنتاج المحلية داخل بلدانهم، ما يؤدي إلى توقف حدود الابتكارات عند باب التجارب العلمية، والاكتفاء بالحصول على جوائز دولية باعتبارها هدفا لدى غالبية الجمعيات العلمية التي تدعم الموهوبين، أو اللجوء إلى الخارج بحيث تتوافر مقاومات دعم البحث العلمي بآليات سليمة.

تعد حالة فريق كلية الهندسة بجامعة عين شمس في القاهرة، والذي حصل، مؤخرا، على المركز الأول بمسابقة “Formula Student UK” العالمية لتصميم وتصنيع سيارات السباق، أبرز مثال على حالة الشباب العربي المبتكر، لأن قدرات الفريق البحثي على تصنيع سيارات السباق لن تجد فرصة حقيقية داخل بلده، بسبب عدم توافر البنية التحتية التكنولوجية التي تدعم صناعة السيارات، وضخامة التكلفة الإنتاجية لتلك الصناعة.

وحصل الفريق الذي يضم 10 أعضاء من هيئة التدريس، و50 طالبا وطالبة في كلية الهندسة، على جائزة الفئة الأولى من سيارات السباق الأقل تكلفة والأكثر جودة بين سيارات مشاركة من 81 جامعة على مستوى العالم، واستطاع التفوق على جامعات لها خبرات طويلة في البحث العلمي بينهم، كامبريدج، وأكسفورد، وتكساس، وكوين ماري، ليفربول.

ومع أن الفريق المصري يعمل على مشاريع متنوعة لتصنيع السيارات منذ عام 2011، إلا أن حدود ابتكاراته لم تتجاوز إطار العمل الجامعي البحثي والمسابقات العلمية وحقق فيها مراكز متنوعة قبل الحصول على الجائزة الأخيرة.

أحمد أسامة: غياب الدمج بين القطاعات العلمية والبحثية بالقطاعات الصناعية، يفرز اختراعات يصعب توظيفها داخليا
أحمد أسامة: غياب الدمج بين القطاعات العلمية والبحثية بالقطاعات الصناعية، يفرز اختراعات يصعب توظيفها داخليا

وقال محمد عبدالشكور، أحد أعضاء الفريق البالغ من العمر 26 عاما، أن “فكرة السيارة تقوم على تصنيعها بمقعد واحد وبأقل تكلفة وبمراعاة المواصفات العالمية الحديثة في سباقات السيارات، وعمل طلاب الكلية خلال عام قبل دخولهم المسابقة على تجميع قطع الغيار من الخارج، والبحث عن ورش متخصصة في صناعة السيارات للوصول إلى المنتج النهائي”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن الإمكانيات المادية، والتي تكفل بها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وإدارة الجامعة وصلت إلى 500 ألف جنيه مصري (27 ألف دولار)، بالإضافة إلى إيجاد أماكن للتصنيع متخصصة، والصعوبات في استيراد قطع التصينع، وكان ذلك أبرز ما يواجه عمل الطلاب، قبل المشاركة في المسابقة.

ولفت إلى أن الابتكار الفائز مؤخرا، أضحى بحاجة إلى رعاية وتمويل لتحويله إلى منتج عالمي مشارك في سباقات السيارات العالمية، وهذا الأمر لم يتمّ حسمه حتى الآن في ظل حقوق الرعاية المقدمة إلى الفريق من جهات دولية عدة، غير أن الفريق البحثي ينتظر عرضا محليا لتصنيع السيارة حال تواجدها.

وما تعانيه مصر في مجال الاهتمام باختراعات الشباب ينطبق على العديد من البلدان العربية التي لا تتوافر لديها الثقة الكاملة في المنتج المحلي، وتركن تحديدا في الصناعات التكنولوجية الحديثة على المنتج الخارجي، ما يؤثر على خيارات الشبان المخترعين الذين تتلقفهم شركات صناعية كبرى في العالم للاستفادة من ابتكاراتهم.

وفقا لتقرير “التدفقات العالمية للمواهب” الصادر عن البنك الدولي في أكتوبر 2016، تستأثر الدول الصناعية الكبرى بقرابة 28 مليون مهاجر من أصحاب المهارات العالية، وتقيم 70 بالمئة من هذه الكفاءات في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والمملكة المتحدة، بفضل برامج جذب المواهب التي تعتمدها هذه الدول والقائمة على التسهيلات القانونية في الإقامة ومنح الدراسات العليا والتدريب وتسهيل الانخراط في سوق العمل.

وأكدت هبة عبدالرحمن، نقيب المخترعين المصريين، أن مشكلات تطبيق اختراع الشباب تواجه أزمات عديدة في الدول العربية بصفة عامة، لعدم وجود بيئة استثمارية علمية سليمة تشجع الشباب على توجيه دفة اهتمام القطاع الخاص والقطاعات الحكومية نحو الاهتمام باختراعاتهم وتبنيها، علاوة على انتشار سماسرة تسويق الاختراعات في بعض الدول العربية.

وأضافت في تصريحات لـ”العرب”، أن تعامل الشركات الصناعية الكبرى في العالم مع اختراعات الشباب العربي وسعيها للحصول عليها عبر أذرعها التي تنتشر في مختلف البلدان، غالبا ما تحسم في النهاية مصير الاختراعات، كما أن الشباب العربي لا تتوفر لديه الثقة الكاملة في المستثمر المحلي الخاص أو الحكومي الذي من شأنه أن يدعم تحويل الأبحاث العلمية إلى منتجات بصورة سليمة.

ميزانيات ضعيفة

غياب الحوافز العلمية للطلاب المشاركين في الابتكار
غياب الحوافز العلمية للطلاب المشاركين في الابتكار

وأشارت إلى أن غالبية الاختراعات التي توصل إليها الشباب العربي تنفذ على أرض الواقع بطريقة مختلفة، عما كانت عليه في البداية، الأمر الذي يتطلب المزيد من الأبحاث والدراسات والتجارب التي تكون بحاجة إلى مبالغ مالية طائلة لا تتوفر لدى دول عربية كثيرة، والتي لا يخصص معظمها ميزانيات تستطيع أن تتحمل إجراءات تحوّل الاختراع إلى منتج.

بدأت بعض الدول العربية تولي اهتماما بميزانيات البحث العلمي، لكن دولة مثل مصر تخصص فقط نسبة 1 بالمئة من إجمالي ناتجها القومي للإنفاق على البحث العلمي، البالغ حوالي 21 مليار دولار، والمبلغ الضئيل لا يخصص فقط للأبحاث وإنما يذهب الجزء الأكبر منه كرواتب وبدلات وحوافز للموظفين.

وأرخت التصورات القاصرة بظلالها على مؤشر البحث العلمي الذي تراجع مركزين في العام الماضي دوليّا، لتأتي مصر في المركز رقم 129 من بين 148 دولة في قائمة الجودة العلمية، كما جاءت في المركز 128 من أصل 140 دولة في مؤشر كفاءة مؤسسات البحث العلمي.

ويتعرض العديد من الشباب إلى مشكلات متزايدة عقب الوصول إلى الاختراع، لأن الشركات الصناعية التي تتقدم بطلبات لتنفيذ الاختراع تشترط أن يكون الاختراع في هيئته الأخيرة قبل التطبيق، وتطلب من المخترع أن يستكمل أبحاثه على نفقة الجمعية أو الهيئة التي ترعى مشروعه، وهو ما يعني رفضه، ففي نظرها إن تطوير الاختراع وتوظيفه لخدمة المنتج يكون من اختصاص هذه الشركات.

وقال أحد الباحثين المصريين -رفض ذكر اسمه خشية المساءلة القانونية- لـ”العرب”، إن المشكلات الروتينية التي تعوق تحول الاختراعات إلى مشاريع إنتاجية لا تتوقف عند هذا الحد، بل إن إجراءات الحصول على براءة الاختراع في حد ذاتها تأخذ وقتا طويلا وتصل في بعض الأحيان إلى عامين أو أكثر، ما يضطر الكثيرين للتسجيل في الأكاديميات الدولية، التي تساعد على توفير فرص دعم لتحويل الاختراعات إلى مشاريع إنتاجية.

وأشارت نقابة المخترعين في مصر إلى أن هناك 40 جائزة حصل عليها الشباب والطلاب خلال العام الماضي، وأن هذه الاختراعات لم تتحول إلى مشاريع إنتاجية تستفيد منها الدولة، ومصيرها أدراج المراكز البحثية أو استثمارها خارجيا من قبل بعض الشركات، فضلا عن رعاية رجال أعمال محليين لجزء بسيط منها.

وتحصل بعض المشاريع الشبابية ذات التكنولوجيا التطبيقية البسيطة على دعم الشركات والمؤسسات، الأمر الذي يرعاه داخل مصر كل من الهيئة العربية للتصنيع (حكومية)، وبعض رجال الأعمال، وهو أمر يتكرر في بلدان عربية عدة، لكنه في النهاية لا يحقق تطورا على المستوى الصناعي.

تعد حالة الطالب أحمد أسامة، الذي ابتكر جهازا لعلاج دوالي الساقين، حصل من خلاله على الميدالية الذهبية في مجال الهندسة الطبية بعدد من المسابقات العلمية الدولية في كل من كوريا الجنوبية وروسيا وكندا، وهو ما دفع رجل الأعمال المصري أحمد أبوهشيمة إلى تبني مشروعه.

وأوضح الطالب المصري البالغ من العمر 14 عاما، لـ”العرب”، أن مشروعه عبارة عن جهاز طبي صغير يستخدم في حقن المريض بمادة الكولاجين بهدف تقريب الصمامات من بعضها البعض عند نقطة معينة في جدار الوريد، ما ساهم في إيجاد علاج بسيط وسهل التكاليف لمرضى دوالي السيقان، لافتا إلى أن سهولة تطبيق المشروع كانت أحد الأسباب التي سهلت رعايته في الداخل.

حلقة مفقودة

هبة عبدالرحمن: الشباب العربي لا تتوفر لديه الثقة الكاملة في المستثمر المحلي الخاص أو الحكومي
هبة عبدالرحمن: الشباب العربي لا تتوفر لديه الثقة الكاملة في المستثمر المحلي الخاص أو الحكومي

وتلفت حالة الشاب أسامة، النظر إلى مشكلة تعاني منها غالبية البلدان العربية وترتبط بعدم وجود توجيه حكومي للابتكارات العلمية بطبيعة السوق الإنتاجية، وغياب الدمج بين القطاعات العلمية والبحثية بالقطاعات الصناعية، الأمر الذي قد يفرز جملة من الاختراعات التي يصعب توظيفها داخليا، وهو ما يعد من العوائق التي تقف أمام العديد من المخترعين الشباب.

ويؤكد بعض الباحثين أن هناك حلقة مفقودة بين الشركات الصناعية وشباب المخترعين، ما يؤدي إلى إلقاء مهمة تسويق الاختراع على عاتق الشباب، الذين يعرضون خدماتهم على الشركات المتخصصة في المجالات القريبة من تخصص ابتكاراتهم لرعايتها، من دون أن يكون هناك دمج مسبق بين أصحاب الاختراعات وأصحاب الشركات، بحيث يمكن توظيفها والاستفادة منها.

ولعل ذلك ما انتبهت له مصر، بعد أن أنشأت قبل نهاية العام الماضي صندوقا لرعاية المبتكرين والنوابغ من الشباب، تكون مهمته تمويل المشاريع المبتكرة وتحقيق أقصى استفادة منها وربطها بسوق العمل والشركات الحكومية والخاصة، والمشكلة التي تواجه هذا الصندوق ترتبط بالتمويل الذي يقع على عاتق أكاديمية البحث العلمي ومنظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال.

وكشفت ماجدة نصر، عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بالبرلمان المصري، لـ”العرب”، أن الصندوق تقوم فكرته على الربط بين مراكز الأبحاث والجامعات العلمية بالشركات الاستثمارية، بحيث تقوم إدارة الصندوق بعرض الأبحاث العلمية على الشركات المنتجة والتي تحدد مدى حاجتها للمشروع من عدمه.

واعترفت نصر أن الصندوق لا يستطيع بمفرده حل مشكلات الشبان المخترعين، في ظل عدم وجود حوافز وقوانين استثمارية للشركات الخاصة تدفعها إلى رعاية الابتكارات، ومع وجود ميزانية ضئيلة للبحث العلمي في مصر، وهو ما يشجع الشباب على السفر إلى الخارج، مع غياب الحوافز العلمية للطلاب المشاركين في هذه الابتكارات التي لا تقدم لهم حوافز حقيقية لاستكمال مشاريعهم. وأشارت إلى أن البنية التحتية الصناعية في مصر غير مستعدة لمواكبة الاختراعات التكنولوجية الحديثة للشباب.

19