اهتمام منقوص بالأطفال العباقرة في تونس

تحفيز الأطفال الموهوبين لا يجب أن يقتصر على الجوانب الأكاديمية، بل يجب اعتماد سياسات مناسبة وتنفيذ مبادرات ومشاريع ملائمة وتوفير بيئات محفزة لهم ليبدعوا أكثر فأكثر.
الاثنين 2019/11/18
جميع الأطفال في حاجة إلى الإنصاف

قررت وزارة التربية التونسية أن يتم التبكير في تسجيل الأطفال ذوي الكفاءات العالية كإجراء استباقي تُرصد من خلاله درجة ذكائهم وتميزهم، لكن دون أن تصمم البرامج التعليمية والتطويرية اللازمة لرعاية هذه الفئة، ودون أن تفصح عن الإطار الذي سيتولى تدريسها أو عن المراحل التي ستلي هذه التجربة

برهان، تلميذ السنة الرابعة من التعليم الأساسي كان متميزا بشهادة معلميه. هو دائما ما ينقذهم في اللحظات الحاسمة، خاصة إذا جاء متفقد المادة ليرى سير نظام الدرس. فهو الأقدر من بين زملائه على حل أعوص المسائل الحسابية المخصصة لمستواه الدراسي، كما أنه متميز في التعبير الكتابي والرسم. لكن لم يعد برهان كذلك، فولعه بمادة الرياضيات قد تقلص، وشغفه بالدراسة أصبح ينقص يوما بعد يوم، والأغرب من ذلك أنه أصبح لا مبال، ويثير الشغب في الفصل.

حيّرت حالة برهان مدرسيه، وأفراد أسرته، وقرروا عرضه على الأخصائي النفسي بالمدرسة، فاكتشفوا أن سلوكه ما هو إلا ردة فعل طبيعية لإحساسه بالضياع من أنه لا يشبه أترابه، ولشعوره بأنه أقدر منهم على الفهم والتعبير. وقد أكد لهم الأخصائي النفسي أن هذا السلوك عادة ما يأتيه التلاميذ ذوو الكفاءات العالية إذا أحسوا أنهم في بيئة غير بيئتهم.

ولمعالجة الحالات المشابهة لحالة برهان قررت وزارة التربية التونسية تمكين الأطفال ذوي القدرات العالية من التسجيل المبكر بالسنة الأولى من التعليم الأساسي وفق منشور أصدره وزير التربية حاتم بن سالم يوم 29 أكتوبر الماضي، وذلك اعتمادا على الفصل الأول من القانون عدد 80 لسنة 2002 المتعلق بالقانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي الذي ينص على إجبارية التعليم من سن السادسة دون أن ينصص على سن معينة للالتحاق بالدراسة.

وسيتم تمكين الأطفال ذوي القدرات العالية من إمكانية التسجيل المبكر في صورة تقديم مطلب كتابي يرفق وجوبا بتقرير من مصالح الطب النفسي للأطفال والمراهقين ينص على درجة ذكاء الطفل، ووفق شروط أهمها أن يخضع لاختبار تقييمي من قبل مجلس قسم المدرسة التي يرغب في الالتحاق بها.

لا ينبغي أن تنحصر رعاية الأطفال ذوي الكفاءات العالية في ترفيعهم إلى السنة الأولى من التعليم الأساسي فقط، بل ينبغي أن يشمل ذلك جميع المراحل التعليمية

هذه الخطوة التي اتخذتها وزارة الإشراف ورفضت الإفصاح عن تفاصيلها وابتهج بها عدد من الآباء بالرغم من تأخرها، اعتبرها بعض المختصين في الشأن التربوي منقوصة مقارنة بما تطبقه بعض الدول في العالم وخاصة الولايات المتحدة الأميركية .

ويرى عماد بن عبدالله السديري، الخبير الدولي في التربية، أنه بمقارنة القرار الذي اتخذته وزارة التربية التونسية بما تطبقه بعض دول العالم، مثل أميركا، يتبيّن أن تسريع تسجيل الأطفال في بعض المستويات الدراسية لا يقتصر على تمكينهم من التسجيل المبكر بالسنة الأولى من التعليم الأساسي فقط، بل بإمكان أن يستفيد التلاميذ من التسريع في أكثر من مرحلة تعليمية، بما في ذلك الالتحاق المبكر بالجامعة، إذا ثبت علميا أنهم مؤهلون لذلك.

 إضافة إلى ذلك، تمتلك معظم الدول المتقدمة أطرا قانونية وتقييمية تحدد الشروط الإجرائية والأكاديمية والذهنية والنفسية والجسدية اللازم اتباعها أو توفرها في الأطفال، حتى يتم ترفيعهم من مستوى تعليمي إلى آخر بشكل مبكّر.

وقال السديري في تصريح لـ”العرب”، “من المهم أن ندرك أن تطبيق سياستي التسريع والترفيع المبكرين يندرجان في سياق وعي حقوقي عالمي متزايد بضرورة إنصاف جميع الأطفال واحترام خصوصياتهم وحاجاتهم”، مشيرا إلى أن معظم دول العالم، وخاصة الدول المتقدمة، سعت إلى رعاية الأطفال ذوي القدرات العالية والمواهب الخارقة من خلال اعتماد سياسات مناسبة وتنفيذ مبادرات ومشاريع ملائمة وتوفير بيئات محفزة لهم ليبدعوا أكثر فأكثر.

وأضاف، وعليه، فإن أرادت تونس بالفعل أن تلتزم بتنفيذ بعض الصكوك الدولية وأن ترعى الأطفال التونسيين بالجدية اللازمة، فلا ينبغي أن يقتصر ذلك على الجوانب الأكاديمية فحسب، إذ يوجد في مدارسنا اليوم عشرات الآلاف من الأطفال الموهوبين في الفن والموسيقى والخطابة والرياضيات والرياضة وغيرها من المجالات.

للأسرة دور مهم جدا في تنمية موهبة طفلها
ضرورة وجود مرشد نفسي طلابي في كل مدرسة مهمته القرب من الطفل الموهوب

كما لا ينبغي أن تنحسر هذه الرعاية في ترفيعهم إلى السنة الأولى من التعليم الأساسي فقط، بل ينبغي أن يشمل ذلك جميع المراحل التعليمية، بما في ذلك الانتقال المبكر من التعليم الثانوي إلى الجامعي إن توفرت الشروط اللازمة.

وأردف، “ولعل تحقيق ذلك على أرض الواقع يستوجب بناء منظومة وطنية وجهوية متكاملة للعناية بهذه الفئات”.

 وأكد السديري ضرورة أن تسعى وزارة التربية إلى إيجاد آليات عمل دقيقة لاكتشاف هذه الفئات ورعايتها في جميع المراحل الدراسية، وتوفير البنى التحتية والموارد البشرية والتعليمية الملائمة لاحتضانها ورعايتها بشكل آمن ومستمر.

ويتفق الباحثون على أن الموهوب “هو من يتقن سلوكا في المجالات العقلية والمعرفية يفوق كثيرا أقرانه الآخرين مما يستدعي تدخلا تربويا لإثراء هذه القدرات وتنميتها والوصول بها في النهاية إلى تحقيق أقصى حد ممكن مما تسمح به طاقته وقدراته”، وذلك وفق دراسة بعنوان الطفل الموهوب والوسط الاجتماعي.

ويعرف فتحي عبدالرحمان جروان، صاحب كتاب “الموهبة والتفوق والإبداع”، الموهبة بأنها قدرة فطرية أو استعداد موروث في مجال واحد أو أكثر من مجالات الاستعدادات العقلية والإبداعية والاجتماعية والانفعالية والفنية، وهي أشبه بمادة خام تحتاج إلى صقل واكتشاف حتى تبلغ أقصى مدى لها.

كما يتفق الخبراء على أن الأسرة هي الداعم الأول للطفل الموهوب وهي أول من يتفطن لكفاءاته. وحتى أفلاطون اهتم في جمهوريتة بالأطفال الموهوبين، وكان يقوم باختيارهم حتى من الأسر المتدنية ويزودهم بالمعارف والاهتمام الخاص، لاعتقاده بأن الاستعدادات موجودة لكن البيئة هي التي إما أن تنميها وإما تطفئها.

ولأن البيئة إما أن تفجر هذه المواهب وتنميها إذا توفرت فيها السبل والإمكانات اللازمة، وإما أن تطفئها إذا كانت بيئة جاهلة فقيرة الإمكانات والخدمات، فإن الأسرة مطالبة بأن تعمل على ملاحظة الطفل بشكل منتظم، وأن تقوم بتقييمه بطريقة موضوعية وغير متحيزة حتى يُتمكن اكتشاف مواهبه الحقيقية والتعرف عليها في سن مبكرة والإلمام بما لديه من إمكانات.

ويؤكد عمر النميري، المختص في علم النفس والعلاقات الأسرية، أن الذكاء في الوقت الحالي وبعد التقدم العلمي أصبح ينظر إليه من جوانب متعددة؛ فهناك ذكاء اجتماعي وذكاء أكاديمي وحتى ذكاء عاطفي.

للأسرة دور مهم جدا في تنمية موهبة طفلها
للأسرة دور مهم جدا في تنمية موهبة طفلها

وقال النميري لـ”العرب”، إن الطفل الموهوب تبرز كفاءاته العالية في أكثر من جانب لذلك ليس على العائلة أن تبقى أسيرة النظرة القديمة التي ترهن الكفاءة في الجانب الأكاديمي فحسب. وأضاف، للأسرة دور مهم جدا في تنمية الموهبة التي تظهر لدى الطفل، وذلك بلعب دور الوسيط بينه وبين المدرسة والأخذ بعين الاعتبار ملاحظات المدرس، مشيرا إلى أن يكون التعامل وفقا لمفهوم الذكاء الحالي.

وأكد النميري أن الطفل الموهوب يمكن أن يشعر بالقلق ويتعرض إلى مشاكل نفسية إذا أحس أنه ليس في نفس وضعية الأطفال الموجودين معه، وبالتالي سيعيش حالة فراغ ستجعله يتصرف بلا مبالاة، ويمكن أن يتحول إلى طفل عنيد أو مشوش.

وشدد النميري على ضرورة أن يكون في كل مدرسة مرشد نفسي طلابي مهمته القرب من الطفل الموهوب وحل مشاكله الصحية أو النفسية خاصة، وأن خلايا الإنصات ضعيفة جدا في المدارس التونسية وقليلة العدد (فرد في كل محافظة)، مشيرا إلى نقص العناية بالأطفال الموهوبين.

ومن جهته أكد المختص في علم النفس أحمد الأبيض أن الآباء بوسعهم أن يستفيدوا من المدرسين تدريجيا مع نمو أبنائهم ليكتشفوا الجوانب التي يميل إليها أطفالهم، وبالتالي تأطيرها وتوظيفها نحو الأفضل بطريقة تجعل منهم عباقرة.

وأشار الأبيض إلى أن الكاتب الفلسطيني هشام شرابي قال في كتابه “مقدمات في دراسة المجتمع العربي”، إن كثيرا من الأهالي يلاحظون تميزا عند أبنائهم ولا يتحدثون عن ذلك، ولكن أبناءهم عندما يكبرون يكونون أشخاصا عاديين”. ليخلص إلى القول إن طريقة التربية تقتل طريقة التميز في أولادنا لأننا ننشئهم كما أردنا؛ أي كما عشنا. وتساءل، هل بالوسع أن نأتي بجديد دون الخروج عن المعتاد؟

وقال الأبيض لـ”العرب”، إن البيئة من شأنها تحفيز مواهب الطفل من ذلك أن البيت الذي به مكتبة وفيه الأب والأم يقرآن يرغب فيه الأطفال بالمطالعة، والبيت الذي به تليفزيون يدمن فيه الأطفال على المشاهدة، كما أن البيت الذي يحظر فيه الحوار والنقاش يساعد على تبني الآراء المختلفة ويصبح الطفل فيه قادرا على التحليل والتفكيك عكس من تعود على سماع قول واحد وثقافة واحدة.

21