اُكتبْ وكأن أحدهم يراقبك وينتظرك أن تخطئ

يشهد المغرب موجة هادرة من حضور إبداعي، تظهر وتتضح معالمه وتجلياته في حضور أسماء شابة انفلتت وتمردت على السكون وبدأت في إزاحة الأسماء المكرسة للمشهد الإبداعي في المغرب لتخلق موجتها في العديد من مجالات الإبداع والنقد. “العرب” التقت الشاعر والناقد الشاب عزالدين بوركة ليحدثنا عن تجربته ودور المثقف في الانفلات والتمرد والتجديد.
الثلاثاء 2016/11/22
النص سلطان نفسه

القاهرة- للشاعر المغربي عزالدين بوركة ديوانان شعريان الأول جاء بعنوان “حزين بسعادة” والمتحصل على المركز الأول في جائزة شيماء الصباغ لقصيدة النثر، ومجموعته الثانية جاءت بعنوان “ولاعة ديوجين”، لكن بوركة لا يزال مسكونا بسؤال “ما الشعر؟”. يقول ضيفنا “إن الشعر كما يقول جون كوكتو ضرورة لكن لا نعلم لأي شيء بالتحديد، لكنه ضروري، إذ أنه ارتبط بالإنسان منذ بداياته مع الطبيعة وخروجه من الكهوف المظلمة. الشعر لا يعني بالضرورة كلمات منمقة ومتراصة وجملا بلاغية، بل إنه نظرة إلى الوجود، والشاعر فاعل وجودي، بل إنه من ضامني الفعل الجمالي في هذا العالم الذي يشي بالسواد ويروح إلى خرابه بخطى ثابتة”.

الحساسية الجديدة

يؤكد عزالدين بوركة أن صفته كناقد تغلب أحيانا، فتتطاول على ما أنجزه في نصوصه الشعرية، إذ يعمد في الغالب إلى كتابة النص وتركه لأيام منسيا، ليعود إليه لكن هذه المرة ليس بصفته الشاعر الذي كتبه، بل بصفة قارئ أجنبي (محمل بخلفيات معينة يبحث عنها في النص)، فإما أن يتخلى عنه أو يعدله أو أن يجيزه كما هو وهذا نادر الحصول. ويردف بوركة أن عين الشاعر تختلف عن عين الناقد، ونادرا ما تلتقيان.

الناقد إما يبحث عن الجميل في نص ما أو القبيح أو هما معا، أما المبدع فهو يكتب دون أن يبحث عن أي منهما

يقول “حينما تكتب فأنت تكتب عن خلفية ما مسبقة في ذهنك، إلا أنها خلفية مفتوحة، وتحاول من خلالها أن تركب صورة معينة، لكن حينما تقرأ النص بعين ناقد، فأنت تقرؤه من خلفيات محكمة، ومضبوطة ومغلقة، يصعب أن تخرج عنها. فالناقد إما يبحث عن الجميل في نص ما أو القبيح أو هما معا. أما المبدع فهو يكتب دون أن يبحث عن أي منهما بل يكتب وكأنه يكتب الجمال فقط. لهذا قد تكون هناك أحيانا فجوات كبرى بين كتابة النص وقراءته، لكن حينما يكون الكاتب مشبعا بالاضطلاع يكون قد امتلك عينا ثالثة، عينا ناقدة وذاتية ورقيبة تمحص كل ما يكتبه”.

ويضيف الشاعر “على الكاتب عموما أن يكتب للقارئ، لقارئ واع، أن يكتب وكأن أحدهم يراقبه وينتظر منه أن يخطئ، عليه أن يكتب بيدين، يده ويد قرائه، كأنه داخل مضمار سباق للخيول، عليه أن ينتصر وهو يفكر أن أحدهم قد راهن عليه، لا أن يكتب من أجل جائزة ما، فالجوائز محفزة لا غير، إنها فعل خلاّق لاستمرارية التنافسية في الإبداع، لا بصفتها ضامنة له، ففعل القراءة هو الضامن الوحيد”.

وعن سؤالنا من المسؤول عن سجن القصيدة وغياب الشاعر النجم، يجيب ضيفنا بأن “من يري القصيدة مسجونة فهو مخطئ، قد تكون القصيدة مغيّبة بشكل تعسفي، لكنها حرة تحلق في سلام. القصيدة اليوم تنمو وتتطور وتكبر وتصير أقوى يوما بعد يوم. والقصيدة العربية ليست في منأى عن هذا التطور الحاصل، إنها تحفر مكانتها بمخالب من عاج، إن صح التعبير. شعراء بحساسية جيدة استطاعوا أن يؤثروا بقوة في المشهد الثقافي عبر نصوصهم الشعرية ويرجعوا للقصيدة جزءا من مكانتها التي تستحقها إلا أنها لا تزال مغيّبة، ويلعب الإعلام دورا بارزا في هذا الغياب”.

أما عن غياب الشاعر النجم، والشاعر رأس الحربة، فالأمر عادي جدا، فالأدب اليوم يعيش أقوى حالات وتمثلات الحداثة المبنية على النزعة الفردانية، ليس بمعنى الأنانية، أي أن لكل فرد وجوده الخاص داخل المجتمع ككل، فلكل شاعر مكانته الخاصة، فنحن لسنا في حاجة لشاعر نجم نتحلق حوله كأجرام مظلمة، أو كمريدين حول شيخ الزاوية، فالشاعر هو شيخ طريقته الخاصة، ومريد نفسه والثائر والمتمرد على زاويته”.

نتطرق مع ضيفنا إلى الحديث عن المثقف العربي ومدى اشتباكه مع الواقع والسلطة، يرى بوركه أنه علينا أولا تحديد معنى السلطة، ويستشهد برولان بارت الذي يقول إن “الخطاب سلطة”، وكذا الشاعرالحقيقي، يحمل خطابا يشغل نصه وعليه يكون النص ذاته سلطة. والقارئ هنا لديه سلطة على الكاتب، إذ أن هذا الأخير غالبا ما يجد نفسه خاضعا للقارئ.

قصائد مشغولة باليومي

أما أن يكون المثقف مع السلطة الثقافية والمجتمعية والدينية، فهذا غير معقول بالنسبة إلى ضيفنا، فالمثقف في رأيه هو ذلك القادر على خلخلة هذه السلطة وغيرها، وذلك القادر على أن يجعلها أمام انعكاس وجهها مرغمة على تعديد ملامحها البائسة. فالمثقف ليس بالضرورة ابن طبقته أو ينتصر لطبقة معينة، كما هو الحال للمثقف العضوي، أو سندخل في ما يمكن تسميته بـ”الفاشية الثقافية”، بل إن المثقف سلطة في ذاته ومتمرد عليها. إنه ينتصر للكل بعيدا عن الأيديولوجيا.

سلطان نفسه

يرى بوركة أن للمثقف مسؤولية واحدة، هي أن يقول واقعه ويطرح اقتراحات تغييره إلى الأفضل، وما عدا ذلك فهو مجرد اجتهادات، فأمر التغيير هو أمر سياسي بالضرورة. والمثقف هو سياسي بالسلب، سياسي خارج دائرة الفعل المباشر، لكنه عليه أن يعي بكونه يحمل سلطة لا تقل عن سلطة السياسي، إلا أنها سلطة الاقتراح الإجباري لا سلطة التنفيذ. يبدو أن ثمة دورا للشاعر في التحريض على الوعي تم تهميشه، هنا يستشهد بوركة بالمثل العربي “فاقد الشيء لا يعطيه”، فالشاعر لم يكن محرضا على الوعي أبدا ليفقد دورا لم يكن له. الشاعر صانع قوس قزح لا غير، إنه كنبي بلا نبوة. إنه فقط شاعر لا غير.

يبدو أن اللجوء إلى الفلسفة ثيمة رئيسية في إبداعات عزالدين بوركه، رغم أن أعماله مشغولة باليومي وما هو ذاتي، يقول “إن الرمز من أهم الوسائل التي يعمد إليها الشاعر لخلق صورة شعرية قوية، فالأعلام لها دلالات ورموز تلخص وتكثف، أحيانا، أفكارا يمكن استطرادها في جمل طويلة. للرمز قوته داخل المتن الشعري ولا تقل أهميته عن أساليب البلاغة. وما إدراج الكتاب والفلاسفة إلا خلق لتلك الرموز. أما عن الفلسفة اليونانية فإنها حاضرة في تجربتي الأخيرة في ديوان ‘ولاعة ديوجين’ كتجربة تمخضت عن طول قراءة لما تتمتع به هذه الفلسفة من مكانة في التاريخ البشري، فلا أظن أن شاعرا اليوم يمكنه أن يتحدث عن الشعر وكتابة الشعر دون الرجوع إلى الفلسفة، والذي يعني بالضرورة الرجوع إلى الفلسفة اليونانية”.

وعن تجييل الشعر يقول بوركة “إنني من أكبر المدافعين عن مصطلح ‘الحساسية الجديدة’، هذا المصطلح الذي جاء ليكسّر معنى الجيل. فما الذي يعنيه جيل السبعينات أو الثمانينات أو غير ذلك؟، لا شيء طبعا. فقد أكون شاعرا يعيش اليوم ويكتب قصيدة بنفس ‘ستيني’ أو ‘سبعيني’، فهل أنا شاعر أنتمي إلى جيل السبعينات إذن؟ إن التحقيب الزمني له بعد كرونولوجي لا غير لضبط شعراء كتبوا في فترة معينة. فمثلا هناك صوفيون كتبوا قصيدة حداثية تنتمي إلى زمننا هذا بمعاييره، فكيف سيمكن تصنيفهم؟ إن أمر التجييل لا يعني شيئا في النقد الحقيقي، فالنص سلطان نفسه”.

15