اِسأل عن واقع المرأة لتفهم واقع النخبة

ما علاقة رسائل النساء إلى رواد النهضة بظاهرة الإرهاب.
الأحد 2021/05/30
واقع المرأة واقع مجتمع كامل (لوحة للفنانة نوال السعدون)

مرت عقود من الزمن منذ محاولات رواد النهضة العربية النهوض بواقع المرأة وبث الفكر النير وتجاوز الركود والجهل والتخلف في مجتمعاتهم. هذه الجهود أتت بنتائج هامة وإن جزئيا، لكن حين نتأمل واقع المرأة والمجتمعات العربية اليوم والتي لا يزال ينخرها الجهل والتطرف نفهم أن منجز رواد النهضة لم يستمر بالشكل المطلوب ولم يتطور على أيدي اللاحقين وهذا ما يثبته كتابان جديدان للكاتب المصري محمد الحمامصي.

عن دار نشر أروقة صدر للشاعر والكاتب المصري محمد الحمامصي، كتابان؛ الأول بعنوان “الإرهاب والتطرف: قراءات في مقاربات مختلفة”، والثاني بعنوان “هموم نساء مصر بين يدي روّاد النهضة”. يشير عنوانا الكتابين، ظاهريّا، إلى اختلاف الموضوعات، وأنّ لا جامع بينهما سوى المؤلف. فالأوّل يتطرق إلى واحدة من أهم القضايا الإشكاليّة في عصرنا الرّاهن، فيقدّم مقاربات لكتابات تناولتْ قضايا التطرُّف والإرهاب من زوايا متعدّدة، اقتصادية ونفسيّة واجتماعيّة؛ بغية وضع الظاهرة موضع الدرس والفحص.

أما الكتاب الثاني، كما هو ظاهر من عنوانه، فيرصد المشاكل الاجتماعيّة والعاطفية التي ترددت في صيغة رسائل إلى مجلة الإثنين، في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي؛ وهو ما كشف عن علاقة تأثير وتأثُّر بين كتابات النُّخبة والجمهور. فالأسئلة كانت دليلا على أثر هذه الكتابات في التحولات التي يشهدها المجتمع في هذه الفترة. وهو ما كان نواة لظهور أبواب كثيرة، هدفتْ إلى الإصغاء لهذه المشكلات، والسعي لحلها، مثل باب “مشكلتك” الذي حرَّرته الكاتبة والقاصّة صوفي عبدالله، و”اسألوني” للكاتبة والصحافية أمينة السعيد، و”أريد حلا” لحُسن شاه، و”بريد الجمعة” لعبدالوهاب مطاوع.

ومع أن بنية الأفكار المطروحة في الكتابيْن تؤكد مفارقة الموضوعات، إلّا أنّه في الحقيقة لو تأمّلنا محتواهما؛ لاكتشفنا روابطَ عديدةَ تجمع بينهما، تتجاوز رابط المؤلف ودار النشر.

قراءة الأزمات

مقاربات لكتابات تناولتْ قضايا التطرُّف والإرهاب من زوايا متعدّدة
مقاربات لكتابات تناولتْ قضايا التطرُّف والإرهاب من زوايا متعدّدة

الكتابان ينبعان من إيمان حقيقي من قبل المؤلف بواقعه وما يشهده من تحولات وإشكاليات، ليس في زمنه الآني وإنما أيضا في امتداده الزمني، ساعيا إلى قراءة خلفيات الأزمات، سواء كانت الأزمة مُتعلّقة بهموم اجتماعيّة، وهي أزمة ممتدة لم تقفْ عند مرحلة معينة، ربما تكون دليلا على فشل كل مقولات النسوية، حول الدفاع عن المرأة والانتصار لها، فالمشكلات التي يعرضها كتاب “هموم نساء مصر” خلال تلك الحِقبة، للكثير من النساء، لا تختلف عن مشكلات نساء مصر الآن، الفارق أن نساء مصر في تلك الحقبة وجدن من يُصغي لهن، من رموز وروّاد في تلك الفترة، على شاكلة توفيق الحكيم، وعباس محمود العقاد، ومحمد فريد وجدي، ومحمد زكي عبدالقادر، ومحمد عبدالقادر حمزة، والدكتور إبراهيم ناجي، وزكي طليمات وأمينة السعيد وآخرين. وهو ما يشير إلى دلالة خطيرة سواء في الرّسائل التي توجه بها أفراد المجتمع إلى بريد المجلة عموما، أو تلك التي خُصّ بها أحد الرواد تحديدا.

في مقابل حالة من الانفصام وانقطاع عُرى المشاركة المجتمعيّة بين أبناء المجتمع الآن ونخبه، الذين صاروا يعيشون في جُزر منعزلة، وهو ما يُلقي باللّوم بطريقة غية مباشرة على النُّخبة التي انصرفت لشؤونها الخاصة. وهو ما يتقاطع مع الكتاب الثاني، فأحد الأسباب الرئيسية التي جعلت من تلك البؤر التكفيرية تظهر وتستفحل، وتستقطب الشباب، هي غياب القوة الناعمة، وتحجيم النُّخبة عن ممارسة دورها التنويري، وهو ما يمثّل صرخة لأُولي الأمر، بأن المعالجات الأمنية ليست كافية وحدها لمقاومة هذا النبت الشيطاني، الذي تسرّب ونمى و”ترعرع في وادينا الطيب، هذا القدر من السفلة والأوغاد” (كما يقول صلاح عبدالصبور) على غفلة منّا.

بداية، عنوان كتاب “هموم نساء مصر” لا يتطابق مع محتوى الكتاب، فالكتاب لا يتضمن حكايات عن هموم نساء مصر وفقط، بل يشمل أيضا هموم بعض الشّباب عن قصص حبُّ مُجهضة، وألم مرير بسبب ماض يُطل ويفسد المستقبل كما في قصة الشّاب الذي تزوّج من فتاة، واكتشف أنّها كانت تمتهن الرقص في الماضي، وهو ما أرّق حياته، فهرب بعيدا، إلّا أنّ الماضي راحَ يطارده وينسج أوهاما كانت بداية قطع أواصر المَحبة بينهما.

نفس الشيء يتكرّر مع الشّاب، الذي اكتشف أن زوجته كانت تعمل خادمة، مما عرَّض سمعته وسمعة عائلته للقيل والقال وسط مجتمعه، إلى جانب ذلك، هناك قصة الرّجل، الذي اكتشف أن والد زوجته هو مَن قتل أخاه في الماضي، وأصابه بجُرْح مازالت ندوبه بادية عليه. وغيرها من حكايات أبطالها رجال.

 كما أن المشكلات الواردة إلى بريد مجلة الإثنين ليست مقتصرة على مصر ونواحيها، فهناك رسالة واردة من فلسطين، من الشاب الذي يُحب فتاة من ديانة غير ديانته وطبقة غير طبقته. وهناك أيضا رسالة من فتاة عربيّة، عن خطيبها الذي شوّهته الحرب. لذا كان الأولى هو أن يُعَنْوَن بـ”النخبة وهموم المجتمع”.

عين على الواقع

الكتابان ينبعان من إيمان المؤلف بواقعه وما يشهده من تحولات وإشكاليات ساعيا إلى قراءة خلفيات الأزمات
الكتابان ينبعان من إيمان المؤلف بواقعه وما يشهده من تحولات وإشكاليات ساعيا إلى قراءة خلفيات الأزمات

 يطرح المؤلّفُ في كتاب “هموم نساء مصر” عبر صورة الرسائل قضايا إشكاليّة، عكست حالة من الصِّراع بين قبول الأنساق والتمرد عليها، وكانت الرّسائل التي جاءتْ في صورة استغاثات، بمثابة المقاوَمة والرفض لهذه الأنساق، فالشكاوى مصدرها واحد، هو نِتاج تأثيرات هذه الأنساق، وسعي الآخرين بإلزام الجميع بها رغم تعارضها مع قناعاتهم وخياراتهم، وفي كثير منها كانت ضدّ القيم.

 نجد في الكتاب عدة حكايات مثلا الفتاة التي يسعى أهلها لإرغامها على الزواج من زوج أختها التي طلقها بسبب خيانتها. أو تلك الأم التي تضغط على ابنها من أجل الزواج من ابنة شقيقتها وهو يحبُّ ابنة عمه، وتمارس عليه ضغوطا وإكراهات كي يرضخ، فيستغيث. نفس الشيء نراه في رسالة الزوجة التي تشتكي أن زوجها تزوجها رغما عن أهله وهما طالبان، فمارسوا ضغوطا مادية عليه، فعاد إليهم ليعيش في كنفهم، لكن مارسوا على زوجته ضغوطا، وأعلنوا رفضهم لها، بأن عاملوها كغريبة فانساقت لأوهام الغيرة التي انتهت بالطلاق.

نجد أيضا الزوجة التي تحكي كيف مارست المواضعات الاجتماعية قهرها عليها وعلى زوجها؛ لأنّه قبل الزواج بها متغاضيا عن ماضيها، إلّا أنّ المجتمع لم يغفر ولم ينسَ، فمارس أفراده عليه إكراهات جعلته يختار المنفى بعيدا، ومع أن الزوج محبٌّ لها، إلا أن هذه الإكراهات نجحت في جعل الأوهام والوساس تسيطر على عقله، ويساوره الشك في سلوكها.

بعض هذه الرسائل تُعبّر عن وعي حقيقي بمطالب المرأة والدفاع عن حقوقها قبل ظهور الحركات النسوية، ففي الرسالة التي خاطبت صاحبتها توفيق الحكيم، وكانت شديدة الحدّة معه، نكتشف أن حدتها منبعها دفاعها عن حقّ المرأة، في أن تُعامل معاملة آدمية لا معاملة الجارية التي يتركها زوجها وحيدة في البيت، ويتسكع على المقاهي مع أصدقائه، وعندما يعود يجب أن تكون في انتظاره، فهذه الغضبة، غضبة على ظُلم بيِّنٍ يُمارسه الرجل، بغيابه عن بيته وافتقاد الزوجة له.

ومن ثمّ تعيش هذه المرأة في وحدة، وفي رسالة الفتاة التي ارتبطتْ بشاب، أخوها ارتبط بأخته. وبسبب الخلافات أراد خطيبها أن ينتقمَ لأخته فتركها، تتمرد على هذه التقاليد وتلك الأنساق التي تربط ذنب هذه بذنب تلك. وكأنّ الرسائل في مضمونها ثورة ضد الغُبن والممارسات التي مُورست ضدّ المرأة من السلطة الأبوية تارة وسلطة التقاليد والعادات تارة ثانية، ومن سلطة الدين تارة ثالثة، لكنها تتوسّد برأي وحكمة أهل العلم والدراية.

حالة هروب الأزواج من البيت ظاهرة مستحدثة كما ذكر توفيق الحكيم في ردّه على السائلة، وهي تكشف عن غياب الحوار، مما يضطر الزوج إلى الهروب إلى خارج البيت لقضاء الوقت في المقهى، وهو ما يتقاطع مع ظاهرة التطرف، وإن لم تتناولها المقاربات التي عرض لها الحمامصي في كتابه “التطرف والإرهاب”، فسبب ميل بعض الشباب إلى أفكار هذه الجماعات يعود أيضا إلى حالة الغياب، غياب الأسرة عن مراعاة أبنائها، فيعطي أذنه لمن يملأها، وهذه الجماعات بحكم خبرة أفرادها وكفاءاتهم في الاستقطاب والجذب، يكونون حاضرين لملء هذا الفراغ بأفكار ظلامية مع الأسف.

يوتوبيا الخلافة

Thumbnail

يُقدّم الحمامصي في كتاب “التطرف الإرهاب” عبر مقارباته للكثير من الكتب التي تناولت هذه الظاهرة، الكثير من الأسباب التي ساهمت في تقوية شوكته، واستفحال رؤوسه، مع السعي إلى استئصال جذوره، وتحليل خطاب الإسلام السياسي، وتحديد مكونات الخطاب وآلياته الناعمة، التي تسعى إلى استقطاب شباب مُنعَّم يعيش في أوروبا. كما يتوقُّف عند الأصوليّة الفكريّة، حيث تقف ذهنية التكفير وراء الإرهاب الدمويّ. وهو ما يجعلها تتحالف مع العدو الأميركي من أجل تحقيق يوتوبيا الخلافة الإسلاميّة، والسعي إلى التحليل النفسيّ للتطرف والإرهاب.

 وكأنّ الكتاب عبر استخلاص النتائج من المقاربات التي قدمتها الكُتب، بمثابة خارطة طريق هادية للتبصير بمناطق قوته وغاياته ومراميه، فيفتش عن آليات الاستقطاب التي يستميل بها تيار الإسلام السياسي مجموعات كبيرة من الناس، ويتساءل عن السّحر أو الجاذبية التي يجدها شباب يعيشون في أوروبا للانخراط في هذا الوباء. كما يسعى لتفكيك هذه الجماعات، سواء على مستوى خطابها وآلياتها وأدواتها الإعلاميّة الممنهجة، وفي الوقت نفسه يقوم بتفكيك إمبراطورية جماعة الإخوان المسلمين المالية والاقتصادية، والبحث عن موارد تمويل أنشطتها، وشبكاتها المريبة التي تنسج تحالفات من أجل تحقيق مصالحها.

على نحو ما يكشف عن علاقاتهم المريبة بالأجهزة الاستخباراتية البريطانيّة والأميركيّة، وهو ما يجعل البعض يربط التصرفات الماليّة والاقتصاديّة للتنظيم الإخواني بجماعات الجريمة المُنظمة المنتشرة في كافة دول العالم وبؤر العُنف السياسيّ في مجتمعات الغرب والعالم الإسلامي.

 وأيضا يتوقف الكتاب راصدا لبداية التلاقح الإخواني السلفي، الذي يراه الباحث حسام تمّام في كتابه “الإخوان المسلمون سنوات ما قبل الثورة” طبيعيّا؛ لأنه نابع من تقارُّب فكريّ، وليس مجرد مصالح، كما أن هذا التقارب ليس وليد الآن، وإنما يمتد منذ عصر حسن البنا، وقد كانت الموجة الأولى لتسلُّف الإخوان مع الهروب إلى الملاذ حيث الوهابيّة الصّاعدة، عندما هاجرت الجماعة وكوادرها إلى السعودية بعد قبضة عبدالناصر الحديدية عليهم. وهو ما يقود إلى استجلاء التاريخ السّري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين، وبالمثل دور الولايات المتحدة في تبنّي هذه الحركات ثم التحوّل لمواجهتها.

وتدين بعض المقاربات فترتي السادات ومبارك تقويضهما الأساس الفكريّ للإسلام الليبراليّ الحداثيّ، بل حمّلتهما استشراء الأمور، وخروجها عن السيطرة، على نحو ما كانت عليه أيام عبدالناصر. كما تتوقف بعض المقاربات عند سمات الخطاب الإسلامي في أفريقيا وتحولاته من الصّوفية إلى بوكو حرام، لينتهي الكتاب بعد استعراض عناوين مهمة إلى أن الإرهابيين “يُصنعون ولا يولدون”، لما لديهم من منظومة دعائية وإعلامية قوية حاضرة.

ومن ثم فإن افتراضية دولة الإسلام السياسي كدولة للعيش المشترك مستحيل تحققها أو وجودها، إلا في خيالات أصحاب هذه الأفكار السوداء، فقيام الدولة الحديثة واستمرارها مرهون بمواجهة الإرهاب على نحو ما أشار إليه الدكتور شاكر عبدالحميد في دراساته عن “التفسير النفسي للتطرف والإرهاب”.

 فحسب وجهة نظره، أن المفتاح الأساسي في مواجهة الإرهاب هو الإبداع، وهو ذات الوسيلة التي أشار إليها عمّار علي حسن في تقديمه للكتاب، حيث أَوْلى الثقافة والفكر أهمية كبرى، كأدوات ناجعة في مقاومة الإرهاب، بل واستئصاله من جذوره. بما أن الإبداع تفكير قائم على التعدّد والتنوّع والكثرة، في مقابل الإرهاب الذي هو بمثابة نسق مغلق، يقوم على أساس النمطية والتكرار، كما أن الإبداع قائمٌ على التركيز على المستقبل، أما الإرهاب فيركز على الماضي.

رؤى وأفكار

واقع المرأة واقع مجتمع كامل (لوحة للفنانة نوال السعدون)
واقع المرأة واقع مجتمع كامل (لوحة للفنانة نوال السعدون)

مثلما سعى مؤلفو الكتب التي تناولتْ ظاهرة التطرف والإرهاب لتقديم معالجات وقائية وحصانة من توغله في مجتمعاتنا، وهو أشبه بموقف جماعي موحّد، للتصدي لهذه الآفة، أيضا سعى بعض الكُتّاب من جيل الروّاد، كما أظهر كتاب هموم نساء مصر، إلى تقديم حلول لهذه المشاكل الاجتماعيّة التي تتباين بين اجتماعية وعاطفية، وهو ما يكشف مدى الحس والوعي اللذين كانا عليهما كُتَّاب هذه الفترة، ودورهم الذي تجاوز كتاباتهم الخاصّة إلى المشاركة المجتمعيّة، فلم يكتفوا بكتاباتهم التي عالجوا فيها مختلف القضايا، وإنما طمحوا في ردودهم التي جاءت عقلانية، إلى أن يجدوا لها الحلول الناجعة للخروج بالمجتمع من الأوضاع المزرية التي كان يرزخ تحت نيرها.

ومن قراءة الرسائل نكتشف أن العوامل التي أسهمت في تفاقم هذه المشكلات، كانت راجعة لسلطة التقاليد البالية والعادات الخرافيّة، وإلى سطوة التفسيرات الدينيّة المُضلّلة، وإلى حجم التدخّلات الاستعماريّة في تلك الفترة. ولا يختلف الأمر كثيرا، لو دقّقنا النظر في العوامل التي أدّت إلى نشأة ظاهرة التطرف والإرهاب، فهي أيضا تعود إلى سطوة السُلطة الدينيّة المضلّلة التي أغوت الكثير، من خلال شحذ الهمّم على استعادة وهم الخلافة الإسلامية المفقود، وأيضا إلى التحالفات مع قوى استعمارية جديدة، سواء عبر الاستخبارات أو التحالفات الاقتصادية بالتمويل والدعم المالي وتوفير السلاح.

يسعى المؤلف في الكتابين، وإن تناول موضوعات تبدو غير مُتصلة ببعضها البعض، لدراسة ورصد ظواهر تؤرق المجتمع وتكبده خسائر كبيرة، سواء بما تصيبه لأفراده من خيبات وانتكاسات، وهو ما يكون مؤشرا على بدايات انسحاب عن الواقع، وهنا تنشط الجماعات الإسلاميّة في الاستقطاب والاحتواء، أو على المستوى الاقتصادي والأمني كما هو متحقّق في ما خلّفه الإرهاب من المآسي والجراح.

هناك حالة انفصام وانقطاع عُرى المشاركة المجتمعية بين أبناء المجتمع الآن ونخبه الذين صاروا في جُزر منعزلة

الكتابان هدفهما واحد وصريح، حتى ولو لم يُعلن عنه المؤلف في مقدمته، والهدف يتمثّل في مراجعة لسياقات أزمات منها تلك التي تخصُّ المرأة، بحثا عن أسبابها، وتقديم روشتة حلول لها من قبل كبار كتاب عصرها، وإن كان اكتفى المؤلف برصد الشكاوى وتتبع الردود، دون أن يقدّم لنا تحليلا لهذه المشكلات، مستنبطا طبيعتها وأسبابها، وهل هذه المشكلات تختلف عن تلك التي تعانيها المرأة الآن، أم هي مشكلات مرتبطة بزمنيتها؟ وهو ما لا أظنه، فكثير من تلك المشكلات التي عرضتها النساء في رسائلهن متحقّقة الآن، بصيغتها القديمة خاصة المُتعلِّقة بالإرغام على الزواج، والهروب مع الحبيب، أو تقبُّل وضعيات الزوج أو الحبيب في ظروف معينة سابقا كانت تشوهات ناتجة عن الحرب، والآن ربما تشوهات وبتر أعضاء ناتجة عن الإرهاب الأسود.

كان على المؤلف في الكتابين ألّا يتوقف عند دور الراصد لـ”التطرف والإرهاب” والجامع والمعدّ لـ”هموم نساء مصر”، وإنما أن يُخضع هذه الدراسات إلى التحليل. في الكتاب الأوّل كان يجب أن يتوقف عند الجامع المُشترك بين هذه الكتابات في تناولها لظاهرة التطرُّف والإرهاب، مستنتجا الحلول، لا مكتفيا بعرض محتويات الدراسات التي حلّلت ظاهرة الإرهاب وفكّكت خطاب جماعة الإخوان. وبالمثل في الكتاب الثاني، كان عليه أن يُنصت لقراءة ما وراء الرسائل، ليكشف عن مشاغل الشباب في تلك الفترة، وفي المقابل يتوقف عند تحليل الردود، خاصة أنها جاءت من صفوة النخبة، على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والأيديولوجية، بل ثمّة بعض الرسائل جاء عليها ردان، وهو ما كشف عن رؤيتيْن مختلفتيْن، تحمل ما تحمل من ثقافة وأيديولوجيا صاحبها.

لا يقلل هذا من أهمية الكتابين، وجهد صاحبهما، فهما بمثابة البوصلة التي وضعت المشاكل أمامنا قديما وحديثا، وتحتاج إلى الخبير الذي يستطيع أن يضع يديه على موطن الداء!

12