اِضرب اِضرب يا عباس

الثلاثاء 2014/07/22

عباس صار رجلا. ضربات قليلة وجهها إلى جسد طفل سوري كانت كافية لإلغاء المسافات وتدمير الحدود، وتأمين عبور سحري من الطفولة إلى الرجولة. الرجال يضربون، والأطفال فقط هم من يبكون. عباس الضارب هو الرجل إذن والطفل السوري المضروب هو الطفل. أن يبكي ويتوسل هي القرائن التي لا ترد على نهائية هذا الترتيب. أن يكون سوريا فهذا يعني أن صورته مضروباً باكياً مذلولاً متوسلاً غنما هي العلامات الواضحة والواقعية على وضع طبيعي ينتهي بأن يكون قتيلا.

لا جريمة ولا تعذيب في هذا المقام. ما هذه الخزعبلات التي تنتمي إلى معجم الخروج من الواقع. كيف يمكن قراءة هذا الفيديو الذي يظهر فيه الطفل اللبناني عباس وهو يضرب طفلا سوريا بتشجيع ومباركة من الأهل قراءة كهذه.

ألم تفهموا بعد أن عباس يتدرب على البطولة؟ هذه الضربات تجعله رجلا. ينقصه بعد ذلك عبور مسافة بسيطة تتشكل من بضع جثث الأطفال والرجال والنساء السوريين ويدخل في مقام البطولة والمجاهدة الإلهية.

جثث السوريين هي الآن خبز البطولة الإلهية. لماذا يتخيل أحد أن عباس مفترض أن يكبر ليصبح مهندسا أو طبيبا أو فنانا. هل تتوازى كل هذه المصائر العادية الباردة مع المصير الذي تجهزه له المنظومة الثقافية الإلهية، والتي تعده أنها ستجعل منه بطلا قد يمن الله عليه يوما بنعمة الشهادة، فيدخل في نعيم نهائي من اللذة القصوى واللانهائية.

هل يمكن لعباس مقاومة هذا الإغراء؟

فقهاء الفايسبوك وغيرهم من حكماء المواقع الإلكترونية نبهونا إلى أنه علينا وضع الأمور في سياقها الصحيح، وألا ندع بعض المظاهر تخدعنا فلهجة الأهل التي تدل على طائفة معينة لا يجب أن تجعلنا نلقي التهمة على كل هذه الطائفة. هذا خطأ جسيم من شأنه التسبب بالفتنة التي هي أشد من القتل.الأمر ليس سوى ظاهرة مرضية عابرة مستقلة عن السياق العام لهذه الطائفة التي تكن للسوريين وللشعب السوري كل المحبة والتقدير.

ربما من غير المنطقي اتهام بيئة كاملة أو طائفة بأسرها، ولكن ما العمل إذا كانت هذه البيئة ترسل شبابها بالمئات للدفاع عن بشار الأسد وقتل السوريين. ما العمل إذا كان الدفاع عن المقامات المقدسة لا يمر إلا على جثث السوريين الذين بنوها ورعوها. ما العمل أمام من يقفون مبتهجين أمام مشهد مجزرة الكيماوي وأمام جثث الأطفال السوريين، ومن يكون خبر احتلال المدن والقرى السورية بالنسبة لهم مناسبة لفرح هستيري ينهال فيه الرصاص المقاوم شلالات شلالات.

هل هذا الفيديو مستقل عن سياق رسمي وشعبي يعتبر الدم السوري حلالاً وإزهاقه نوعا من الواجب الجهادي المقدس. هل يتمايز عن فيديوهات سابقة ظهر في أحدها جنود من الميليشيا الإلهية يعدمون جرحى سوريين بغل وحقد؟

ليس هذا السياق الذي ظهره فيديو عباس عابرا، بل إنه متصل بشكل كامل مع العناصر المؤسسة للبنية الثقافية والأيديولوجية التي تسم سلوك البيئة الممانعة وتفكيرها.

في مثل هذه البيئة لا يمكن لتعريفات مثل الطفولة والعائلة والبراءة أن تجد أي معنى لها، فكل المعاني تخضع لإعادة تشكيل تقضي على معانيها الواضحة والمتفق عليها لصالح نظام خاص من المعاني يقوم على خدمة المشروع الجهادي القائم على قتل السوريين.

لا يستطيع عباس أن يكون طفلا في هذه البيئة في الأساس فلا وجود للأطفال فيها. من ظهر في الفيديو ما هو إلا مجاهد ومقاتل يتقمص صورة طفل. كذلك لا وجود لفكرة العائلة في الأساس فالوالد والوالدة ليسا سوى مدربيْن ميدانييْن. الأخ الأكبر كذلك هو مقاتل قرر الظهور في هيئة أقرب إلى التشكل النهائي للصورة من عباس الذي ظهر علينا بهيئة طفل، ربما كي يزيد من قوة الإرعاب من خلال تناقض الفعل والصورة.

أخيرا يظهر الطفل السوري الذي يمثل ساحة المعركة ومشهد الجغرافيا السورية المنتهكة.

ضربات عباس هي إذن الكناية الرمزية عن قذائف المجاهدين وصواريخهم التي تخترق جسد الجغرافيا السورية التكفيرية.

عباس الطفل ضحية تدمير المعاني. عباس المجاهد ابنها الشرعي.

السوريون الذين يموتون دفاعاً عن المعاني الواضحة هم أهلك الفعليون يا عباس الطفل، أما أنت يا عباس المجاهد فقد مت كثيرا ولا بعث ممكنا لك لا أخلاقيا ولا سياسيا.

قتلك أهلك دفاعا عن قاتلك يا عباس المقاتل، وحولوك إلى مقبرة جماعية، فهل من الممكن أن تردد المقابر أصداء ضحكات الأطفال؟

اِضرب اِضرب يا عباس القاتل كي تنهزم أكثر فأكثر.

21