اِنسَ ميدان التحرير والمسلّة.. البلد بلدهم

من يحكم بقوة الناخبين يستعصي على محاولات إطاحته، ولن تكتفي الجماهير بالفرجة، وإنما ستتظاهر وتدافع عن أصواتها. ومن يأتي من طريق آخر لن يجد أحدا يدافع عنه، وكذلك النصب التذكارية والتماثيل والمسلات.
الثلاثاء 2020/03/10
هل تحيي مسلة رمسيس بهجة الميدان اليتيم؟

من أخطر التحديات لأي نظام ألا يبالي به الشعب، وأن يتركه لمواجهة مصيره، فلا يؤيد ولا يعترض. اللامبالاة تلخصها كلمتا “البلد بلدهم”، وهما أوجز شعار تردد كثيرا في السنوات الأخيرة لحكم حسني مبارك، ولعل الشعار كان لسان حال الشعب في فترات سبقت عددا من النهايات. النهاية الفعلية لمحمد علي بإجباره على توقيع معاهدة لندن 1840 قبل وفاته عام 1849، وعزل الخديوي إسماعيل عام 1879. في وقت الشدة لم يجدا ظهيرا شعبيا يدعمهما في مواجهة قوى كبرى كادت تُسقط جمال عبدالناصر بهزيمة يونيو 1967، لولا التفاف الشعب الرافض للهزيمة، وتمسّكه بزعيم وطني غير ديمقراطي، “كان عظيم المجد والأخطاء” كما لخّصه ببراعة محمد مهدي الجواهري.

والآن تتمثل اللامبالاة في عدم الاهتمام الشعبي بوضع مسلّة “فرعونية” في ميدان التحرير، وإلقاء العابرين نظرة ثم يواصلون طريقهم. وكان الميدان كعبة لقيم الحرية والتغيير والعدل المستحق، قبل تسرّب تلك الروح، إلى حين.

خُدعنا؟ أكاد أجزم، بدليل النجاح في امتصاص موجات الاحتجاجات الثورية، وتسميتهم للثورة بأنها ثورة، مجاراة للغضب الشعبي. وعلى طريقة سيناريو الأفلام، يُزرع في مشهد متقدم عنصر عابر، صورة فوتوغرافية أو جملة حوارية أو شخص صامت في الخلفية لا يلتفت إليه أحد، ثم يكون لهذا العنصر تأثير في توجيه الأحداث. ومع شعار “الجيش والشعب يد واحدة”، عُمّمت صورة فوتوغرافية على حافلات النقل العام، لجندي يحمل طفلا. ولم ينتبه أحد إلى مدّ الخط على استقامته، ليعرف حصاد هذا الزرع الفوتوغرافي. والآن يقتصر دور الشعب على “الفُرْجة”، ولا أقول “المشاهدة” التي تحتمل درجات من التفاعل. ولم يعد لصورة الجندي والطفل داع، إذ يمارس الوصيّ الواثق وصايته على شعب لا يُستشار، “يتفرّج” ولا يبالي بمن يوقنون بأن “البلد بلدهم”.

للمدن ذاكرة تنمو بتفاعل الأجيال، وتتوسل المدن الحديثة والكيانات المستحدثة باستعارة مقتنيات ومعالم طبيعية ومعمارية وتعليمية وأثرية ومتحفية؛ لكي تمنحها عمرا ينقصها. هذه العراقة يجسدها أحيانا دالّ من لفظ واحد يشير إلى سلسلة من المدلولات، أو مضاف يستدعي مضافا إليه بحمولات تاريخية أكبر من الثقافة المحلية، وتتجاوز الحدود الوطنية. يكفي أن تقول “أحدب” لتقفز “نوتردام”.. الرواية، والفيلم، وكوازيمودو، وفيكتور هوجو، ومعبد روماني شيّدت فوقه الكاتدرائية التي أتى عليها حريق في أبريل 2019.

ولكن مصر بلد عجيب يتطوّع بإهدار ذاكرته. تفريط يشبه عبث وارث أرعن يجهل قيمة تراثه. سأكتفي بمثال واحد هو “مسلّة الزمالك” التي صارت منذ عام 1962 من معالم جزيرة الزمالك النيلية، بل إن الحديقة العارية الآن من المسلة تحمل اسم “حديقة المسلة”. وربما يستطيع باحث إحصاء عدد الأفلام السينمائية التي صورت المسلّة، ولكنّ فريقا بحثيا سيعجز عن إحصاء مَنْ لهم ذكريات في الحديقة، سجّلتها صور وحوارات وبدء علاقات وإنهاء أخرى، بالقرب من مسلّة تستدعي ما لا يقل عن حجم كتاب يوثق تاريخ جزيرة الزمالك، وتغيير مجرى النهر في عنفوان الفيضان ليشقّها ويحتضنها بين فرعيْه، وحفل افتتاح قناة السويس، وإقامة أول جسر على النيل لربطها بالقاهرة، وهيام الخديوي إسماعيل بالملكة أوجيني، وملاطفته لها على مائدة الطعام في غياب زوجها الإمبراطور نابليون الثالث، ومن أجلها مهّد طريق الأهرام الحالي ليصلا معا في العربة إلى الأهرام، وكيف كانت الجزيرة وناديها ممنوعيْن على عموم الشعب في ظل الاحتلال البريطاني، فرأى جمال عبدالناصر أن يتمتع الشعب بالجزيرة، وافتتح مركز شباب الجزيرة في يوليو 1958. أما المسلة الجرانيتية فترجع إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وتحمل حفرا باللغة الهيروغليفية يعني “قوة عدالة رع المعطاة من الإله رع، ملك مصر العليا والسفلى.. محبوب آمون، وهو الملك رمسيس الثاني”.

في أغسطس 2019 تم نسْف هذا كله، بنقل “مسلّة الزمالك” من حديقتها إلى أقصى الصحراء، لتستقر في مدينة العلمين الجديدة. وبعد أن حظيت المسلة بتدليل، منذ ستينات القرن الماضي، أصابها ما جرى للشعب عقب 3 يوليو 2013، وبدأت تغريبة موحشة في متحف قصيّ، أو أمام قصر رئاسي لا تجذب انتباه صفوة الزوار، لأن في بلادهم مسلات مصرية معتنى بها. كانت هذه المسلّة هي الوحيدة المحظوظة في مصر؛ بوجودها وسط الناس، خارج أسوار المعابد. ولعل هذا التفرّد كان شؤما، فتقرر عقابها وحرمانها من “الونَس”، بأمر مفاجئ بالنفي، من دون التمهل في طرح الفكرة على الشعب في نقاش إعلامي حرّ، والإنصات إلى خبراء التنسيق العمراني وتصميم المدن الجديدة وترميم الآثار. كأنهم ينقمون على هذه المسلة، فينتقمون منها، ولو كانت القضية “مسلة والسلام” لأرسلوا إلى العلمين مسلة أخرى لم تتعود على أنفاس الناس، ولكن “البلد بلدهم”.

ثورة 25 يناير 2011 أكسبت ميدان التحرير دلالات حضارية ترشّحه ليكون مزارا سياحيا، ولو أتيح للثورة أن تحكم لأجريت مسابقة دولية لإعادة تخطيطه، مع إدراج فكرة تزيينه بمسلة، فلا يليق أن توجد المسلات المصرية في ميادين باريس ولندن ونيويورك وروما وغيرها ويخلو منها أشهر ميدان مصري. ولكننا، كما قلت، خُدعنا، وندرك أننا خُدعنا، ونكتفي بالفرجة.

من يحكم بقوة الناخبين يستعصي على محاولات إطاحته، ولن تكتفي الجماهير بالفرجة، وإنما ستتظاهر وتدافع عن أصواتها. ومن يأتي من طريق آخر لن يجد أحدا يدافع عنه، وكذلك النصب التذكارية والتماثيل والمسلات. في العشرينات أسهم الشعب الفقير بقروشه الزهيدة في اكتتاب لتمويل إقامة تمثال “نهضة مصر” لمحمود مختار، تخليدا لروح الثورة الشعبية عام 1919، وإنجازاتها في إلغاء الحماية البريطانية، وكتابة دستور 1923، وإرساء قواعد للديمقراطية، وانتخاب برلمان ولو كانت عضويته مقتصرة على النخبة الثرية.

ولد تمثال “نهضة مصر” وكبر في خيال الشعب، كفكرة ورمز الطموح إلى الاستقلال، ولم يفاجأ به رجل الشارع يوم إزاحة الستار عنه في مايو 1928. وقبل مايو 2020 سيُزاح الستار عن مسلة بميدان التحرير فوجئ مارّة لم يشاركوا في “هذا المشروع”، لمنع الإعلام من مناقشة المستقبل، ولانشغالهم باللهاث لتدبير تكاليف المعيشة أو انتظار عودة معتقل.

ميدان التحرير نفسه يتيم، منزوع البهجة، فهل تحييه مسلة “فرعونية”؟

8