اﻟﺴﻔﻴﺮ اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ اﻟﺴﺎﺑﻖ ﻓﻲ دﻣﺸﻖ.. ﻛﻮﻣﺒﺎرس ﻣﻜﻤﻞ ﻟﻠﻤﻮﻗﻒ اﻷﻣﻴﺮﻛﻲ

السبت 2013/11/16
شوفالييه تناول الغداء مع الشيطان على شرف الدم السوري

كتب الصحفي جورج مالبرونو مقالا على مدونته الخاصة أكد فيه أن تصريحات السفير الفرنسي السابق لدى سوريا، إيريك شوفالييه تزعج وزارة الخارجية، فعدد كبير من الدبلوماسيين، الذين يخشون سيناريو على الطريقة التونسية، وصفوا تلك التصريحات بأنها موالية للرئيس بشار الأسد.

زار بشار الأسد باريس في شتاء العام 2010، واستُقبل استقبالا مميزا في الإليزيه، بعد أن تمت مقاطعته عالميا، إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري الذي وجّهت فيه أصابع الاتهام إلى رجال النظام السوري في لبنان، وحينها أكّد الرئيس الفرنسي ساركوزي على "التعاون المثمر بين فرنسا وسوريا بخصوص مختلف الملفات والقضايا الشرق أوسطية"، وكان ذلك قبل بدء الاحتجاجات في الشوارع السورية بأقل من ثلاثة شهور، وفي أواسط العام 2011 احتجت صحيفة الفيغارو الفرنسية، على بقاء إيريك شوفالييه سفيرا في سوريا، بعد أن تصرّف بشكل غير لائق كما قالت، حين قرّر المضي خلف روبرت فورد في رحلته إلى مدينة حماة السورية ليرى إن كانت المظاهرات سلمية أم مسلحّة، دون أخذ الإذن من رؤسائه في باريس، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يكتشف فيها شوفالييه سحر القوة الأميركية التي يمثّلها فورد في الملف السوري من بداياته، ولم تكن الأخيرة، فقد نفعته رفقة السفير الأميركي طويلا فيما بعد في معاجلة وتناول ملفات المعارضة السورية في المنفى هذه المرة وليس في دمشق.

شهية طيبة مع رامي مخلوف

أما احتجاج الصحافة الفرنسية فلم يكن فقط على زيارة شوفالييه أو مندوبيه لحماة التي حاول هو استثمارها ليغيّب الأسباب الحقيقية التي تقف خلف هجوم الأوساط الفرنسية عليه، فقد جنّ جنون الفرنسيين حين تسرّب خبر تناول إيريك شوفالييه الغداء مع ابن خال رأس النظام السوري رامي مخلوف وأكبر رمز من رموز المحسوبية والفساد في الشبكة المحيطة بالأسد في مقرّ إقامته، فما الذي يجمع بين الرجلين وقد رفع المتظاهرون الذين تمّ قتلهم بالرصاص الحي لافتات وهتافات تطلب رأس "رامي الحرامي" كما قال الشعب السوري في درعا وفي أكثر من مدينة وقرية سورية؟ وكانت تلك السياسة مرافقة لعهد ساركوزي الذي حفل بالتذبذب في المواقف، والفضائح مثل تلك التي حدثت مع الحالتين التونسية والمصرية، حين توضح أن وزيرة الخارجيّة الفرنسية ميشال أليو ماري، نزلت ضيفة على أحد رموز نظام زين العابدين بن علي، أثناء الثورة التونسية بينما كان التونسيون في الشوارع يرفعون كلمة "ارحل" " degage" بالعربية والفرنسية "، في حين تمتّع رئيس الحكومة الفرنسية فرنسوا فيون، بضيافة حسني مبارك قبل إزاحته عن الحكم بأسابيع، أثناء أعياد رأس السنة في "الأقصر".

وزير الخارجية الفرنسي الحقيقي؟

بعد غدائه مع رامي مخلوف كتب شوفالييه في برقياته إلى باريس: "بشار الأسد إصلاحي ويجب إعطاؤه وقتا، ولا أستبعد وجود أياد أجنبية وراء التظاهرات" ثم خرج ليدعم المعارضة السورية ويتدخل في تكوينها ومقاعدها

أما الاحتجاج الفرنسي التالي فكان على برقيات إيريك شوفاليه سفير ثورة الحريات الفرنسية إلى دمشق، والتي قال فيها: "يجب إعطاء الرئيس السوري وقتا، ولا أستبعد وجود أياد أجنبية وراء التظاهرات"، في الوقت الذي قاد فيه المفكر الفرنسي برنار هنري ليفي المقرّب من طرفين هامين في المنطقة، الرئيس الفرنسي وإسرائيل، حملاته لتأييد التغيير في المنطقة العربية، على مبدإ أنه "ما دام التغيير حاصلا بحكم الواقع، فلِمَ لا يكون لصالحنا؟" وقام بدعوة المجلس الوطني الانتقالي الليبي إلى قصر الإيليزيه، للقاء الرئيس الفرنسي، وزاد بأن حضر اللقاء مع الرئيس، ولكن كان هناك من لم يتمّ إطلاعه على ذلك كلّه، إنه وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، الأمر الذي طرحته الأوساط الفرنسية من جديد في تساؤلها: "من هو وزير الخارجية الفعلي.. جوبيه أم ليفي؟".

ولكن الإرث الساركوزي الذي تمّ التأسيس له في الخارجية الفرنسية والذي عرف "دبلوماسية الصدمة"، والذي كانت من أكبر نتائجه فتح الباب لبشار الأسد من جديد، لم يكن ليسمح لوزير الخارجية آلان جوبيه بالتفتيش في الملفات أكثر وأكثر، والبحث في تناقضات مواقف شوفالييه الذي يعيش في دمشق، والذي يمكن للمتتبع لسيرته العثور على الكثير من الإثارة في مواقفه من القضايا المختلفة، ناهيك عن شكل وكيفية وصوله إلى منصب سفير فرنسا في دولة هامة من دول الشرق الأوسط مثل سوريا.

فقد هاجم شوفالييه بلا تردّد حماس واندفاع آلان جوبيه تجاه الملف السوري، متهما إياه بتجاهل "تقاريره"، وقد عمل شوفالييه سابقا في منصب الناطق السابق باسم "الكي دورسيه" وكان أستاذه وملهمه وزير الخارجية السابق برنار كوشنير وصديقه الحميم برنار هنري ليفي، ومع تدهور الأوضاع في سوريا، بثت قناة فرانس 24 تقريرا يتناول العلاقات الفرنسية السورية ورد فيه ذكر مواقف السفير الفرنسي إيريك شوفالييه، وقد ورد فيه ما يلي: "منذ بداية الاحتجاجات والسفير الفرنسي يهوّن من خطورة الأمور ويتظاهر وكأن شيئا لم يحدث وهو ما أصاب عددا كبيرا بيننا بالصدمة، نظرا لتجاهله بشاعة ما يحدث على الأرض، وفي 14 أبريل الماضي (2011) كتب الصحفي جورج مالبرونو مقالا على مدونته الخاصة أكد فيه أن تصريحات السفير شوفالييه تزعج وزارة الخارجية، فعدد كبير من الدبلوماسيين، الذين يخشون سيناريو على الطريقة التونسية، وصفوا تلك التصريحات بأنها موالية للرئيس بشار الأسد، وفي رأيي فإن موقفه يتناغم مع المصالح السياسية والاقتصادية لبلاده.

عنف شوفالييه المعارضين السوريين لأنهم لم يقبلوا بإضافة مقاعد طائفية وممثلين لعلي مملوك وبهجت سليمان في صفوف الائتلاف

وأعتقد أن السفير لا يريد إطلاق رصاصة الرحمة على التقدم الذي تحقق في السنوات الماضية بين بلاده ودمشق بعد فترة طويلة من التباعد والتوتر والفتور الذي شاب العلاقات المشتركة، استأنف البلدان علاقتهما الطبيعية منذ العام 2008 واستهلاها بتوقيع عقد بلغت قيمته مليار يورو لإقامة مصنعي إسمنت".

ودافع شوفالييه عن نفسه، متذرعا بأن بشار الأسد هو من نصحه عند اعتماده سفيرا لفرنسا في سوريا، بتوسيع دائرة علاقاته، وربما نصحه بلقاء رامي مخلوف شخصيا ما دام مهتما بالحفاظ على التطور المضطر للعلاقات الاقتصادية ما بين البلدين، وقال إنه "يرفض منعه من مقابلة أيٍّ كان"، وكان شوفالييه قد استدعي على إثر الحادثة إلى باريس لشرح موقفه.

في تلك الأثناء دخل شوفالييه الدائرة الأميريكية في ما يتعلق بالموقف مما يحدث في سوريا، وبدأ يطوف مع روبرت فورد في المناطق السورية ويلتقي بعض الشخصيات ويحضر بعض المناسبات، وقد غادر مرة بطريركية الروم الأرثوذوكس حين بدأ الشبيحة بإلقاء الحجارة والبيض عليه وعلى الوفد المرافق له أثناء ركوبهم سياراتهم، وقال شوفالييه وقتها: "إن عناصر من الشبيحة بعضهم يحمل قضبانا حديدية ونساء ألقوا البيض ثم الحجارة عليّ وعلى فريقي وكان سلوكهم عدوانيا فيما كنا نعود إلى سيارتينا". وكان قد زار مداخل أربع مدارس في دمشق وريفها ورافق فورد إلى منطقة داريا للتعزية في الناشط غياث مطر.

شوفالييه بعد مغادرته دمشق


غادر شوفالييه وفورد والسفراء الغربيون دمشق بعد قطع معظم دول العالم لعلاقاتها الدبلوماسية مع نظام بشار الأسد، في السادس من آذار ـ مارس 2012 عن طريق بلدة المصنع على الحدود السورية اللبنانية، بعد مرور عام على بدء العنف الذي مارسه نظام الأسد على المتظاهرين السلميين، وقبل تحوّل الثورة السورية إلى الكفاح المسلّح، وبدأ المرحلة التالية من عمله كسفير، ولكن هذه المرة ليس مع مسؤولي النظام السوري، بل مع المعارضة السورية على الضفة الأخرى من المشهد المعقّد.

جن جنون الفرنسيين حين تسرّب خبر تناول إيريك شوفالييه الغداء مع ابن خال رأس النظام السوري رامي مخلوف

وبدأ شوفالييه بمتابعة اتصالاته مع المعارضة التي كان بدأها في دمشق ببعض لقاءاته مع ممثلي هيئة التنسيق السورية، التي ترفض المطالبة بتنحي النظام، ليواصل فتح الجسور مع المجلس الوطني السوري في إسطنبول والقاهرة، وكانت أولى خطوات شوفالييه، مراقبة أداء السفير الأميركي روبرت فورد والتنسيق التام معه على الخطوات المتوجب اتباعها في تناول الملف السوري، فكانت المطالب موحّدة بين الفرنسيين والأميركيين، ولم يكن ضروريا أخذ رأي شوفالييه في أي مسألة ما دام فورد موافقا عليها، حتى أن حضوره لبعض الاجتماعات لم يكن مهمّا، ويمكن الاستغناء عنه بوجود فورد، ولكن شوفالييه كان قد نجح بنسج علاقات جيدة مع مختلف اتجاهات المعارضة السورية، بفضل ليونته وطراوة أسلوبه، وعدم اطلاعه على خفايا كل تنظيم، وبالتالي كان من السهل قضاء الوقت معه في أروقة المؤتمرات وقول الكثير من الأمور الواقعية وغير الواقعية، أمامه فلن يؤثر هذا على الموقف الفرنسي المرتبط تماما بما يحدث في عقل فورد وجيفري فيلتمان من خلفه.

ولم ينس برنار هنري ليفي الذي يدير اللعبة من العتم، الموقف الذي اتخذته المعارضة السورية والمفكرون السوريون، من رفض التعاون معه، بعد أن عقد لقاء خاصا في باريس لتأييد الثورة، حضره كوشنير وشخصيات فرنسية مختلفة، فأراد من خلال شوفالييه إثبات خطإ نظرية هؤلاء جميعا، بتعقيد الأمور من حولهم، وكان أول ما فعله شوفالييه هو انتقاد المعارضة السورية لأنها غير موحّدة، والمطالبة بتوسيع المجلس الوطني ليضمّ أطرافا مختلفة، أيا كانت تلك الأطراف.

وكثيرا ما حمل شوفالييه ملفاته مع عددٍ ممن يسمعون ويطيعون من المعارضين السوريين معانقا إياهم، أمام كاميرات وكالات الأنباء على أبواب الإليزيه، وكان على رأسهم رياض سيف الذي دعم شوفالييه مبادرته، بتأسيس جسم سياسي أوسع، صار اسمه الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، فيما بعد، للتمهيد للتفاوض مع نظام بشار الأسد، ولتطبيق خارطة طريق جنيف1، وكي يطبّق نظرية فورد، طاف شوفالييه على الحدود السورية التركية، والتقى بعدد من النشطاء، وقدّم لهم مبالغ نقدية على شكل مساعدات مقابل موافقتهم على الحضور إلى مؤتمر الدوحة ليكونوا ممثلين عن المجالس المحلية، كما سرّب أحد سفراء دول الاتحاد الأوروبي وقتها، الأمر الذي أربك شوفالييه في مفاوضاته مع صقور المعارضة السورية التي رفضت الاعتراف بصدقية تمثيل بعض هؤلاء للحراك الثوري في الداخل السوري، ولكن كان سفير فرنسا آخر من يعلم بالتطورات، فقد تعامل فورد مع الممثلين الفرنسيين في المسرح السياسي المتعلق بسوريا، على أنهم نوعٌ من الكومبارس، وأنهم مكملون للموقف الأميركي، ولذلك فقد كان غضب شوفالييه كبيرا عندما لم يتمكن من إدخال اثنين وعشرين عضوا إلى الائتلاف السوري المعارض، وقد انتشر شريط مصوّر سرّا يهدّد فيه شوفالييه المعارضة بقطع السلاح عنهم، ويتهمهم بأنهم غيّروا ما اتفقوا عليه معهم، ووقعت حينها مشادة عنيفة بينه وبين ممثل المنظمة السريانية المسيحية عبدالأحد صطيفو، على الرغم من محاولة شوفالييه الظهور بمظهر القلق من أجل حقوق المسيحيين والأقليات، وخشيته من هيمنة الإسلاميين على المعارضة السورية.

منذ بداية الاحتجاجات والسفير الفرنسي يتظاهر وكأن شيئا لم يحدث وهو ما أصاب عددا كبيرا بالصدمة، نظرا لتجاهله بشاعة ما يحدث

وكانت صحيفة "لونوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية قد أكدت أنه "ومنذ بداية الثورة، حاولت باريس بناء شبكات "من الثوار" وكسب ثقة المعارضين، فقبل استدعاء سفيرها، فى مارس 2012، كانت السفارة الفرنسية بدمشق تقدم الأدوية والأغذية "سرا" إلى المتمردين، كما أقامت فرنسا أيضا اتصالات مباشرة مع "المجالس الثورية المدنية" التي أنشئت في المناطق التي سيطر عليها التمرد، وخاصة في الشمال وبعد اعتراف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، بالائتلاف الوطني السوري المعارض باعتباره الممثل الوحيد للشعب السوري، واعتباره الحكومة المستقبلية لسوريا الديمقراطية، فإن كل مساعدات فرنسا مرّت على الفور تقريبا عبر وحدة تنسيق المساعدات" وأن فرنسا تعمل على الضغط على الدول الداعمة للمعارضة السورية بالسلاح لوقف دعمها وتوجيهه فقط للجماعات التي تربطها علاقات مع فرنسا.

يبدو إيريك شوفالييه ودودا، بسيط المدارك، ويبدو المشهد السوري أعقد من قدرته على الإحاطة به والمناورة فيه، والأهم أنه أثقل من قدرته على تمثيل فرنسا فيه كما كان يمكن أن يفعل آلان جوبيه أو حتى برنار كوشنير.

15