بأي ذنب قتلت

الاثنين 2014/06/02

اقتلعوني من بين صديقاتي، شدوا وثاقي وجعلوني مبتورة طمعا في العفة، فأغرقوني في بحر من الدماء أبى أن يجف إلا جاذبا روحي إليه، تاركا خلفه جسدي النحيل.

اخترق صراخ الطفلة “سهير” صمت القبور، وهي تتساءل لماذا قتلوني؟. لماذا يعتبرونني عورة يجب مداراتها وإخفاؤها؟. ما العيب في كوني أنثى؟، وما هو ذنبي؟. نصبوا لي محاكمات ظالمة وأصدروا أحكاما باتة دون نقض أو استئناف. كل ذنبي أنني ولدت أنثى بين قوم مازالوا يؤمنون بأن “الرجال عزوة، والنساء عورة”.

ماتت “سهير” بنت الثانية عشرة بذنب الختان، في قرية مصرية فقيرة لا تحمل لبناتها أية توعية، ولا تعترف بسلاح الأخلاق والعفاف لكبح جماح شهوات زين الله عز وجل بها الإنسان، ولم يجعلها سببا لتدنيسه أو الانتقاص منه.

وتقطع صوت المقتولة وهي تقول: ليس كل المقتولات بالختان موتى، فكم منهن تحيى في كنف رجل يشكو “برودها”، ويلجأ لزوجة أخرى تخاطب رجولته وفحولته العنترية الكاذبة في مجتمع متناقض ثم لا يجد إلا شبيهة بالأولى. يا عزيزي “كلهن مختنات”. وبعد شكواه وتكرار تجاربه، وبعد معاركه الجدباء، يشارك ويقدم صغيراته في حفلات “الموت الجماعي” باسم الختان والعفة.

بأي ذنب قتلت؟. هكذا صرخت “صريعة الختان”، كنت ألعب في الحارة وبين الحقول بدميتي المتهالكة، ووسط حلقة من الفتيات أحكي عن أحلامي البريئة لا أعلم أنني سأعاقب يوما بهذه القسوة المجنونة، لقبوني بالمطيعة فلم أرد على أمي بما لا يليق، ولم أضرب أخوتي الصغار أو أتأخر عن تلبية احتياجات المنزل.

اعتقدت أن حبي لأمي وأبي سيعصمني من العقاب، واجتهادي وتفوقي الدراسي سيكونان سببا لجلب الهدايا التي لا أعرف لها طعما ولا لونا ولا كيف تكون، أدركت بعد موتي أن للعقاب أسبابا أخرى، وأدركت أن الذنب الأكبر هو الذي لم نقترفه، والعقاب الأقسى هو الذي لا نتوقعه، وأشد الحكام غلظة هم من أحببناهم.

اقتلعوني من بين صديقاتي، ونحن نلعب الغميضة، شدوا وثاقي، وجعلوني مبتورة طمعا في العفة، فأغرقوني في بحر من الدماء أبى أن يجف إلا جاذبا روحي إليه تاركا خلفه جسدي النحيل.

تمنيت أن أكون صحافية تمسك بالقلم تنقل عذابات النساء وتفاصيل الصراع “الذكوري الأنثوي” المحموم ولكنهم (حطموا قلمي الرصاص وسكبوا مدواتي وتناثر الحبر على ملابس الرجال “كل رجال القرية” وأولهم أبي، ثم طبيبي الكاذب الذي أهان قدسية مهنته ودنس شرف وتاريخ “البالطو” الأبيض من أجل بضع جنيهات لا تغني، ولا تسمن من جوع).

تعالى صراخ سهير “حاكموا كل القتلة، حطموا أصنام البشر، لا تعبدوا الرجال لأنهم رجال، ولا تقتلوا النساء لأنهن نساء”. تذكروا مريم البتول، أم موسى، زوجة فرعون، خديجة بنت خويلد، عائشة بنت أبي بكر، فاطمة الزهراء، سميرة موسى، ملك حفني ناصف، صفية زغلول، مارغريت تاتشر كلهن نساء.

21