"بؤس الإسلام في فرنسا".. رؤية نقدية لقطيعة المسلمين مع واقعهم

الكاتب ديدييه ليشي يعتبر أن أكبر خدمة يمكن تقديمها للمسلمين في فرنسا هي مصارحتهم، ذلك هو المخرج الوحيد للتغيير والعمل النقدي.
الأربعاء 2018/12/12
مشهد يجمع الكثير من المفارقات

باريس- ديدييه ليشي موظف سام رافق ملف الاسلام في فرنسا منذ عشريتين، فهو من العارفين والمطلعين على النقاشات والمدركين للانسدادات والمآسي وكل ما يتعلق بالمسلمين في فرنسا. “خدمة المسلمين، تفترض قول ما هو حاصل بالفعل، من أجل حل أحسن لتلك التناقضات التي لا يستفيد منها سوى الذين يريدون استمرارها وبقاء الحال على حاله”.

 يعتبر الكاتب أن أكبر خدمة يمكن تقديمها للمسلمين في فرنسا هي مصارحتهم، ذلك هو المخرج الوحيد للتغيير والعمل النقدي. ومن أجل هذا الهدف يقدم تشخيصا قاسيا لما آل إليه وضع الإسلام في فرنسا.

 يدخل ليشي منذ أولى صفحات كتابه “بؤس الإسلام في فرنسا” في صلب الموضوع فيكتب واصفا الوضع الحالي للإسلام في فرنسا بأنه أمر مثير للشفقة ويرى في ممثليه العجز الكامل عن مواجهة مآسي البلد المتمثلة في الاعتداءات الجهادية التي خلفت المئات من الضحايا في 2015 و2016.

كتاب يكشف الوضع الحالي للإسلام في فرنسا
كتاب يكشف الوضع الحالي للإسلام في فرنسا

فلا يرحم الكاتب الزعماء الدينيين المتأرجحين بين الإنكار والتحفظ في مسألة العنف وعلاقته بالإسلام السياسي. ويحملهم البعض من مسؤولية التطرف، فهم لم يعودوا محل اهتمام للشبان الباحثين عن حياة روحانية إسلامية ومن البديهي أنهم أصبحوا فريسة سهلة للسلفيين والإخوان الذين يبدون لهم، مقارنة بهؤلاء الزعماء، أطهر وأنقى وأقرب إلى الإسلام.

كل هذا لأن السلطات الفرنسية رسمت بيروقراطية مسجدية مع هؤلاء الأئمة والنشطاء المسلمين حتى غدوا كأنهم يعيشون من الإسلام لا من أجل خدمة المسلمين في فرنسا. ربما يأتي أمل الإصلاح حسبه من لدن الذين يراقبون وضع الإسلام من خارجه في فرنسا أكثر من الذين يمارسونه من الداخل.

 في الكتاب نقد شديد لأنانية البعض من المسلمين وتهاونهم ووصف للمآزق التي يعيشها الإسلام في ذلك السياق الفرنسي الذي لا مثيل له.

ومع ذلك، فالكاتب حريص على جعل العلمانية مكانا للجمع بين المواطنة واحترام الأديان وممارساتها. ويتعلق الأمر بـ“إثبات أن العلمانية هي وضع ضوابط قانونية بهدف تنظيم إمكانية العيش المشترك بين المؤمنين وغير المؤمنين، وبأنها جديرة بالاحترام والثقة حينما تزعم أنها لا تريد تنغيص عيش الأقليات الدينية”.

يمضي المؤلف في وصف بؤس الإسلام في فرنسا انطلاقا من “بؤس العالم الإسلامي” الذي يحمّل الآخرين مسؤولية أزماته و“بؤس المثقف المسلم” الذي ابتعد عن الدين ولم يعد لخطابه أي تأثير على المسلمين ولا غير المسلمين، و“بؤس الشاب المسلم” المستعمل كأداة من طرف الدعاة الجدد، و“بؤس المسؤولين الثقافيين” الذين يريدون نفي تهمة العنف المرتكبة باسم الإسلام عن الشريعة فيحرمون الإسلام من أي إصلاح عميق. ووصف المؤلف أيضا “بؤس الإسلاموفوبيا” تلك الكلمة التي لا تسمح بالتفريق بين العنصرية وبين كل ما يتعلق بحق انتقاد الدين. وهنا لا يتفق الكاتب مع منظمة المؤتمر الإسلامي فحسب، بل يرى أيضا في مناداتها بمتابعة قضائية لكل شكل من أشكال “القذف الديني” خلطا مفخخا بين شتم الأشخاص ونقد مؤسسة والحقيقة الدغمائية.

وتعرض المؤلف كذلك لـ“بؤس إسلام القنصليات” حيث تم بناء المساجد وتكوين المرشدين الدينيين.. إلخ، ومع ذلك تبقى التوجهات الدينية المختلفة في فرنسا مرتبطة ببلدان أجنبية. وإلى سنة 2016 كان في فرنسا 3000 ما بين مسجد وقاعة صلاة أكثرها في قبضة دول معينة كالجزائر وتركيا.

يطرح مؤلف الكتاب الكثير من التساؤلات الجدية والإشارة إلى العديد من المفارقات الصارخة، وعلى رأسها التنوع إذ في الوقت الذي تتم فيه محاولة تثمين التعايش الديني في فرنسا، يبدو أن ذلك في طريقه إلى الاندثار شيئا فشيئا في الجهة الأخرى من المتوسط.

ويذكر مفارقة أخرى متمثلة في عدم وجود صوت إسلامي رسمي يكون مسموعا من أغلبية المسلمين، وإن كان هناك مفكرون مسلمون يمارسون تفكيرا نقديا حقيقيا، إلا أنهم لا يتمتعون بسلطة معترف بها حيث يقول “نحن ندفع ثمنا باهظا لعدم وجود ذلك الصوت المسلم الذي لا أحد يشك في نزاهته وصاحب السلطة الضرورية الراغبة في فحص أمراض الإسلام وإيجاد الدواء لها”.

صراع الشرعيات العالمة ملازم لتاريخه
صراع الشرعيات العالمة ملازم لتاريخه

وطبعا فإن عدم وجود “سلطة عقائدية عليا” هي من خصائص الإسلام، حسب الكاتب، وأن صراع الشرعيات العالمة ملازم لتاريخه، فحتى جامع الأزهر الشهير لم ينجح في جعل نفسه منارة واحدة للعالم السني. ولكن ما يدهش الكاتب ديدييه ليشي هو غياب مفكري الإسلام من حياة المسلمين الواقعية في فرنسا وابتعادهم عن المساجد ونشاطاتها.

هذا الانقسام بين الممارسين والمفكرين يؤدي بالإسلام إلى طريق مسدود، فحسب ليشي يريد الإصلاحيون افتكاك الاعتراف دون تحمل ما يعانيه المؤمنون من ضغوط في الميدان. وهكذا يبدو إيمانهم غير مجسد ومصداقيتهم شبه هشة. وهكذا تبقى أزمة الإسلام قائمة بسبب انهزام الفكر الإسلامي: غياب الفكر الحي، المحاور، المناقش.

هذه الهزيمة مردها نقص الهياكل وفق المؤلف الذي يرى أنه “لكي تكون هناك ثيولوجيا جديدة قابلة للانتشار، ينبغي أن توجد معاهد وملتقيات ومساجد ودوائر ليبرالية تعمل على تطوير الممارسات ومن ثم تغيير صورة الإسلام دون التراجع عن الإيمان بطبيعة الحال”. ولا تفوت الكاتب فرصة عرض رأيه في ظاهرة التطرف الديني التي تمس الكثير من الشباب الفرنسي وتدفع البعض منه إلى ارتكاب العنف الإرهابي، فهو يرفض أطروحات المتابع للإسلام السياسي الفرنسي الشهير أوليفيه روا، إذ يعتبر أنه من الخطأ أن نضع كل أنواع التمرد في سلة واحدة لأن مفهوم التمرد قد تطور وهناك ثورات تقدمية وثورات رجعية، ولا يمكن وضعهما في نفس السلة.

13