بؤس التراثيين العرب، انشغالات ذهبت هباء

الأحد 2015/08/02
رسمة: بهرام حاجو

سبق لي أن كتبت في هذه الموضوعة الإشكالية في الثقافة العربية، ولسوف أدرج على ما سبق، وأستعيد نقاطا وعلامات لعلها أن تتماس وتتشاكل مع المراجعات التي تحاول “الجديد” أن تتيحها للتفكير العربي اليوم، من باب مراجعة الأفكار.

شهدت مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي ظاهرة توظيف التراث الفلسفي الإسلامي توظيفاً مباشراً للدفاع عن آراء معاصرة، والعبور من خلاله إلى تجديد الفكر العربي، أو إلى تغيير الواقع ذاته، أو إلى إحداث ثورة في الفكر والواقع كما أراد التراثيون.

حسبنا الاستماع إلى الدعاوى التي أوردها العائدون إلى التراث الفلسفي العربي لنعرف حجم المهمة المستحيلة التي ألقيت على هذا التراث لإنجازها.

فها هو محمد عمارة- حين كان عقلياً – يصدر كتابه “التراث في ضوء العقل” قائلاً «إن الوعي بالتراث وإحيائه، لا يعني تقليده ولا أن نعود بحاضرنا ومستقبلنا ونصبهما في قوالب الأمس.. ولكنه يعني أن نبصر جذور غدنا، الذي نريده مشرقاً، في الصفحات المشرقة في التراث.

وأن نجعل العدل الاجتماعي الذي نكافح من أجله الامتداد المتطوّر لحلم أسلافنا بسيادة العدل في حياة الإنسان وأن نجعل قسمات العقلانية والقومية في تراثنا زاداً طيباً وروحاً وثورية تفعل فعلها في يومنا وغدنا، وبذلك يصبح تراثنا روحاً سارية في ضمير الأمة وعقلها تصل مراحل تاريخها وتدفع مسيرة تطوّرها خطوات وخطوات إلى الأمام، وبذلك وحده يصبح التراث طاقة فاعلة وفعالة، وليس “ركاماً” أو “أكفان موتى” كما يحسبه ويريده الكثيرون».

ويرى الدكتور حسن حنفي أن «التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقاً لحاجات العصر. فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة، والوسيلة تؤدي إلى الغاية، التراث هو الوسيلة والتجديد هو الغاية، وهي المساهمة في تطوير الواقع، وحل مشكلاته والقضاء على أسباب معوقاته، وفتح مغاليقه التي تمنع أيّ محالة لتطويره».

وبهذا المعنى أيضاً يقول الجابري «اللغة والشريعة والعقيدة السياسية.. تلك هي العناصر التي تتكون منها المرجعية التراثية التي قلنا إنه لا سبيل إلى تجديد العقل وتحديثه إلا بالتحرر من سلطانها، وإذا كنا ندعو ها هنا إلى الانتظام في الجوانب التي أبرزها في فكر ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون فليس من أجل استنساخ أفكارهم، استنساخاً، ولا من أجل تبني آرائهم تقليداً وتبعية، كلا إن ما ندعو إليه هو توظيف نزعتهم العقلانية-التقدمية كمنطلق يربطنا بقضايا تراثنا لا من أجل تجديدها أو الاغتراب فيها أو رفضها بل من أجل نقلها إلى حاضرنا ونتعامل معها على أساس متطلبات الحاضر وحاجة المستقبل وبالاستناد إلى فكر العصر ومنطقه».

الأزمة التي دشنتها الهزيمة، لم تقد إلى مراجعة نقدية للفكر العربي السياسي والفلسفي بل قادت إلى نكوص إلى الوراء في محاولة لإنقاذ الأساس الفلسفي -الأيديولوجيا للفكر القومي والماركسي

ويرى حسين مروة أن هناك ترابطاً بين المحتوى الثوري لحركة التحرر الوطني العربية في مرحلتها الحاضرة وبين الموقف الثوري من التراث الفكري العربي – الإسلامي «إن ثورية الموقف من قضايا الحاضر تستلزم الانطلاق من هذا الموقف لرؤية التراث، أي لمعرفته معرفة ثورية، أي لبناء هذه المعرفة على أساس من أيديولوجية القوى الثورية نفسها في الحاضر».

أما طيب تيزيني فينهي رحلته الطويلة في كتابه “من التراث إلى الثورة” بالقول «إن ممارستنا الاختيار التاريخي التراثي تجاه تاريخنا وتراثنا العربيين على نحو جدلي تراثي وبغية تحويل الحصيلة الإيجابية إلى واحد من أبعاد الفعل الثوري المبدع في مرحلتنا القومية الناهضة من شأنها أن تسهم في تكوين وتعميق الشخصية القومية الأممية للقوى الثورية العربية. ودونما خوف من عقد التقازم أمام الآخرين والتعملق أمام الآهلين».

يمكننا الاستمرار في عرض المسوغات التي قدمها المشتغلون بإعادة قراءة التراث، ولكن بما أن هدفنا هو الوقوف على أهم هذه المبررات لنكشف عنها، نكتفي بما عرضنا، معتبرين أن هذه المسوغات هي النماذج الكبرى التي تقدم عادة.

وتدقيقاً فيما سبق نجد: أن الهدف المرجوّ من عودة كهذه ينحصر في النقاط التالية :

1-إيجاد الترابط بين الحاضر والمستقبل والماضي، وهذا يعني أن انقطاعاً قد حصل بين ماضي الفلسفة وحاضرها العربي وإيجاد اللحمة مرة أخرى بين الحاضر والماضي من شأنه أن يفتح آفاقاً أفضل. ومن شأنه أيضاً أن يعيّن مفهوم الهوية القومية بوصفها خطأ صاعداً ينزع عنها التفتت الحاصل الآن.

2- يجمع التراثيون على نقطة أساسية ألا وهي أن العودة إلى التراث لا معنى لها إلا في حالة الكشف عمّا فيه من عناصر قابلة للحياة وليس في حالة تقديمه كما هو. فعمارة يريد من التراث قسمات “العقلاني والقومية” وحنفي «يسعى إلى المعاصرة استناداً إلى الأصالة” والجابري «يبحث عن النزعة العقلانية النقدية» في التراث، وتيزيني يستقي من التراث المساهمة في تكوين الشخصية القومية والأممية. ومروة يريد أن يجد في التراث “ثورية” تشتقها “قوى الثورة العربية المعاصرة”. وأساسها تلك النزعات المادية الكامنة فيه. إذن المرجعية في دراسات التراث الكشف عن العقلانية والقومية أو الثورية والمادية.

سبق لطيب تيزيني أن أشار إلى أن المفكرين العرب الآخذين بالذهنية الإقطاعية قد طرحوا قضية التراث انطلاقاً من أن الجديد هو امتداد ميكانيكي للقديم

3- وكان الجميع قد انطلق من أن تأسيس هذه المفاهيم غير ممكن إلا بالكشف عنها داخل الإنجاز الفكري – الفلسفي للتراث العربي. وبالتالي فالمعرفة المعاصرة تلبس التراث لبوساً جديداً ليبدو معاصراً. وهذا يعني أن تأكيدهم رفض الانتقائية، تأكيد زائف إذ طالما أنهم يريدون من التراث أشياء ولا يريدون أشياء أخرى فهذا يعني أن ينتقوا من التراث ما يعزز أفكارهم المسبقة، أو الأساس الفلسفي-الأيديولوجي الذي ينطلقون منه.

وهذا هو الذي يفسّر لماذا يختلفون فيما بينهم حول التراث، وحول ما هو الأبرز في هذا التراث.

ولو نظرنا إلى تنوع الآراء حول ابن رشد مثالاً على تنوع الآراء حوله، لرأينا أن كلاً يريد من ابن رشد ما يريده الآن أصلاً. فعمارة ينظر إلى شروح ابن رشد على أرسطو بداية امتلاك اللغة العربية وفكرها الفلسفي لآراء أرسطو نقية غير مشوبة بما اختلط بها من آراء أفلاطون ونظريات الأفلاطونية المحدثة..

والميلاد الحقيقي للمدرسة الفلسفية العقلانية-المشائية وقدّم ابن رشد أكثر المحاولات جدلية وتوفيقاً في عقد صلات الزمالة والمؤاخاة بين الحكمة (الفلسفة) وبين الشريعة، انطلاقاً من الفهم العقلاني المستنير للدين، وبواسطة البرهان العقلي ومن فوق أرض الفلسفة.

ويكتب الجابري “إقصاء العرفان” والفصل بين “البيان” و”البرهان”، ذلك هو الخط نفسه الذي ينتظم الخطاب الرشدي الذي يستعيد مشروع ابن حزم عبر ابن تومرت وابن باجة على مستوى أغنى وأعمق.

كما يرى فيه إعادة بداية بناء العلاقة بين البيان والبرهان بوعي أعمق وعقلانية واقعية أكثر نضجاً من تلك التي عند ابن حزم وابن تومرت وابن باجة .

بينما استطاع ابن رشد «عبر طرحه لمسألتي العلاقة بين المادة والصورة، ووحدة العالم الكونية المادية، أن يساهم بعمق في تطوير الفلسفة المادية الهرطقية والجدلية إلى الأمام وخصوصاً في تأكيده على العالم في وحدته المادية من طرف، ثم في إبعاده لمفهوم الإله المفارق العلوي من مذهبه الفلسفي حيث جعله جزءاً من الطبيعة من حيث هو عقلها أو قانونية وجودها». وهذا ما يراه تيزيني في ابن رشد .

إذن ابن رشد آخى بين الفلسفة والشريعة عبر الفهم العقلاني- “عمارة”. وأقصى العرفان وقام بفصل بين البيان والبرهان عبر عقلانية واقعية. وفي حالة أخرى نقدية – “الجابري”. وتطور الفلسفة المادية الهرطقية والجدلية إلى الأمام “طيب تيزيني”.

ولو افترضنا أن ابن رشد يسمح باستنتاج كل ما سبق، فإن إبراز هذا الجانب أو ذاك في فلسفة ابن رشد عملية محكومة بما يراد من ابن رشد.

إنها عملية جد مشروعة. وليست اتهاماً، إذ لا يمكن أن يكون الموقف من التراث الفلسفي إلا انتقائياً، أما أفكارها فهو أمر من قبيل إضفاء الموضوعية على تناول التراث.

كيف نفهم بروز ظاهرة العودة إلى التراث عامة والتراث الفلسفي خاصة؟ ولو تركنا جانباً الأسباب التي قدمها التراثيون، وقد تكون أسباباً حقيقية بالنسبة إلى كل واحد منهم، لواجهتنا الواقعة التالية: إن معظم الكتب الأساسية التي ظهرت حول التراث، قد صدرت في فترة السبعينات والثمانينات.

“مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط” عام 1971 “من التراث إلى الثورة” عام 1978 طيب تيزيني، “والتراث والثورة” غالي شكري 1973 “نحن والتراث” قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي 1980 “تكوين العقل العربي” 1984 “بنية العقل العربي” 1986 محمد عابد الجابري، “التراث والتجديد” 1981 حسن حنفي، “نظرة جديدة إلى التراث” 1979 “التراث في ضوء العقل”1980 محمد عمارة، “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” جزء 1-2/1979 حسين مروة .

صاحب صدور هذه الكتب، دراسات ونقاشات واختلاف آراء، أي لم تخلق هذه الكتب شهرة لأصحابها فحسب بل وخلقت مناخاً فكرياً بدا أنه يتميز بالحيوية.

يجمع التراثيون على نقطة أساسية ألا وهي أن العودة إلى التراث لا معنى لها إلا في حالة الكشف عما فيه من عناصر قابلة للحياة وليس في حالة تقديمه كما هو

وقد رأينا أن النماذج من المسوغات التي عرضنا لها جميعها منصبة إما على تنوير الواقع أو دفعه إلى الأمام أو المساهمة في التقدم الخ. ولكن ما الذي كان عليه الواقع حتى يفرض على المفكر العربي التفكير بإدخال التراث كعنصر وعنصر مهم من عناصر “التنوير” و”صنع المستقبل”؟

يبدو لي أن السبعينات هي مرحلة ظهور الأزمة في سيرورة الحركة القومية العربية والماركسية العربية، أو ما اصطلح على تسميته بحركة التحرر العربية ومن ثمة تصاعدها في الثمانينات من ذلك القرن.

واتخذت الأزمة أشكالاً متعددة: هزيمة يونيو المنكرة جداً عام 1967 والتي نظر إليها بوصفها هزيمة عسكرية وأيديولوجية بالوقت نفسه، تراخي الالتفاف حول حركة التحرر العربية، صعوبة تحقيق الأهداف المعلنة، تنامي رد الفعل الإسلامي- أيديولوجيا. ثم تطوره إلى حركة سياسية فاعلة، بروز الدول النفطية -وخاصة السعودية- كدول فاعلة في الحياة العربية.

ويبدو أن البحث عن أسباب هذه الأزمة قد تنوع جداً من البحث عن أسبابها التقنية إلى البحث عن أسبابها السياسية مروراً بالبحث عن أسبابها الفكرية.

في البحث عن هذه الأسباب الأخيرة -أي الفكرية- جاء أول ردة فعل من التيار الإسلامي. الذي رأى أن الأيديولوجية القومية والماركسية هي المسؤولة عن هذا الخراب الذي حل وكان من نتائجها هزيمة حرب يونيو، وآية ذلك أن هذه الأيديولوجيا هي بالأصل أيديولوجيا غربية علمانية خاوية ومغتربة عن “تراث الأمة والأصيل”.

والمفكر القومي والعلماني والماركسي، على الرغم من وقوفه ضد هذا التفسير، قد شاطر الإسلامي رأيه ضمناً. فراح يبحث عن اللحمة التي تربط أفكاره العصرية بالتراث العربي. معتقداً في الوقت نفسه أنه يحرر التراث من احتكار القوى التقليدية له، وسالباً إياها مصدر قوتها.

فالأزمة التي دشنتها الهزيمة، لم تقد إلى مراجعة نقدية للفكر العربي السياسي والفلسفي بل قادت إلى نكوص إلى الوراء في محاولة لإنقاذ الأساس الفلسفي -الأيديولوجيا للفكر القومي والماركسي. وللتدليل على أن فكرة الحرية ليست إلا تطويراً لفكرة الحرية عند المعتزلة- وفكرة المساواة استمراراً على نحو جديد لفكرة المساواة عند القرامطة، بل والاشتراكية ذاتها جزء من تراثنا الفكري، ومادية ماركس هي ثمرة لمادية ابن سينا والفارابي وابن رشد. والصراع الطبقي المعاصر الذي ينتج الآن الاختلاف الفكري ليس جديداً، بل إن التناقض الطبقي في العصر الإسلامي الوسيط قد عبر عن نفسه في تناقض المادية والمثالية.

وبالتالي فإن التراث العربي الفكري الإسلامي الذي عبّر عن تناقضات طبقية في اتجاهين -تقدمي ورجعي- مازال مستمراً حتى الآن عبر التناقض المعاصر. فالبرجوازية والإقطاعية المعاصرة تتبنّى الرجعي والمثالي في تراثنا، أو تفسّره تفسيراً مثالياً رجعياً، وعلى القوى الثورية أن تبعث الجانب التقدمي المادي العقلاني. لقد عبر كل من مروّة وتيزيني وغالي شكري عن هذه النزعة بكل صراحة. بعقل ساذج كهذا دخل التراثيون عالم علم الكلام والفلسفة الإسلامية.

الجابري: اللغة والشريعة والعقيدة السياسية عناصر تتكون منها المرجعية التراثية

يقول حسين مروة «إن ثورية الموقف من قضايا الحاضر، تستلزم الانطلاق من هذا الموقف نفسه لرؤية التراث، أي لمعرفته معرفة ثورية، أي لبناء هذه المعرفة على أساس من أيديولوجية القوى الثورية نفسها في الحاضر، أي القوى التي لها علاقة تاريخية موضوعية بالأساس الاجتماعي لإنتاج التراث الفكري في الماضي ونعني بها القوى الاجتماعية السابقة المنتجة للأسس المادية التي انعكست في أشكال الوعي الاجتماعي (الفلسفة، العلم، الأدب، الفن المكونة لهذا التراث)».

وهذا يعني أن هناك قبل كل شيء موقفاً ثورياً من قضايا الحاضر ينتج عنه موقف ثوري من التراث، هذا الموقف الثوري من التراث مستند إلى أيديولوجيا القوى الثورية، وهذه القوى بالتالي لها علاقة بالقوى الاجتماعية التي أنتجت الأسس المادية التي أنتجت التراث ذاته.

ولهذا فالموقف الثوري يجب أن يستند إلى منهج جديد يتجاوز المواقف المثالية والميتافيزيقية. هذا المنهج المادي التاريخي وحده القادر على كشف العلاقة الواقعية الموضوعية غير المباشرة بين القوانين الداخلية لعملية الإنجاز الفكري وبين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي، أي كشف التراث في حركيّته التاريخية، وتحديد «ما لايزال يحتفظ منها بضرورة العناصر التقدمية والديمقراطية في تراثنا الثقافي وبين العناصر التقدمية والديمقراطية من ثقافتنا القومية في الحاضر». بهذه الميكانيكية الجلفة فكر الشيخ الماركسي إذ ذاك فإن ما يطمح إليه المثقف الثوري- أي المنهج المادي التاريخي – من جملة ما يطمح إليه هو دراسة الفلسفة العربية-الإسلامية بوصفها نتاج عملية تاريخية داخل حركة الفكر العربي وبارتباط مع تطور المجتمع العربي -الإسلامي القروسطي. والكشف عمّا يحتويه التراث الفلسفي من قيم تقدمية أو نزعات مادية.

وقد سبق لطيب تيزيني أن أشار إلى أن المفكرين العرب الآخذين بالذهنية الإقطاعية قد طرحوا قضية التراث انطلاقاً من أن الجديد هو امتداد ميكانيكي للقديم. وهم سلفيون يتحدثون عن تصورات ومبادئ فوق الزمان والمكان، فهم لا تاريخيون إذن. وبسبب التواطؤ التاريخي الذي عقد بين الذهنية الإقطاعية والذهنية البرجوازية لم يستطع المجددون تجاوز هذا التواطؤ فكرياً فظلّوا انتقائيين معتدلين مساومين.

وهنا يطرح تيزيني تجاوز هذين النمطين عبر المادية التراثية الجدلية التي هي ضد الإقطاع من جهة وضد التواطؤ التاريخي الإقطاعي-البرجوازي .

وغالي شكري هو الآخر يرى أن البرجوازية لا تعمد فحسب إلى التركيز على عناصر التراث التي تفيدها وتدعم كيانها، وإنما تشيع مفهوماً ميتافيزيقا للتراث يعادي العلم والتقدم.

إذن لا بد من تنويره وفق مصالح الطبقات المناهضة للبرجوازية. أن تكون البرجوازية خصماً طبقياً للفئات الفقيرة فهذا مما لاشك فيه، سواء أكانت برجوازية وليدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى كما في الوطن العربي، أم برجوازية منتصرة انتصاراً ساحقا ًفي بلدان أوروبا.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

14