بؤس التظاهرات الثقافية

يطغى على جل التظاهرات والندوات الثقافية سوء التنظيم. كما تطغى عليها المجاملات ليقصى منها من هم قادرون على الإشعاع، وعلى بعث الحيوية في مشهد ثقافي بات كئيبا وفاترا.
الاثنين 2018/03/12
ندوات بيت الحكمة مقطوعة عن قضايا البلاد

خلال السنوات السبع الماضية، تعددت المهرجانات والندوات والتظاهرات الثقافية في تونس لتشمل كامل مناطق البلاد. وهذه ظاهرة إيجابية لكنها لا تخلو من سلبيات ومن نواقص كثيرة.

فالمهرجانات والأمسيات الشعرية مثلا تكاد تكون متشابهة يغلب عليها التكرار والرتابة. والمشاركون فيها غالبا شعراء تعوّد الجمهور على سماعهم. والبعض منهم قد يسمح لنفسه بالطواف في جميع أنحاء البلاد بنفس القصيدة التي كان قد كتبها قبل سنة أو أزيد من ذلك.

لهذا السبب يعزف الجمهور عن حضور هذه الأمسيات أو هذه المهرجانات ليجد الشاعر نفسه أحيانا أمام كراس فارغة. وقد يقرأ هذا الشاعر أو ذاك قصيدته ثم ينصرف على عجل من دون أن يكلف نفسه سماع زملائه الآخرين. فما يهمه هو الحصول على المكافأة، أما تبقى فلا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد.

وهناك ندوات ثقافية تكون مواضيعها منفصلة عن قضايا واهتمامات أهالي هذه المنطقة أو تلك. لذلك هم يقاطعونها تاركين المشاركين فيها غارقين في حوارات عقيمة ومملة. مثلا: ما فائدة ندوة حول الحب في الشعر العربي القديم، تُقرأ خلالها قصائد لامرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة وجميل بثينة وابن زيدون، في مدينة في الوسط التونسي تعيش يوميا على إيقاع الاحتجاجات السياسية والاجتماعية، ويتظاهر فيها أصحاب الشهادات الجامعية للمطالبة بالتشغيل. وفي مساجدها يحرض السلفيون على العنف وعلى الجهاد؟

ويزداد عقم الندوات تعاظما عندما يصنفها الجامعيون بـ”العلمية” لتكون مغلقة فلا يشارك فيها إلاّ أهل الاختصاص. أما الذين يحضرونها من غير أهل الاختصاص فيكون دورهم الاستماع فقط إلى مداخلات ومحاضرات يجنح أصحابها إلى تعقيد الموضوع المطروح ليقدموه بأسلوب ثقيل، وبلغة متقعرة، وبطريقة يغلب عليها التكلف والتصنع والغموض، متخيلين أن كل هذا يمكن أن يثبت نبوغهم، وتفوقهم العلمي، وثقافتهم الواسعة. وفي الحقيقة هم لا يفعلون شيئا آخر غير حبس أنفسهم في أبراج وقوالب تعمق القطيعة بينهم وبين الجمهور المتعطش للعلم والمعرفة.

وخلال السنوات الماضية، دأب “بيت الحكمة” الذي يديره الدكتور عبدالمجيد الشرفي على تنظيم العديد من الندوات الأدبية والفكرية والعلمية. وأغلب هذه الفعاليات لا يحضرها سوى أعضاء الأكاديمية، وأغلبهم أساتذة جامعيون متقاعدون، أو كتاب لم يعد لهم حضور في المشهد الثقافي. وغالبا ما تكون ندوات بيت الحكمة شأنها شأن بقية الندوات- مقطوعة عن قضايا البلاد. لذا فهي لا تجلب اهتمام الجمهور، ولا وسائل الإعلام.

بالإضافة إلى كل هذا، يطغى على جل التظاهرات والندوات الثقافية سوء التنظيم. كما تطغى عليها المجاملات ليقصى منها من هم قادرون على الإشعاع، وعلى بعث الحيوية في مشهد ثقافي بات كئيبا وفاترا.

وعندما نعلم أن هذه التظاهرات والندوات مكلفة ماديا فإنه يتوجب على وزارة الثقافة التونسية ومؤسساتها مراجعة برمجتها وتسييرها إذ أن المتضررين من هذا الوضع هم المبدعون والفنانون أولا وأخيرا.

ومؤخرا نشرت إحدى الجرائد تحقيقا مؤلما عن فنانين وممثلين صنعوا مجد المسرح التونسي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، لكنهم يعيشون راهنا أوضاعا مادية ومعنوية مأساوية. ولعلهم هم الأجدر بالعناية والاهتمام أكثر من تظاهرات وندوات تكثر فيها الثرثرة والبلاغة الجوفاء، وتكاد تنعدم فيها الإفادة والمنفعة.

14