بؤس الخطاب الرسمي في الجزائر

لماذا يسمح بنشر تغريدات ذات مستوى لغوي ومعرفي ضحل، على حساب تويتر الخاص بالرئيس عبدالمجيد تبون، وعلى صفحته في موقع فيسبوك، تغريدات مليئة بأخطاء فادحة ترتكب باسمه؟
الجمعة 2020/06/05
أخطاء اتصالية فادحة

من حق كل جزائري التساؤل عن النهج الإعلامي الذي تنتهجه حكومة بلاده، ومن يقف وراء السقطات المتواصلة التي ترتكب من حين إلى آخر. لم يحدث أن تدنى مستوى الأداء الإعلامي الرسمي ليلامس هذا المستوى من الرداءة، إلى درجة تدفع إلى الاعتقاد بأن الأمر متعمد.

لماذا يسمح بنشر تغريدات ذات مستوى لغوي ومعرفي ضحل، على حساب تويتر الخاص بالرئيس عبدالمجيد تبون، وعلى صفحته في موقع فيسبوك، تغريدات مليئة بأخطاء فادحة ترتكب باسمه؟ من يتولى الكتابة بهذا المستوى اللغوي الركيك نيابة عن الرئيس؟ ومن يشرف على ذلك الإعداد الضعيف للقاءاته في قنوات التلفزيون ومع الصحافة؟

بدل اتهام الشبان بالمساس مرة بالوحدة الوطنية، ومرة أخرى بثوابت الأمة، والزج بهم في السجون، لمجرد التعبير عن أفكارهم وهواجسهم على مواقع التواصل الاجتماعي، والإفصاح عن أحلامهم بالعيش في دولة تحترم إنسانيتهم وتلبي طموحاتهم، كان حريا بالمسؤولين أن يوجهوا تهمة الاستخفاف برئاسة الجمهورية والمساس بمصداقية الدولة وهيبتها، لمن يكتب تلك التغريدات والمنشورات؟     

في تغريدة نشرت يوم 24 مايو الماضي، المفروض أن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون يشيد فيها بأداء العاملين في قطاع الصحة، يختمها بجملة تدل على استخفاف المحرر بالعمل الذي يقوم به فيكتب: “أدام الله عافية الجزائر بحول الله”.                                                                           

قبل ذلك بأيام، وبمناسبة يوم الطلبة الجزائريين، الذي صادف يوم 19 مايو، وفي تهنئة وجهت لهم، لم ينتظر كاتب تغريدات الرئيس نهاية المنشور لارتكاب الخطأ المشين، بل ارتكبه من مطلع التغريدة “إلى كل الطالبات والطلبة” وكأن كلمة الطلبة لا تشمل الطالبات.                   

وفي الثالث من مايو، نقرأ كلاما غريبا في تغريدة تعزية للفنان إيدير “بهذا المصاب تفقد الجزائر هرما من أهراماتها”، وهو تعبير نمطي فاشل، بعيد جغرافيا ومعنويا عن الجزائر، ولا يتوافق مع مواقف الفنان إيدير الذي عاش حياته كلها مدافعا عن الثقافة الجزائرية.

وفي تهنئة للروائي عبدالوهاب عيساوي، كشف كاتب تغريدات الرئيس ضحالته اللغوية والفكرية دفعة واحدة “عشية يوم العلم، ها هو الشاب عبدالوهاب عيساوي، من الجلفة، يلتحق بقوافل الكتاب الجزائريين الذين شغلوا الورى، وملئوا الدنيا بأعمالهم، لكن هذه المرة بالفوز بجائزة البوكر العالمية الفاخرة. واصل التألق ابني عبدالوهاب وستجدني بحول الله دوما بجانبك”.

إضافة إلى الأسلوب الركيك الواضح، فات كاتب التغريدة أن يذكر عنوان الرواية الفائزة، وورود اسم الجائزة خطأ، وتطرق إلى مدينة الكاتب، الذي يمثل كل الجزائريين لا مدينة الجلفة فقط.

أمثلة، من بين أمثلة أخرى كثيرة، على مستوى الخطاب، أما على مستوى التنظيم والإخراج فتدخلات الرئيس كارثية بكل المقاييس، ففي أول إطلالة إعلامية له على الجزائريين يوم 22 فبراير الماضي، في حوار مع رؤساء وسائل إعلامية جزائرية، مختارة من بين المؤيدين للسلطة والمنتفعين من ريعها الإشهاري السخي، بدا الرئيس غارقا في ديكور ساذج منفّر أضفى عليه الإخراج التلفزيوني البدائي، والأسئلة المعدة سلفا، مسحة مصطنعة تذكّر بسنوات التكلّس.

ولا غرابة أن يستاء كثير من الجزائريين، ويصبون غضبهم على الفريق الإعلامي الرئاسي، معتبرين أداءهم عودة إلى سنوات الأحادية، وإهانة للدولة الجزائرية، ممثلة برئيس الجمهورية.

كيف يمكن أن يكون تركيب اللقاء المسجل بهذا السخف، حيث شاهد المتابعون أحد الصحافيين وهو يختتم اللقاء، بينما الرئيس يشكر الحاضرين، لتستمر الحصة من جديد ساعة أخرى.

وقد عزا بعض المتفائلين ذلك إلى نقص تجربة الفريق الإعلامي الجديد، ولكن لا شيء تغير، فقد توالت الهفوات كتابة وقولا وتنظيما وتصرفا، آخرها كان  في بحر الأسبوع الماضي، حينما أصدرت وزارة الشؤون الخارجية بيانا تنتقد فيه برامج تلفزيونية بثتها قنوات عمومية  فرنسية اعتبرتها تهجما على الحراك، وقد استدعت السلطات السفير الجزائري بباريس للتشاور.

وانبرت القنوات العامة والخاصة الجزائرية للدفاع عن الحراك، ولم تتحدث عن المظاهرات الاحتجاجية. كيف يمكن لنظام يستغل وباء كورونا ويسعى جاهدا للقضاء على الحراك، أن يتحوّل بين عشية وضحاها إلى مناصر للحراك؟

كل ذلك كان مجرد مسرحية، وظفها النظام مستغلا ردود الأفعال المتشنجة الإسلاموية الكثيرة على فيسبوك، بسبب ظهور شباب جزائريين يحتسون الكحول في وثائقي عرضته (فرانس 5) “الجزائر حبي”.

من جهة حاول النظام أن يظهر بمظهر المدافع عن الإسلام في الجزائر، لاستعطاف الأغلبية المغيّب وعيها في المدارس والمساجد، ومن جهة أخرى لتحويل فضول الناس إلى مشاهدة البرنامج الوثائقي، والاعتقاد بأن تلك هي مطالب المشاركين بالحراك، الجنس والكحول، في حين أن موضوع التحقيق الأساسي لم يكن الحراك “المبارك”، كما اعتاد أن يصفه الرئيس تبون نفسه، ومع ذلك لم يتوقف عن ملاحقة النشطاء واعتقالهم.

أليس من الغباء الإعلامي أن تضع الحكومة نفسها في مواجهة قناة تلفزيونية مغمورة؟

في نهاية الخمسينات وبداية الستينات كانت الحكومة الجزائرية المؤقتة تجابه فرنسا والحلف الأطلسي واليوم تتصارع الحكومة الجزائرية مع فرانس 5.

9