بؤس الفكر الممانع

التاريخ يتجمد عند منظري الممانعة في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فهم غير قادرين على رؤية التحولات الضخمة التي اجتاحت العالم على مدى نصف قرن شهد انهيار الاتحاد السوفييتي.
الثلاثاء 2021/04/13
حزب الله اللبناني يحتكر لنفسه ولأسياده صفة "المقاومة"

بداية لا بد من التذكير أن الفضل في إضفاء معنىً سياسيٍّ على تعبير “مُمانعة” يعود إلى المفكر العربي الراحل سلامة كيلة في وصفه للسلوك السياسي لنظام بشار الأسد حيال السياسية الأميركية التي عملت على “تعديل سلوك” هذا النظام بما يتوافق مع سياساتها العامة في المنطقة.

وكان كيلة قد تطرّق إلى ذلك في إحدى مقابلاته الصحافية سنة 2015 حين قال “أعتقد أنني من ابتكر بالفعل مصطلح ‘المُمانعة’، وذلك في ندوة عقدتها في دمشق عام 2002، حيث كنتُ أتكلم عن السيطرة العسكرية الأميركية على العالم، وكيف تعالج الولايات المتحدة النظم الممانعة، أي النظم التي تريد أن تتكيف مع السيطرة الأميركية، لكن تريد أن تحسّن من وضعها في ظلِّ تلك السيطرة، وهذا بالضبط ما قصدتُه بالمصطلح”.

ثم أضاف “لكن فوجئت باستخدامه من قبل النظام السوري ووسائل إعلامه عام 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والخلاف الأميركي مع النظام، باكتشاف الأخير أن الولايات المتحدة تريد تغييره، وانتقال النظام من محاولة التكيُّف مع السياسة الأميركية وقبول شروطها إلى الكلام عن الممانعة.. والممانعة كانت تعني أن النظام لا يريد طرح مفهوم المقاومة وقتها”. مُشيراً إلى أنّ استراتيجية بشار الأسد كانت قائمة على التفاهم مع الأميركيين خصوصا بعد احتلالهم للعراق، في حين أن الأميركيين كانوا يريدون تعديل سلوك النظام في سوريا وشكله. من هنا لجأ النظام إلى مصطلح الممانعة تهربا من مصطلح المقاومة، بحيث يبقي على الباب مواربا حيال السياسة الأميركية في المنطقة.

وعليه، فإن القول العربي المعروف “يتمنّعْنَ وهنَّ الراغبات” لا يجد له تمثّلا في الواقع السياسي أكثر انطباقا في معناه من سياسة نظام الأسد حيال “المؤامرة الصهيوأميركية”. إذ يعمل على الانفتاح عليها “بشروط” قد لا تتجاوز في مرحلة من المراحل إدامة سيطرته في سوريا أو على بعضٍ من أجزائها. وهو بذلك فقط كان جديرا باسم “نظام الممانعة”.

يحتكر حزب الله اللبناني لنفسه ولأسياده الذين يحتلون إيران وكذلك الميليشيات الحوثية في اليمن، كما لبعض الميليشيات العراقية التابعة للحرس الثوري الإيراني، صفة “المقاومة”، ويحفظ له أتباعه والمناصرون في لبنان والبلاد العربية هذه الصفة ولا ينادونه إلا بها. أما من هم دون ذلك مرتبة، كما نظام الأسد وميليشياته والأحزاب اليسارية المؤيدة له ولـ”مقاومة” حزب الله والملالي فتحتفظ لنفسها وتكتفي بصفة “ممانعة”. وتتنوع قوى الممانعة من حيث الموقع والأداء والدور، لكنّها جميعا ترفع الخطاب نفسه ولو بألوان مختلفة تتراوح بين الأحمر والبرتقالي والأخضر وصولا إلى الأسود.. وتتشارك جميعها باعتماد أدبية “المؤامرة الصهيوأميركية” التي لها جذور تاريخية في الوعي السياسي العربي إلى أن وضع نظام الملالي الإيراني يده عليها فبات هو الأب الروحي لهذه الأدبية السياسية.

إذن هناك مستويات من الممانعة وهناك صنوف من الممانعين ولكنهم جميعا يتفقون على معطى أساسي يقوم عليه الفكر الممانع يرتكز على مفهوم المؤامرة وتحديدا المؤامرة الصهيوأميركية التي هي بنظرهم قادرة ليس فقط على تحريك قوى سياسية وعسكرية وقتالية تستهدف نظام الممانعة الأسدي و”محور المقاومة” الذي تتزعمه مافيا الملالي المسيطرة في طهران، إنما بإمكانها تحريك الملايين من البشر المفقرين من سيدي بوزيد وعموم تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى اليمن وصولا إلى “سوريا الأسد”. ولكنها عجزت حتى الآن عن تحقيق أهدافها بفضل صمود نظام الممانعة الأسدي بدعم من محور المقاومة الممتد من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت.

وإذا كانت هناك مستويات وصنوف من الممانعة والممانعين فإن نظرت فيهم تجد منهم المنتفع في السياسة والنفوذ، والمُتمسِّك المُمسِك بتماسُك الجبهة المذهبية خشية اليُتم إذا تفكّكت، والمُنظّر اليساري الذي ينظر إلى نفسه كامتداد لحركة تحرر وطني تلاشت ركائزها قبل انتهاء الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوفييتي السابق وانهيار محوره “الاشتراكي”.

غير أن تمرير الرسائل من خارج سياق الخطاب ومن خارج المناسبة في محاولة للدفاع عن “سلاح المقاومة” وتخوين من يتوجه إليه بالنقد أو الاتهام ليس فكرا ولا سياسة بقدر ما هو تزلّف وتملّق مُنحط، بل شديد الانحطاط.

كانت حركات التحرر الوطني التي مثّلت قوى اليسار المدعوم من الاتحاد السوفييتي أبرز أركانها، وكانت قد استفادت من التناقض الدولي على مدى عقود الحرب الباردة بين حلف وارسو بزعامة الاتحاد السوفييتي وبين حلف شمال الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة فحققت العديد من الإنجازات في بلدان جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية وأوصلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأمم المتحدة والاعتراف الدولي بشرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني.

Thumbnail

هذه القوى اليسارية التي استلهمت نظريتها وأفكارها ممّا أغدق عليها “العلماء السوفييت” من تعاليم كان محورها العداء للإمبريالية الغربية المُتجسِّدة بالسيطرة العسكرية والاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، أصبحت ترى في الولايات المتحدة الداعم الرئيسي للاحتلال الصهيوني لفلسطين، الطرف الثاني في “التناقض الرئيسي” مع حركات التحرر الوطني عموما ومع هذا اليسار على وجه الخصوص. وبهذا أصبحت الولايات المتحدة في ذاتها ودون سواها بالنسبة إلى هذا اليسار التجسيد المادي الوحيد ربما، للإمبريالية، ليتطابق هذا الفهم مع مصطلح “الشيطان الأكبر” الذي أطلقه نظام الخميني على الولايات المتحدة التي باتت بنظر هؤلاء هي الشرّ المطلق الذي يختصر في ذاته كل الشرور والذي منه ينطلق ويتشعب كلُّ شر.

وإذ يتجمد التاريخ عند منظري الممانعة في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فهم غير قادرين على رؤية التحولات والتغيرات الضخمة التي اجتاحت العالم على مدى نصف قرن شهد انهيار الاتحاد السوفييتي ومحوره كما شهد تبدّلا طاول في العمق طبيعة النظام الرأسمالي العالمي قُبيل وبعد استكمال سيطرته على العالم نتيجة ذلك الانهيار، كما ظلوا عاجزين عن رؤية التحول العميق في طبيعة النظام الصيني نفسه الذي لا يزال على رأسه حزب شيوعي تخلّى تماما عن التحول الاشتراكي لمصلحة نظام ليبرالي منغمس كليا في النظام العالمي ويعمل بضراوة على استيفاء كل مقومات الدولة الإمبريالية بدءا من تصدير رأس المال وصولا إلى التحكم بموارد البلدان الأخرى.

وحين أطلق سلامة كيلة تسمية “إمبريالية” على التدخلات العسكرية لروسيا البوتينية في بلاد القوقاز وأوكرانيا وسوريا ومحاولات الترويج لصناعة الأسلحة الروسية من خلال تجربة أشد أنواعها فتكا على المدن السورية والبنى المدنية فيها، قامت قيامة هؤلاء المنظرين دفاعا عن روسيا “التنمية المستقلة” وعن الرفيق فلاديمير بوتين! شاجبين إطلاق صفة “إمبريالية” على السياسات العدوانية الروسية حيال شعوب تلك البلدان. فالإمبريالية في نظرهم هي الولايات المتحدة ولا شيء سوى الولايات المتحدة. في حين أن التعريف الماركسي للإمبريالية يجب أن ينطلق من طبيعة الأنظمة المسيطرة: فكل نظام رأسمالي هو “بالقوة” إمبريالية، وإن لم يستطع فلن يكون إلا تابعا لمركز أو لمراكز إمبريالية قائمة.

المؤامرات موجودة تاريخيا، لكنها ليست محور الكون. اتفاقية سايكس بيكو مؤامرة، وعد بلفور مؤامرة، إقامة كيان اقتلاعي إحلالي وعنصري عدواني في قلب البلاد العربية، فلسطين، مؤامرة، الاعتراف بالدولة الصهيونية مؤامرة (شارك فيها الاتحاد السوفييتي نفسه..).

أما المؤامرة الصهيوأميركية فهي في استمرار دعم الولايات المتحدة للكيان الغاصب على الرغم من كل مجازره وحروبه العدوانية على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية واستمرار السياسة الأميركية الهادفة إلى تأكيد تفوق هذا الكيان على الدول العربية مجتمعة في جميع النواحي.

لكن بؤس الفكر الممانع يتجلى في عدم قدرته على رؤية المؤامرة الصهيوأميركية التي تظهر جليّةً في فتح أبواب العراق بعد احتلاله للحرس الثوري الإيراني وميليشياته التي استباحت العراق وسوريا لاحقا، ولا يرى كيف تُرك حزب الله يندفع داخل سوريا لقمع شعبها وقتله وتشريده وهو الذي ثار على نظام الأسد بعد أن وصل به القهر والإملاق حَدّا لا يمكن تحمّله نتيجة سياسات هذا النظام الاقتصادية النيولبرالية المُدمّرة والقمع الوحشي الذي مارسته أجهزته على الناس.

إن استمرار وجود بشار الأسد ونظام حكمه الدموي في سوريا ومحاولة إعادة تأهيله على الرغم من كل الجرائم التي ارتكبها أقلّه طيلة عقد من الزمن، ومنها استجلابه كل هذه الاحتلالات إلى سوريا وتشريد شعبها، وحده كافٍ ليرى الجميع تجليا فاقعا للمؤامرة الصهيوأميركية على الشعب السوري وكل شعوب المنطقة، الأمر الذي يرفض منظرو الممانعة أن يروه.

إنه بالفعل بؤس الفكر الممانع.

9