بؤس الليبراليين وفائض الأمركة

الأحد 2016/07/10

تضجّ القنوات الفضائية والأرضية، وتزخر الصحف والدوريات العالمية والعربية بالتحليلات السياسية والآراء التي ينظّر لها فيالق من أصحاب الرأي وحملة الأقلام المنظرين لليبرالية والتي تتركز حول أخطاء السياسات الأميركية في العراق التي لولاها لما أصبح العراق لقمة سائغة في فم الولي الفقيه الإيراني ولما أصابه ما أصابه من كوارث.

إذ لولا تلكم الأخطاء لكان العراق اليوم ينعم بديمقراطية نموذجية من مثل ما دأبت الاستراتيجية الأميركية العامة في تقديم جزيل التضحيات من أجل نشرها وتوزيعها على بلدان العالم بكل ممنونية ومع فائق الاحترام!

وعندما تسألهم عن الأخطاء في السياسة الأميركية في العراق يستعرضون لك قائمة طويلة عريضة منها تبدأ بحل الجيش العراقي ولا تنتهي بالانسحاب العسكري غير المدروس من العراق مرورا بالعشرات من الأخطاء التي اشتملت عليها العملية السياسية والسلوك الاحتلالي وتسليم السلطة للأحزاب الطائفية الشيعية وتهميش السنة ووووو..

فطاحل الليبرالية أنفسهم، قرّاء الاستراتيجية الأميركية وتراجمتها، لم يكلّوا من تقديم التحليلات والآراء التي تحمّل مسؤولية ما يجري في سوريا للرؤية “الأوبامية” التي حكمت السياسة الأميركية خلال ولاية الرئيس باراك أوباما والتي اتسمت بالانكفاء والتردد والتراجع عن الخطوط الحمراء حيال جرائم نظام الأسد ضد الإنسانية التي ما فتئ يرتكبها بحق الشعب السوري. تراهم يمعنون النظر في شخصية الرجل وفي تأثره بمراحل طفولته وفي أصوله العرقية وفي العوامل النفسية والاجتماعية التي شكلت شخصيته بحثا عن الأسباب الكامنة وراء هذا التردد وهذا الانكفاء!

وفي السياق، يأسف أحد أبرز فطاحلة الليبراليين العرب “أنّ الولايات المتّحدة في عهد أوباما كانت، لسوء حظّنا وحظّ سوريا، أقلّ إمبريالية وتدخليّة ممّا كانت يساريّة مضبوطة بتقليد الانكفاء عن التدخّل في العالم”… ففي ظنه “أنّ موقفا إمبرياليا جدّيّا يضغط على الأسد، بل يزيحه، كان ليفعل أضعاف ما تفعله النظريّات”.. وهنا “الظن” يحمل معنى التوكيد لا التوقع والاحتمال! هذا بالرغم مما جرّه “الموقف الإمبريالي الجديد” لأميركا نفسها في عهدي جورج بوش الأب والابن على العراق من ويلات لا تزال تمعن فيه حروبا وخرابا وتدميرا!

هؤلاء ينظرون إلى المارد الأميركي باعتباره كليّ القدرة ونهائي السيطرة ونموذجا، بل أستاذا في الديمقراطية، يختصر تاريخها منذ أثينا ويرسم معالم مستقبلها على أجداثنا! فينسبون إليه مسؤوليات عظمى في السياسة والأخلاق وفي الحفاظ على النظام العالمي وفي ترسيخ قيم الحداثة والديمقراطية والحرية، ثم يعتبرون ذلك محور الاستراتيجية السياسية العامة للدولة الأميركية! الاستراتيجية التي لولا أخطاء بوش وأخطاء أوباما لعممت الفرح والسعادة على العالمين!

وللمفارقة المضحكة، فإن هؤلاء أنفسهم، (الذين يتندرون بوصفها بالإمبريالية) حين تسألهم عن انتخابات الرئاسة الأميركية يؤكدون لك أنها في مجملها عملية سياسية انتخابية تقودها الكارتيلات الاقتصادية الأميركية الكبرى بما يتناسب ومصالحها حول العالم! ولا ينسى أن يذكرك هؤلاء بالتمويل الهائل الذي تضخه تلك الكارتيلات في الحملات الانتخابية الرئاسية التي تستمر لعام كامل، والتي تشتمل على مهرجانات انتخابية متواصلة للمرشحين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وبِجرّ الناخبين مرتين في العام، مرة لاختيار مندوبي كلّ من الحزبين ومرة لاختيار المندوبين المخوّلين لاختيار الرئيس من بين اثنين: جمهوري وديمقراطي.

إذن، بنظر هؤلاء، فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية وخصوصا حيال سوريا والتدخلات الواسعة فيها من قبل إيران وأدواتها الميليشياوية وروسيا بجيوشها ومداخلاتها السياسية، إضافة إلى المجازر اليومية، لم تكن لتكون كذلك إلا بوجود باراك أوباما على رأس الدولة.

هذه الرؤية تروّج، ولو بشكل غير مباشر إلى، احتمالات كبيرة لتغيّر عميق في السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد انتهاء ولاية أوباما، أي بعد بضعة أشهر من الآن! لكنهم يستدركون، أن ما رسمه الرئيس أوباما من الصعب لخلفه أن يتجاوزه في غضون أشهر، وربما سنوات!

يتعذر على الليبراليين، وأخصّهم العرب، أن يقرؤوا في السياسة ما ترسمه المصالح “الإمبريالية” الكبرى من استراتيجيات. هذه المصالح التي لا تتقرر في البيت الأبيض، ولا يحسم في مصيرها قرار رئاسي من فرد ومجموعة مستشارين مقربين، بل في أروقة أخرى تماما حيث الشركات متعددة الجنسيات التي تمثل الأميركية منها غالبية ساحقة، وحيث البيوتات المالية التي يمثل البنك الدولي دماغها المتحكم، وحيث التجارة العالمية التي تمثل منظمة التجارة العالمية ناظمها الرئيس، وحيث كارتيلات السلاح والنفط التي تتحكم بأسواق الحرب والسلام.

إنها الإمبريالية يا عزيزي، وليست سلسلة جمعيات خيرية، ولو أن كثيرا من الجمعيات الخيرية باتت اليوم أكثر “مردودية” من المصالح التجارية. والإمبريالية، تدرك مصالحها جيدا وترسم استراتيجياتها بعيدة المدى وفق تلك المصالح، ولو على أجداث مجتمعات بأكملها، بل على أجداث مجتمعات بأكملها لأن مصالح الإمبرياليين لا يمكن أن تتلاقى ومصالح المجتمعات التواقة إلى التحرر والتقدم والديمقراطية.

وأميركيا الإمبريالية، ذات أكبر اقتصاد في العالم وأكبر الشركات الاقتصادية في العالم والتي هي أكبر مصنّع وبائع للسلاح في العالم، والتي تحكم العالم بالورقة الخضراء وبالأساطيل، وقبل هذا وتلك بأكثر أجهزة الاستخبارات حرفية واستقلالية، لا تحكمها “شبوبية” الرئيس وكاريزماه الشخصية، الرئيس الذي يتم اختياره فقط لتنفيذ السياسات المرسومة وفقا لمقتضيات المرحلة بما يحقق المصالح الإمبريالية لتلك الإمبراطوريات الاقتصادية في العالم.

ما يسميه الليبراليون أخطاء أو سلسة أخطاء في السياسة الخارجية الأميركية هنا وهناك، ليس إلا نهجا سياسيا محكما، مآلاته إحكام سيطرة القوى العظمى في النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الأميركيين على العالم وتعظيمها.

كاتب لبناني

4