بؤس تقارير الإعلام القطري

منطق الإنكار المعهود في الخطاب "الإخواني" يلقي بظلاله على تقارير الإعلام القطري. فأي عملية إرهابية خائبة، في أي مكان، ليست إلا من صنيع آخرين ولا علاقة حتى لجماعات "السلفية الجهادية" بها.
الخميس 2018/03/08
علاقة وطيدة عصية عن المخربين

على الرغم من تركيز الإعلام الذي تموّله قطر، على فرضية وجود حساسيات في العلاقة بين السعودية والإمارات، والتركيز في سياق هذه الفرضية، على وجود أجندات متعارضة جذريا لكلا الدولتين، في اليمن والإقليم؛ إلا أن كل حكاية من نسج الخيال، عن “مؤامرة” يزعمها هذا الإعلام، تتجاهل فرضية الحساسيات والتعارضات، وتجعل البلدين، السعودية والإمارات، شريكتين حصريتين في هذه المؤامرة.

في رواية جديدة، أرهقت على الأرجح الخيال الكيدي، وهي تتعلق بالجمهورية التونسية؛ قيل في أحد منابر الإعلام المموّل من قطر، إن السعودية والإمارات ضليعتان في “مؤامرة” لإعادة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى السلطة.

 تقوم سردية الرواية على ما قيل إنها سطور لمغرّد سعودي أطلق على نفسه اسم “مجتهد”. وأغلب الظن أن بن علي، الذي أخذها سريعا من قصيرها، وفرّ إلى منفاه السعودي، ليس مستعدا هو نفسه، وليست لديه القناعة في العودة إلى الحكم في تونس، ولا يمكن أن يتخيّل عاقل، سواء كان مجتهدا كذوبا أو كسولا خاملا، أن عودة بن علي، تصلح وصفة لمعالجة أوضاع تونس، ناهيك عن كون هكذا موضوع، ليس من بين الشواغل الكثيرة للسعودية والإمارات، على اعتبار أن ما يروق لقيادتي البلدين، بالنسبة لتونس، هو تثبيت الحكم القائم فيها ومساندته، طالما أن “الإخوان” لا يحكمون من خلال “النهضة”.

تستند السردية الساذجة، إلى ما تصفه “مصدر سعودي” فتطلق العنان للتفصيلات، ليتبدى “مجتهد” الغامض، مصدراً وحيداً، يُبنى على ما يقول. أما زجّ اسم دولة الإمارات في الحكاية، فلا مصدر له، ولا “مجتهد” عليه.

ومن المفارقات أن كل ما يُقال عن الإمارات في الإعلام الذي تموّله قطر، على كثرته، لم يستند إلى تصريح أو إيماءة من الإمارات نفسها، لأن قادة هذا البلد لا يميلون إلى الثرثرة والخوض في لعبة التصريحات المتعلقة بشؤون دول أخرى، ولا يميلون كذلك إلى الإفاضة في الحديث عن أدوارهم في البلدان التي تعنيهم، في سياق مساعيهم إلى الحيلولة دون بسط الإيرانيين نفوذهم على المشرق العربي، وتلك وجهة دفاعية بحتة، اقتضتها اعتبارات أمن الخليج برمّته.

فما هو الخيط الرفيع الذي يمكن من خلاله تخليق دور للإمارات في “مؤامرة” ضد الحكم في تونس، علما بأن مثل هذه الوجهة أبعد ما تكون عن خيارات الإمارات ورغباتها؟ وأي جدل ذلك الذي يزعم منبر إعلامي مموّل من قطر، أنه يدور في تونس حول زيارة يقوم بها وزير داخلية البلاد، إلى السعودية، وما هي شواهد هذا الجدل وما هي علاقته بالإمارات؟ لعل مراسل الصحيفة التي نشرت، وجد من مصلحته أن يغزل في هذا الاتجاه، لكي يبرهن على جدارته ويُثاب. ذلك لأن سوق السجالات العربية باتت بالنسبة لمن يريدون التربح، سوقاً ملائمة لتصريف بضاعة مغشوشة. فما نقرأه ونتعجب له، ألاّ تكون زيارة وزير للداخلية، معنيٌ بالشأن الأمني، أمراً طبيعياً، لا سيما عندما يكون التعاون في مثل هذه الظروف التي يمر بها العالم العربي، مطلبا حيويا لبلد لديه احتياجاته من المعلومات والإمكانيات.

وبحكم أن فكرة إعادة بن علي إلى السلطة في تونس، مقاربة مستفزة، يتلقفها البسطاء بكل التطيّر، فقد استخدمها الملفّقون وصنعوا منها سرديتهم لتأليب الشعب التونسي ضد بلدين لا مصلحة لهما في استعدائه ولهم كل المصلحة في صداقته.

وبدا واضحا، أن الأمر الأهم، عند المشتغلين في الإعلام القطري، هو إرضاء الحكم في قطر التي خاب مسعاها إلى تكريس أي حكم “إخواني” في العالم العربي.

والطريف أن الصياغة الركيكة، لتقرير يسترضي الحكم في قطر، تقول إن “مصادر سعودية” اتهمت البلدين، أي السعودية والإمارات، بتوتير الوضع الأمني في تونس، بمعنى أن “المصدر السعودي” الوهمي يتهم بلاده، ومعها بلد آخر بالتوتير.

فأي مصدر هذا الذي يتهم بلاده، علما بأن السعودية لا حزب شيوعيا فيها ولا حزب ثوريا متطرفا، ولا حزب مواليا لإيران. ولو كان فيها مثل هذه الأحزاب، لما كانت معنية بخدمة قطر و“الإخوان”. فمن أين جاء هذا المصدر؟

في هذا السياق، كمثال، سرعان ما بدأ المصدر الذي وُصف أنه مطلع، يشكو من تكتم السعودية والوزير التونسي لطفي براهم، ما اضطر التقرير إلى الاستعانة بالسعودي “مجتهد” الذي يؤكد للإعلام القطري، أن السعودية والإمارات “تحبان أسلوب التركيع مع الدول الضعيفة” وبرهان “المجتهد” على هذا الاتهام، هو أن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، لم يزر السعودية والإمارات في جولته الأخيرة، ولا نعلم كيف يكون رفض التركيع هو سبب الاستنكاف عن الزيارة، علما بأن المنطق يوجبها إن كان ثمة محاولة حقاً للتركيع، لأداء واجب تسجيل الرفض بشجاعة، ونقل وجهة النظر الشعبية التونسية، التي ترفض عودة رئيس أسبق.

في هذا السياق يُلقي منطق الإنكار المعهود في الخطاب “الإخواني” بظلاله على تقارير الإعلام القطري. فأيّ عملية إرهابية خائبة، في أي مكان، ليست إلا من صنيع آخرين ولا علاقة حتى لجماعات “السلفية الجهادية” بها، فهي عملية وهمية في لغتهم الإعلامية.

 هكذا يقال حتى عن العمليات الإجرامية التي تجري في سيناء، وينفذها إرهابيو “السلفية الجهادية” رديفة “الموساد” في شبه جزيرة سيناء.

 فبعد كل عملية، يزعم “الإخوان” أن الدولة المصرية هي التي تقف وراء العملية، بمعنى أن لا إرهابيين في الحقيقة، وكل ما يُقال ملفق. لكن هذا البؤس في المنطق لم يعد ينطلي حتى على السُذّج.

8