بإعلان "خلافة البغدادي" ينتهي الإصلاح الديني

الأربعاء 2014/07/02

منذ عصر التنوير العربي، يشهد الإصلاح الديني إخفاقاً تلو الآخر. ويذهب من تشدّدٍ نحو مغالاة أكبر. الحصيلة تشير أن هذا الإصلاح ليس قادرا على أن يكون المدخل لأزمة مجتمعاتنا الغارقة في التدهور الاقتصادي والتفتت المجتمعي والأنظمة الشمولية وتقييد الحريات والتدخل في الحرية الشخصية.

هذه هي سيرورة الإصلاح الديني الذي أوصلنا إلى الدولة الإسلامية وإعلان أبو بكر البغدادي، أمير «داعش» أنه خليفة المسلمين، ويقع بعد ذلك، أن على الإسلام السياسي بكل تلاوينه إعلان البيعة وإلا سيكون حكم الردة نافذ عليهم.

ويعود السؤال مجدداً لماذا نحج الإصلاح الأوروبي وفشل الإصلاح العربي؛ هذا السؤال يخفي الأصل الواقعي لكل من الإصلاح الأوروبي والإصلاح العربي كذلك، ويصوّر الأمر وكأنّه محض مشروع ثقافي، وهو ليس كذلك. الموضوع الفعلي هو انتقالٌ كامل في المجتمع من بنية اجتماعية إلى بنية اجتماعية جديدة ومختلفة، وهو ما فرض إصلاحاً دينياً أقصى الدين عن دائرة الدولة والحريات والحرية الشخصية، وأحلّ العقل والفرد مكان الدين وحطم أسوار النبلاء وشكل دولة السوق القومية؛ هنا يصبح الدين بلا سلطة سياسية، وبلا عمل مجتمعي وبلا فائدة واقعية، ويذهب مباشرة نحو الإيمان بالله وتنزيهه وأنّه علاقة مميزة بين الفرد والله.

هذا لم يوجد في بلاد العرب؛ فقد لعبت الدولة العربية منذ تشكلت بموضوع الدين، وكانت الشريعة دائماً أساس القوانين، ولم تمنع الأحزاب التي تقوم على أساس الدين، وبقي الحكام يستجيرون بالدين من شعوبهم، ومن الأحزاب الإسلامية حين تقوى على طريقة أنور السادات وحافظ الأسد وصدام حسين وسواهم، عدا عن دول تقيم ممالكها وفق هذا الأساس، وتقدم نفسها كحافظة للدين.

الدين لا يحتمل اللعب به ما دامت الطبقة التي تقود المجتمع فاقدة للمشروع التاريخي الذي يتيح الخروج عن الولايات والإمارات والسلطنات؛ ففي هذا العالم المغلق والهامشي والضعيف لا يمكن للدين المستند إلى دولة الخلافة والفاتح للعالم أن يصمت؛ لا بد له من التقدم لإعلان ذاته، أنّه هو الحل الكلي الشامل لكل مشكلات المجتمع والمتصدي لكل دول العالم الطامعة في أرضه وعرضه وفيه.

إذن لم تنشأ دولة أبو مصعب الزرقاوي من قبل، وخلافة البغدادي الآن وقبلهما ابن لادن وجبهته العالمية لتحرير العالم، من العدم والفراغ والتسلية بتقليب صفحات التاريخ الديني القديم.

إن نشوء هذه «الدول» يعني فشلا للطبقة البرجوازية العربية المسيطرة، السابقة للاستقلال واللاحقة عليه، وإعلاناً بأنها بلا أية مشروعية تاريخية، فهي لا تشكل سوقاً قارية بل خلقت اثنين وعشرين دولة، وفشلت في أن تتعدى أشكال الحكم القروسطية وظل المجتمع ينقاد بالعائلية والعشائرية والمناطقية، ولم يتعزز دور الفرد والعقل ومفهوم المواطنة والحقوق والواجبات. أي هناك فشل كامل وأزمات مفتوحة بلا أي شكل من أشكال الحداثة بمعناها القطعي، بل تحديث يشوّش على الحداثة، ويتقدم بها عارية عن أصلها؛ فيرتد التحديث إلى أصله القروسطي، أي يرتد المجتمع إلى بنيته القديمة، وهذا لا يتم لأن المجتمع لم يتجاوز بنيته القديمة تلك، بل لأن الطبقة البرجوازية الحاكمة، لا يمكنها أن تكون حداثية بالفعل، فتستجدي القديم لتهيمن وتتأبد.

كل أشكال الإصلاح الديني كانت تعبيراً عن فشل تلك الطبقة، وأما التنظيمات الجهادية فيه، وهي الأخطر والأكثر تدميراً لنواتات الحداثة وللتحديث الهامشي، فهي في وجه منها صناعة الاستخبارات العربية والأميركية بصف خاصة، ولاحقاً دخلت الاستخبارات الإيرانية تحديداً مع نشأة الدولة «الإسلامية» في عام 1979 في إيران إلى هذا الميدان، وببدء الحرب على أفغانستان بدأ التنسيق الواسع بين عدة دول في منطقتنا وفي العالم بغرض وحيد هو مواجهة الدولة الشيوعية في أفغانستان، وحينها بدأت بوادر الإفلاس الأوضح في مشروع الإصلاح الديني؛ وهنا نشير ليس الإسلام السياسي بأوجهه المتعددة، الصوفي والسلفي والجهادي بصفة خاصة نقيض الإصلاح الديني بل هو مرحلة متقدمة عنه. وجود مثقفين يحاولون انتهاج إصلاح ديني شبيه بالإصلاح الأوروبي لا يغير من هذه الحقيقة، بل يثبت هذا الخيار؛ أي التحول من الإصلاح الديني، إلى الدولة الإسلامية بقيادة الخليفة أبو بكر البغدادي.

أعلن أبو بكر خلافته، والدول العربية تشهد سيروات ثورية وثورات شعبية عارمة ضد الطبقة البرجوازية المسيطرة في كامل البلاد العربية. وإذا تتبعنا إخفاق الإخوان المسلمين في مصر، وتهميشهم في تونس، وتعثرهم في تركيا، ومحدودية دورهم في العراق وغير ذلك، فإنّ هذا الإعلان ضروريٌ لخلق إرباكٍ كبير لدى الوعي العربي، وإدخاله في حروب وصراعات وتمزقات للبحث مجدداً عن هويته، فهل هو إسلامي، أو أن الإسلام جزء من هويته، أم أن الإسلام أمر ديني وعلاقة مميزة مع الإله، وكيف ستكون العلاقة مع بقية الطوائف والمذاهب، ثم أليس من حقنا أن نبني دولتنا وفق ديننا الحنيف، ولكن ألم تفشل دولة الخلافة من قبل، وكيف يمكنها أن تنجح، وستتكاثر الأسئلة الباحثة عن إجابات؛ هذه البيئة الغارقة في الفقر والتخلف والعطالة عن العمل والممتلئة إلى حدود التخمة بالسلاح وبالمال السياسي «الجهادي» ستدفع ألوف الشباب لتبنى التأويل الجهادي الأشد انغلاقاً وعصبوية، وربما هذا ما يعرفه جيداً البغدادي والاستخبارات؛ وبهذا يتم مواجهة الثورات العربية.

من سيطرح على نفسه هذه الأسئلة هو قطاع شبابي عاطل عن العمل ومفقر وسدّت أمامه الأفق، وسيذهب للجهاد هناك وسيبايع؛ أما بقية المجتمع فسيبقى انشغاله الرئيسي، هو تدبر شؤون حياته وسيجدد ثورته للحصول على حياة أفضل فيها عمل وطبابة وتعليم وسكن وحريات أفضل وحياة بلا حروب ودولة لكل الناس.

أما كل تلاوين الإسلام السياسي، فتقع عليها مبايعة البغدادي لكونه خليفة المسلمين، وإن رفضت ذلك فهي راغبة في أن تكون هي مشروع الخلافة؛ ربما خلافة البغدادي ستسهم في إبعاد الناس عن اللعب بالدين وعن توظيفه سياسياً، وإعادة تأويله كعلاقة مميزة مع الله كما أشرنا؟


كاتب سوري

9