"بئر زينب" رواية كاتبة يمنية عن الثورة والخذلان والأمل

كلّ ثورة لها مَنسيوها، أولئك الذين خذلهم أصحاب المال والسلطة والتدخلات الخارجيّة، ليبقوا مهمشين ثم تتحول حكاياتهم إلى رومانسيات نستعيدها خلال الأسمار، في أحاديث عن الثورة المرجوة، والأحلام بنقاوتها، وتفاني أصحابها الحقيقيين في سبيل الانعتاق، غير أن الثورة تتحول في رواية “بئر زينب”، للكاتبة اليمنية ندى شعلان، إلى مطمح فردي للمتنفذين والمتسلقين وتغدو سببا لصراعات مصيرية محكومة بالخسارات.
الخميس 2015/10/15
التلاعب السياسي كان أشد من عزيمة الثوار

في روايتها الثانية الموسومة بـ“بئر زينب”، الصادرة هذا العام، عن دار نوفل – هاشيت أنطوان، تقدم الكاتبة اليمنيّة ندى شعلان حكاية زينب وخالد، اللذين يلتقيان في أحد المشافي، ليستعيدا الماضي والحاضر في حديث عن اليمن والإخفاقات والنجاحات التي مرّت بها الثورة من جهة، وحياة زينب الشخصية من جهة أخرى.

استعادة الماضي

مصادفة، تلتقي زينب بخالد أثناء عيادتها لابنتها التي تنتظر مولودا، خالد هو شاب كان تلميذا لأخيها يوسف في القرية، وهو الذي شارك في الثورة اليمنيّة واعتصاماتها، نراه في بداية الرواية في مشفى مصابا بالغرغرينا التي تهدد قدمه بالقطع لأنه لم يتلق العلاج المناسب، لأنه رفض الانصياع لنظام الأحزاب ما أدّى إلى حرمانه من مستحقات علاج المشاركين في الثورة، وتفاقم حالته سيؤدّي إلى بتر ساقه.

يستعيد كل من خالد وزينب الذكريات المشتركة، ليبدأ كل منهما بالحديث عما شهده، زينب الفتاة المتعلمة تحكي قصتها وعشقها للؤي اللقيط المشوّه الذي تبناه الشيخ، ثم خذلها بسبب ضعفه وعدم قدرته على الزواج بها لتهتك شخصيته، ما جعلها فريسة لوالده الشيخ، الذي يتزوجها ويحيل حياتها جحيما لكرهها له.

ثم تروي بعد ذلك مأساة أخيها يوسف، وعودته إلى القرية بعد تخرجه من الدراسة محملا بالأفكار الثورية، والذي لا تخفى كراهيته للشيخ بصفته مستبدا تزوّج أخته غصبا، كما استولى على أرض والدته. الحب الذي تكنه زينب للؤي يتواصل رغم استمرار خذلانه لها وعجزه عن الهرب معها بعيدا، لتتمزق حياتها بين إرضاء الشيخ واستمالته كي لا يبطش بأخيها الذي ينتهي به الأمر قتيلا على يد رجالات الشيخ، وبين حرقة قلبها على لؤي الذي خذلها، لتنتهي بها القصة بأن تُتهم من قبل زوجة الشيخ الأولى بخيانته مع ابنه لؤي وحملها منه، فيحبسها الشيخ في قبو حيث يولد طفلها الأول هناك، ثم يفجعها بموته بعد ولادته بقليل.

الثورة في الرواية ترسم انهيار الأحلام الرومانسية للثوار بسبب بطش السلطة والصراعات لأجل المصالح الذاتية
ما حدث دمّر حياة الشيخ الذي سيتيقن لاحقا أن زينب لم تخنه، إلا أن الأوان قد فات، فالطفل مات ولؤي نُبذ من قبل الشيخ، ليكون هذا الحدث انقلابا في حياة لؤي، الذي تحرر من قيد الأسرة التي تبنته ورأت فيه عبدا لها، وبعد خسارة أرضه والمرأة التي أحبها، يرحل ثم يعود بعد بضع سنوات لإشعال الحب بينه وبين زينب مرة أخرى، التي تنتهي زوجة له وأمّا لأطفاله.

المأساة التي تحملها الرواية تبذر لإرهاصات الثورة في اليمن فالعقلية القبلية والاستبدادية تبدو واضحة لدى الشيخ وتعامله مع زينب ومع سكان القرية، فهو يبسط نفوذه ويبطش بمن يريد في سبيل مصالحه، في حين أن خالدا -تلميذ يوسف الذي نشأ على أفكاره الثوريّة- يحدث زينب عن آرائه في ثورة اليمن وكيف تلاعب بها علي عبدالله صالح، وحولها لخدمته وخدمة المصالح الخارجية، فيتشتت هو ورفاقه من الثوريين الذين ضاعت حقوقهم ومطالبهم النقية بين الصراعات الداخلية والخارجيّة، لتبقى آراؤه السياسية حبيسة ما يكتبه من أوراق في المشفى، وعبر نقاشاته مع النزلاء الآخرين.

الثورة التي تتحدث عنها شعلان في الرواية مأسوية، ترسم انهيار الأحلام الرومانسية للثوار بسبب بطش السلطة من جهة وصراع المصالح من جهة أخرى، إلى جانب ذلك نرى بذور هذه الثورة في حكاية زينب، على يد أخيها يوسف الذي قبل أن يعمل مديرا لمدرسة القرية فينشر الأفكار الثورية لدى الجيل الناشئ، ويشارك في إضراب العمال تحت إمرة الشيخ.

الكاتبة ندى شعلان تحكي قصة ثورة اليمن ومنسييها إلى جانب معاناة امرأة في سبيل حريتها وانعتاقها

القدر والخسارات

الرواية تستدعي العوامل الإيجابيّة في الثورة اليمنية التي حاولت إسقاط سلطة القمع، إذ يتحدث خالد عن دور العشائر الإيجابي وعدم تورطها في العنف في بداية الثورة إلى جانب مشاركة المرأة في الاحتجاجات، في حين أن قصة زينب تستدعي أهمية التعليم ونشر الوعي في سبيل قيام الثورة ضدّ الظلم والقمع.

إلا أن البطش والتلاعب السياسي كان أشدّ من عزيمة الثوار، لتغدو الحيوات الفردية ضائعة ومهمّشة في ظل سطوة العنف والدكتاتوريّة، وهذا ما انعكس على شخوص الرواية بل حتى على تكوينهم الجسدي، فلؤي مصاب بتشوّه في يده، وخالد ينتهي به الأمر إلى فقدان ساقه، وزينب تفقد طفلها.

هذه التشوهات التي تحملها الشخصيات هي إمّا وليدة الماضي كحالة لؤي الذي ولد لقيطا، ودجّن ليتحول عبدا للطاغية الشيخ، وتكون اليد الاصطناعية التي قدّمها له الشيخ هي وسيلة استعباد لا عون، أو كحالة خالد الذي فقد ساقه بسبب الخذلان والبطش الذي تعرض له الحراك الثوري، هذه التشوّهات أصابت كل الحاضرين، فالسرد يقدّم لنا شخصيات تتداعى حيواتها، أو تنجو مكلومة إثر القهر السياسي والاجتماعي، لتنتهي الرواية برومانسية، لكنها في النهاية مشوّهة إثر ما حصل؛ زينب تتزوج لؤي، وخالد يفقد ساقه إلا أنه ينشر مؤلفه عن الثورة “المنسيون”، متحدثا فيه عن الذين لم يتلقوا العلاج المناسب في المشافي إثر مشاركتهم في الثورة، وكأن الجميع استكان.

14