بابا الفاتيكان: بكيت لهول ما استمعت من الروهينغا

الزيارة التي أداها بابا الفاتيكان إلى كل من بورما وبنغلاديش، والتفاعل الذي ربطه بلاجئي الروهينغا، جعل كل ممثلي الجماعات الدينية في المنطقة، يصنفون البابا فرانسيس واحدا من أكبر صانعي السلام في هذا العالم المعفر بغبار الحروب والكراهية، كما مثلت هذه الزيارة الحساسة خطوة مهمة نحو لقاءات قادمة ومثمرة، وهو ما كشفته مصادر كاثوليكية داخل الفاتيكان.
الخميس 2017/12/07
حنو إنساني عظيم

روما - سيشارك ممثلون عن مسلمي الروهينغا في مؤتمر السلام المزمع عقده في بانغ لونغ في شهر يناير من العام المقبل.

هذا ما أكده مبعوث جماعة سانت إيجيديو الكاثوليكية إلى مخيمات النازحين الروهينغا في بنغلادش، ألبرتو كاتروتشي، مضيفا أن البابا فرانسيس تمكن من إيصال الرسالة إلى المعنيين، وقد فعل هذا من خلال الخطاب القوي اللهجة الذي ألقاه منذ أيام بدكا، ومن خلال الزيارة التي قادته إلى ميانمار، وأضاف مبعوث جماعة سانت إيجيديو أن البابا كان في غاية الوضوح أيضا أثناء تواجده في يانغون وناي بي تاو، إذ عبّر بطريقة لا لبس فيها عن استراتيجية السلام والحوار، كما أنه تمكّن من إرساء الأسس لعملية ديمقراطية في هذا البلد.

وكان البابا فرانسيس، قد عاد إلى روما مختتما زيارة رسولية وصفت بالحساسة والناجحة، واستغرقت ستة أيام إلى بورما ثم إلى بنغلادش على خلفية الأزمة التي تعانيها أقلية الروهينغا المسلمة.

عاد بابا الفاتيكان بمشاعر إنسانية فياضة بعد استماعه إلى قصص مؤثرة رواها له لاجئون من مسلمي الروهينغا، وقال البابا فرانسيس إنه بكى خلال سماعه لتلك القصص والشهادات أثناء زيارة له إلى بلد يعاني من أزمة لاجئين، وتتعرض فيه أقلية دينية إلى تطهير عرقي.

وكان البابا قد استمع إلى لاجئين من الروهينغا بمختلف أعمارهم وفئاتهم وهم يروون محنتهم مباشرة، وقال إن اللقاء معهم كان أحد الأهداف الأساسية التي وضعها لزيارة ميانمار وبنغلادش.

ويعدّ اللقاء مع مسلمي الروهينغا، بادرة رمزية للغاية تعبّر عن التضامن مع هذه الأقلية المسلمة الهاربة من العنف والتطهير العرقي في ميانمار، وأبلغ البابا الصحافيين المرافقين له على متن الطائرة خلال عودته إلى روما أن اللاجئين بكوا أمامه أيضا. وقال البابا “كنت أعلم أني سألتقي بالروهينغا لكن لم أعرف أين ومتى، بالنسبة إليّ كان هذا أحد أهداف الرحلة”.

استخدام بابا الفاتيكان فرانسيس لكلمة "الروهينغا" في ميانمار قد يشعل التوتر ويعرض المسيحيين هناك للخطر

وكان البابا المعروف بصراحته قد ناشد خلال زيارته ميانمار، القادة البوذيين “تجاوز الأحكام المسبقة والكراهية” في لغة وصفت بأنها أقرب إلى الدبلوماسية وربما استجابة لنصيحة رئيس أساقفة يانغون بأن استخدامه لكلمة “الروهينغا” في ميانمار قد يشعل التوتر ويعرض المسيحيين للخطر، إلا أن البابا فرانسيس، وأثناء وجوده في بنغلادش، تناول الموضوع مباشرة وسمى الأشياء بمسمياتها، وبشجاعته المعهودة أثناء لقاء مؤثر في دكا ببعض لاجئي الروهينغا من المخيمات البائسة في جنوب بنغلادش.

استمع البابا مطولا لهؤلاء اللاجئين وهم يدلون بشهادات وروايات متطابقة عن وقائع مرعبة وفظيعة عن أعمال اغتصاب جماعية وقتل وإحراق قرى نفذها جنود وعناصر ميليشيات بوذية.

وعبّر أحد اللاجئين عن لقائه بالبابا بقوله “إنها المرة الأولى التي أستمع فيها إلى أحد كبار قادة العالم”، مؤكدا أن “هذا اللقاء سيوجه رسالة واضحة لقادة العالم”.

وقال بابا الفاتيكان “بكيت لهول ما استمعت، حاولت أن أخفي دموعي.. وهم بكوا من ناحيتهم أيضا”.

وكان البابا قد خاطب الروهينغا بقوله متمثلا القيم التسامحية في تعاليم المسيحية “أطلب منكم المغفرة نيابة عن هؤلاء الذين أساؤوا إليكم، خصوصا وسط لا مبالاة العالم”.

ويذكر أن أكثر من 620 ألفا من مسلمي الروهينغا قد تدفقوا في الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى جنوب بنغلادش، للإفلات مما اعتبرته الأمم المتحدة تطهيرا عرقيا ينفذه الجيش وميليشيات بوذية في ميانمار.

وزار البابا في اليوم الأخير لجولته مستشفى تديره إرسالية أخوات المحبة التي أسستها الأم تيريزا ثم التقى بعد الظهر برجال دين وشباب من بنغلادش.

ولم تمنع قضية مسلمي الروهينغا التي جعلها البابا على سلم أولوياته من مهمته الرسولية في لقاء رعاياه المسيحيين فلقد استقبلت الأقليتان الكاثوليكيتان في كل من البلدين البابا بحرارة خصوصا أثناء قداسين أحياهما في الهواء الطلق في كل من رانغون ودكا. لكن الملف الطاغي كان أزمة الروهينغا الذين اضطروا إلى الهرب من بورما.

وفي لقاء مع ممثلين عن جماعات دينية مختلفة ببنغلاديش، قال البابا “لقد اجتمعنا لنعمّق صداقتنا ونعبِّر عن رغبتنا المشتركة في عطيّة سلام حقيقيّ وثابت”.

البابا يقول للروهينغا "أطلب منكم المغفرة نيابة عن هؤلاء الذين أساؤوا إليكم، خصوصا وسط لا مبالاة العالم"

وتابع البابا فرانسيس “ليكن لقاؤنا هذا علامة واضحة على جهود قادة وأتباع الديانات الحاضرة في هذا البلد ليعيشوا معا في الاحترام المتبادل والإرادة الصالحة، وفي بنغلادش، حيث يشكّل حقُّ الحريّة الدينيّة مبدأ أساسيا، ليكن هذا الالتزام تذكيرا محترما وحازما لمن يُحرِّض على الانقسامات والحقد والعنف باسم الدين”.

وأضاف البابا يقول “إنها علامة مُشجِّعة في زمننا للمؤمنين والأشخاص ذوي الإرادة الصالحة الذين يشعرون أكثر فأكثر بأنّهم مدعوون إلى التعاون على التنشئة على ثقافة اللقاء والحوار والتعاون في خدمة العائلة البشريّة”.

وواصل مبينا “هذا الأمر يتطلب أكثر من التسامح، ويحثنا لنمدَّ أيدينا إلى الآخر في موقف ثقة متبادلة وتفهم من أجل بناء وحدة تشمل الاختلاف كمصدر للغنى والنمو؛ ويحثنا أيضا على تعزيز انفتاح القلب بشكل يجعلنا نرى الآخرين كطريق لا كعائق”.

وتابع “انفتاح القلب، هذا الشرط الأقوى لثقافة اللقاء، هو باب يسمح لنا بالمبادرة بحوار حياة وليس بمجرّد تبادل بسيط للأفكار، ويتطلّب منا إرادة صالحة وانفتاح وقبول.

وبالتالي فالالتزام المثمر مع الآخر يعني أن نتقاسم هويّاتنا الدينيّة والثقافيّة المختلفة بتواضع وصدق واحترام. يشبه انفتاح القلب أيضا السلم الذي يبلغ المطلق؛ وإذ نتذكّر هذا البعد السامي لنشاطاتنا ندرك ضرورة تنقية قلوبنا بشكل يسمح لنا برؤية جميع الأمور عبر منظارها الحقيقي”.

ويعتبر البابا فرانسيس أن انفتاح القلب هو أيضا مسيرة تقود إلى البحث عن الصلاح والعدالة والتضامن، وإلى البحث عمّن يقربنا. مذكرا بأن القديس بولس قال في رسالته الموجهة إلى المسيحيين “لا تدع الشر يغلبك، بل اغلب الشر بالخير”.

ويرى بابا الفاتيكان أن روح الانفتاح والتعاون والتسامح بـين المـؤمنين لا تساهم فقط في ثقـافة تنـاغم وسلام، بل إنها قلب الحياة النابض والمتصدي لفيروس الفساد السياسي والأيديولوجيات الدينية المدمرة والمتسببة في تنامي الأحقاد.

13