بابا الفاتيكان في العراق.. رسالة تسامح في وجه التطرّف

الزيارة فرصة ثمينة لإحياء التسامح في بلد بيئته ملغومة بنوازع التشدد الديني والطائفي.
الثلاثاء 2021/03/02
توثيق لحظة فارقة في تاريخ العراق

رحلة البابا فرنسيس التاريخية إلى العراق نهاية الأسبوع الجاري سوف توفر دفعة روحية كبيرة للمسيحيين هم في أمسّ الحاجة إليها بعد معاناة طيلة قرابة عقدين من الزمن بسبب التوترات التي عاشتها البلاد، مع تعزيز جهود الفاتيكان لبناء الجسور مع دول منطقة الشرق الأوسط، وهي محاولة اعتبرها متابعون فرصة ثمينة لإحياء التسامح في بيئة ملغومة بنوازع التشدّد الديني والطائفي.

بغداد – يصل البابا فرنسيس إلى العراق الجمعة المقبل في أول زيارة بابوية على الإطلاق إلى البلد الذي يعيش منذ سنوات حالة من الاضطرابات والانقسامات، بهدف تشجيع المسيحيين الضاربة جذورهم في القدم على الصمود بعد تراجع أعدادهم، وتعزيز تواصله مع المسلمين وربما سيضع ركائز جديدة مع الطائفة الشيعية التي باتت مهيمنة على الدولة.

وتأتي الزيارة التاريخية في وقت حرج بالنسبة إلى العراق الذي يشهد موجة ثانية من فايروس كورونا القاتل، وتجدد العنف مع إطلاق صواريخ واحتجاجات مناهضة للحكومة. ويحقق البابا بذلك حلما لطالما راود البابا السابق يوحنا بولس الثاني، الذي كان ينوي زيارة البلاد في 2000 لكن لظروف حظر الطيران في ذلك الوقت لم يتمكن من ذلك.

حسن ناظم: علينا الاستفادة من أثر هذه الزيارة على السلم المجتمعي
حسن ناظم: علينا الاستفادة من أثر هذه الزيارة على السلم المجتمعي

سند روحي

يدرك المسؤولون العراقيون كما البابا أنه لا مجال للعيش بين الطوائف والأديان والقوميات المختلفة في العراق سوى بغرس قيم التعايش المشترك وإنهاء حمام الدم الطائفي الذي يحدث منذ سنوات. ومن هذا المنطلق كان إصرار البابا فرنسيس على زيارة هذه الدولة في محطاته التاريخية منذ توليه الكرسي الباباوي في الفاتيكان.

وسيكون البابا أمام محاولة إحياء جذوة التسامح والأخوّة الإنسانية في بلد سلك طريقا عكسية وسار نحو التشدّد الديني والتعصّب الطائفي اللذين انعكسا بوضوح على أوضاع العراقيين بمن فيهم أتباع الديانة المسيحية، التي يتوقع أنها ستحمل لهم سندا روحيا ومعنويا دون أن يكون لها دور عملي في ترميم ما انكسر من أوضاعهم.

ووصف وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي حسن ناظم الزيارة المرتقبة بأنها ستكون “محطة حوار أديان” في مدينة أور التاريخية، مؤكدا أنها ستكون فرصة للقاء الأديان العراقية هناك من مسلمين ومسيحيين وصابئة مندائيين وإيزيديين.

وقال ناظم إن “العراق أمام فرصة للاستفادة من هذه الزيارة اجتماعيا وأثرها على السلم والوئام المجتمعي”، معربا عن أمله في أن تنعش هذه الزيارة السياحة حيث شرعت هيئة السياحة بإقامة مشاريع في هذا الصدد.

وأدت سنين من العنف والاضطهاد إلى تراجع عدد المسيحيين في البلاد وهم من أقدم الجماعات المسيحية في العالم من 1.5 مليون في 2003 إلى 400 ألف فقط اليوم.

والأغلبية الساحقة من سكان العراق مسلمون، غير أن هناك طوائف مسيحية قديمة، وهم يشكلون إحدى أقدم الجماعات المسيحية في العالم وأكثرها تنوعا. وهناك 14 طائفة مسيحية معترف بها رسميا في العراق من بينها الكلدان والأرمن الأرثوذوكس والبروتستانت بالإضافة إلى الفروع الأخرى، وتعيش الغالبية منهم في بغداد ومحافظة نينوى بالشمال وإقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي.

وينوي البابا فرنسيس البالغ 84 عاما في أول زيارة خارجية له منذ انتشار الجائحة، توجيه رسالة تضامن ليس للمسيحيين فقط بل لجميع سكان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة، مع برنامج حافل بالمحطات في أرجاء البلاد.

ويؤكد نجيب ميخائيل رئيس أساقفة أبرشية الموصل وعقرة للكلدان أن رسالة البابا من هذه الزيارة الاستثنائية مفادها أن الكنيسة تقف إلى جانب الذين يعانون من البشر، وهو سيقول كلمات قوية للعراقيين حيث ارتكبت في بلدهم جرائم ضد الإنسانية.

جذور قديمة

بغض النظر أن للبابا مكانة عالمية فهو لا يستطيع في الواقع إحداث أي أثر في الحياة السياسية في العراق
بغض النظر أن للبابا مكانة عالمية فهو لا يستطيع في الواقع إحداث أي أثر في الحياة السياسية في العراق 

في العام 2003، عندما أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين، كان المسيحيون يشكلون حوالي ستة في المئة من سكان العراق البالغ عددهم 25 مليون نسمة. ويتركز معظمهم في محافظة نينوى في شمال العراق حيث لا يزال كثيرون منهم يتحدثون الآرامية، لغة السيد المسيح.

لكن مع سيطرة الجهاديين التابعين لتنظيم داعش على نينوى واجتياحهم بلدات مسيحية وخيروا سكانها بين اعتناق الإسلام أو الموت كان موقف البابا واضحا، حيث أيّد استخدام القوة لوقف انتشار التنظيم ودرس إمكان السفر إلى شمال العراق للوقوف إلى جانب الأقلية المسيحية.

ولم تتحقق تلك الرحلة، لكن فرنسيس استمر في متابعة الوضع في العراق عن كثب، وأدان قتل المتظاهرين العزل خلال حركة مناهضة للحكومة واسعة النطاق اندلعت في العام 2019.

ورغم أن الزيارة تحمل الكثير من المعاني، غير أنّ الواقعية تقتضي عدم تحميل أكثر من طاقتها، فمع أن للبابا مكانة عالمية فهو لا يستطيع في الواقع إحداث أي أثر في الحياة السياسية في العراق بكل مشاكلها وتعقيداتها وتداخل المؤثّرات الإقليمية والدولية فيها.

تأثير هائل

Thumbnail

بعيد انتخاب البابا فرنسيس في العام 2013، حثه الأب لويس ساكو الذي عينه البابا لاحقا كاردينالا ورئيسا للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، على زيارة العراق. وساكو هو الآن المنظم الرئيسي للزيارة.

وفي العام 2019، وجه الرئيس العراقي برهم صالح دعوة رسمية له، على أمل أن تساعد الزيارة العراق على “التعافي” بعد سنوات من العنف، لكن مع تفشي وباء كوفيد – 19 العالمي الذي أصاب إيطاليا في الصميم، ألغى البابا جميع رحلاته الخارجية اعتبارا من يونيو الماضي.

والبابا فرنسيس مؤيد صريح للحوار بين الأديان وقد زار الكثير من البلدان ذات الغالبية المسلمة، منها بنغلادش في العام 2017 وتركيا في العام 2018 والمغرب والإمارات في العام 2019.

ففي أبوظبي، التقى بابا الفاتيكان الشيخ أحمد الطيب إمام الأزهر المرجع السني الكبير للتوقيع على وثيقة تشجع على المزيد من الحوار بين المسيحيين والمسلمين.

ويأمل البابا أن تفتح رحلته إلى العراق بابا مماثلا مع المسلمين الشيعة هذه المرة البالغ عددهم نحو 200 مليون في جميع أنحاء العالم ويشكلون غالبية سكان العراق.

وفي إطار هذا الجهد، سيلتقي بالمرجع الشيعي الكبير آية الله العظمى علي السيستاني في منزله المتواضع في النجف. وقال ساكو إن البابا يأمل في أن يؤيد السيستاني رسالة أبوظبي التي وقعها الطيب، إلا أن مصادر دينية في النجف نفت بشدة أن يوقع السيستاني على أي وثيقة.

ومع ذلك، سيكون اللقاء إحدى أبرز المحطات في هذه الرحلة الاستثنائية. وقال محافظ النجف لؤي الياسري إنها “زيارة تاريخية نتحدث عن زعيم طائفة دينية يتبعها 20 في المئة من سكان العالم”. وأضاف “زيارته (البابا) تعني الكثير وزيارة قداسة البابا إلى آية الله العظمى علي السيستاني سيكون لها تأثير كبير”.

7