بابا الفاتيكان في القاهرة.. رسائل دينية بمذاق سياسي

زيارة بابا الفاتيكان المرتقبة إلى القاهرة تتخذ أهمية كبرى بالنظر لأهمية الشخصية المسيحية والمتابعة التي تحظى بها تحركاته، وبالنظر أيضا للتوقيت الذي اندرجت فيه الزيارة حيث تقع ضمن مسار صعب تحاول القاهرة تلمسه بين مواجهة الإرهاب الذي يضربها بتواتر، وبين الدعوات العارمة إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني، وما بينهما من أحداث تؤثر على الوجود المسيحي القديم في مصر وتهدد تماسك المجتمع وتنوعه.
الخميس 2017/04/06
مشتركات كثيرة

تدفع الأهمية التي تنطوي عليها زيارة بابا الفاتيكان للقاهرة المبرمجة ليومي 28 و29 أبريل الجاري، القيادة الدينية والسياسية باتجاه عقد النية على إقامة صلاة للقداس تحت رئاسة البابا فرانسيس الثاني في إستاد القاهرة الدولي الذي يتسع لأكثر من مئة ألف شخص، بحضور وفود دينية من لبنان والأردن وعدد من الشخصيات العامة.

ومع أن دلالة اختيار المكان تشير إلى الاهتمام بالزيارة، إلا أن مكان الصلاة يحمل رسائل سياسية أكثر جدلا، إذ حاول الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي الإيحاء بأنه يتمتع بشعبية جارفة من خلال التفاف الآلاف حوله في المكان المتسع، لكنه كان شاهدا أيضا على بدء العد التنازلي لاعتزاله سياسيا.

لجأ مرسي إلى إستاد القاهرة مرتين؛ الأولى في الاحتفال بالذكرى الأربعين لنصر أكتوبر في عام 2012، وهو الاحتفال الذي صاحبه لغط سياسي بعد أن شهد تواجد قيادات في الجماعة الإسلامية من المتورطين في قتل الرئيس الراحل أنور السادات أبرزهم طارق الزمر وعاصم عبدالماجد.

كانت المرة الثانية قبل رحيله عن منصبه بأيام قليلة في يونيو 2013، وفي تلك المرة عقد الرئيس المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين مؤتمرا جماهيريا لمواجهة الدعوات المطالبة برحيله بالتأكيد على اصطفاف أنصاره حوله، وهو المؤتمر الذي صدرت من خلاله فتاوى متشددة بتكفير المشاركين في ثورة 30 يونيو 2013.

الخطاب الديني الذي ستتم مناقشته خلال الزيارة يتعلق بما يجري الإعداد له لإصدار خطاب موحد بين الأديان السماوية

كان عنوان المؤتمر الرئيسي آنذاك “نصرة سوريا” وهو ما فسره بعض المحللين بأن الرئيس المعزول كان يحاول القفز على الأوضاع السياسية المأزومة في البلاد والتركيز على قضايا أكبر، ما دفعه إلى اتخاذ قرار استراتيجي في أثناء المؤتمر بقطع العلاقات مع سوريا.

وشهد إستاد القاهرة الرياضي مناسبات سياسية عدة، منها استقبال بابا الفاتيكان الأسبق يوحنا بولس عام 2000، وهي الزيارة الأولى للجالس على الكرسي البابوي في الفاتيكان منذ بدء العلاقات السياسية والدينية مع مصر قبل أكثر من 70 عاما.

قال سمير غطاس رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية، لـ”العرب”، إن إقامة قداس إلهي بالدول التي يزورها بابا الفاتيكان “عرف بابوي يجري في كل بلدان العالم، في أكبر مساحة ممكنة لإتاحة المشاركة للمصلين، واختيار إستاد القاهرة جاء لهذا السبب، ويبرهن على تكريم الدولة المصرية للبابا فرانسيس”. ونفى أن تكون هناك أبعاد سياسية وراء اختيار المكان أو حتى موضوعات الزيارة بشكل عام، مشددا على أن بابا الفاتيكان الحالي لم يُلحظ أن له نشاطا سياسيا لافتا منذ توليه منصبه قبل أربع سنوات، باستثناء مواقفه المؤيدة لضرورة حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة، ما يُعد تأييدا إنسانيا.

ويشير متابعون للشأن القبطي أن البابا فرانسيس يلقبه البعض بـ”بابا الفقراء” وهو ما سينعكس على الاهتمام الشعبي بالزيارة، وبالتالي فإن اختيار إستاد القاهرة المقصود به استيعاب أكبر عدد من الراغبين في الصلاة. علاوة على تسليط الضوء على فكرة التسامح بين الأديان في دولة ينتمي غالبية مواطنيها إلى الدين الإسلامي، وهو ما تتيحه التغطية الإعلامية الواسعة للزيارة، فمن المتوقع حضور نحو 80 صحافيا فرنسيا وإيطاليا برفقة البابا.

وأوضح غطاس، وهو عضو قبطي في البرلمان المصري، أن قضية تجديد الخطاب الديني التي تتصدر جدول أعمال الزيارة تؤكد السلام المشترك بين ممثلي المرجعيات الثلاثة في الشرق الأوسط وهم الكنيسة المصرية والأزهر والفاتيكان، وبحاجة إلى تأييد شعبي، وهو الهدف الذي يسعى إليه منظمو الزيارة.

الزيارة تستهدف رفع شعار المحبة والسلام بين البلدان العربية والغربية، وهو ما ظهر عبر تركيز الفاتيكان على شعار الزيارة والذي يشير إلى تشجيع السلام العالمي

بالنظر إلى جدول الزيارة المرتقبة والتي ستستغرق يومين، فإنه يتضمن لقاءات مع الرئيس عبدالفتاح السيسي وأحمد الطيب شيخ الأزهر، والبابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، فضلا عن لقاء عام مع الكنيسة الكاثوليكية في مصر، من خلال قداس عام سينتظم بالبطريركية الكاثوليكية في حي العباسية بالقاهرة.

ولعل أبرز دلالات الزيارة أنها تمثل نهاية لحقبة من التوترات بين الأزهر والفاتيكان انتهت بالقطيعة بين الطرفين في عام 2011، على خلفية تصريحات للبابا السابق بينيديكتوس السادس عشر طالب فيها بحماية المسيحيين في مصر عقب الحادث الإرهابي الذي تعرضت له كنيسة القديسين بالإسكندرية في يناير من العام 2011.

وتأتي زيارة البابا أيضا بعد ثلاث زيارات متتالية قام بها كل من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والبابا تواضروس وأحمد الطيب إلى الفاتيكان، ومثلت بداية لعودة العلاقات بين مصر والفاتيكان منذ منتصف 2013، وعقب استئناف الحوار بين الأزهر والمؤسسة الدينية المسيحية الأكبر في العالم مطلع العام الجاري.

وذهب البعض من المراقبين للتأكيد على وجود أهداف مشتركة بين الأزهر والفاتيكان يسعيان إلى تحقيقها، فالأول يحاول استغلال ما يعليه بابا الفاتيكان من قيم فكرية تتعلق بأن الإسلام كدين سماوي ليس مسؤولا عن الإرهاب المنتشر في العالم، وهي النقطة التي تركز عليها الإدارة الأميركية الجديدة، ويحاول الأزهر أيضا التعامل معها بالمزيد من المبادرات السلمية مع الفاتيكان.

بينما يحاول البابا فرانسيس التشديد على قيم التسامح المسيحية، وهي رسالة لا تنفصل عن مواجهة انضمام بعض شباب القارة الأوروبية إلى التنظيمات الإرهابية، وإزالة أي اشتباكات مذهبية بين الأديان يجري استغلالها لتحقيق أهداف سياسية.

المطران كريكور كوسا مطران الأرمن الكاثوليك لمصر والسودان، قال لـ”العرب”، إن الزيارة تستهدف رفع شعار المحبة والسلام بين البلدان العربية والغربية، وهو ما ظهر عبر تركيز الفاتيكان على شعار الزيارة والذي يشير إلى تشجيع السلام العالمي والعيش المشترك بين الأديان السماوية على أرض كانت شاهدة على التعايش المشترك بين المسلمين والأقباط.

وأضاف أن توطيد العلاقات يتوافق مع السياسة المصرية التي تهتم برسائل السلام والمحبة بين الأديان، مشددا على أن الخطاب الديني الذي ستتم مناقشته خلال الزيارة يتعلق بما يجري الإعداد له لإصدار خطاب موحد بين الأديان السماوية، وليست له علاقة بما يقوم به الأزهر والكنيسة في الداخل.

13