بابا الفاتيكان يرسم رؤية دينية رصينة في زمن العنف

يعبر البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، عن حالة نضج ملفتة في القيادات الدينية العالمية، تماما كما كان الأمر مع الأزهر عندما افتتح النقاش حول تجديد الفكر الديني الإسلامي. فقد كان لتصريحات البابا الأخيرة حول عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب أثر على أتباع الكاثوليكية وكان من شأنه أن هدأ موجة العنصرية ضد المسلمين، الأمر الذي لفت انتباه منظمات إسلامية عديدة أشادت بموقفه مثل منظمة الإيسيسكو.
الخميس 2016/08/04
صورة البابا تشع بين الأعراق والأديان المختلفة

روما - أشاد عبدالعزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بالتصريحات التي وصفها بـ”المنصفة” الصادرة عن بابا الفاتيكان فرانسيس الرافضة لربط الإسلام بالعنف والإرهاب.

وكان البابا فرانسيس قد رفض الربط بين الإسلام والإرهاب، مؤكدا أنه يمكن للكاثوليك أن يكونوا “عنيفين”، ومحذراً أوروبا من أنها “تدفع قسما من شبابها نحو الإرهاب”، وقال البابا فرانسيس للصحافيين على متن الطائرة التي عادت به من بولندا إنه “ليس صحيحا أو حقيقيا القول إن الاسلام هو الإرهاب، لا أعتقد أنه من الصواب الربط بين الإسلام والعنف”، وذلك ردا على سؤال عن سبب عدم ذكره بتاتا الإسلام في كل مرة يدين فيها هجوما يشنه منتمون إلى الإسلام، ولا سيما ذاك الذي تم تنفيذه مؤخرا داخل كنيسة في فرنسا وذبح خلاله كاهن مسن.

ويؤكد مراقبون أن تصريحات البابا فرانسيس تتميز منذ توليه الكرسي الرسولي بأنها تفرق جيدا بين الإرهاب كموجة أيديولوجية وبين الإسلام كديانة سماوية توحيدية. ويعد هذا التفريق الواضح صمام أمان بالنسبة إلى المتدينين الكاثوليك في العالم كي لا يمر الخطاب الإعلامي الذي يخلق لبسا بين الإسلام والإرهاب، خاصة في أوروبا.

قال عبدالعزيز التويجري إن “هذا الموقف العادل والشجاع من أعلى سلطة دينية مسيحية أمر يجب أن يشاد به ويقدر تقديرا كبيرا من جميع دول العالم الإسلامي ومن المجتمع الدولي بكل مؤسساته”. وأكد التويجري على أن “موقف الإيسيسكو الثابت الرافض والمدين للإرهاب بجميع صوره وأشكاله وكونه عملا إجراميا لا علاقة للأديان والثقافات به إطلاقا، يتقاطع مع رؤية البابا للقضية ذاتها”.

هناك أسباب كثيرة وراء انتشار الإرهاب منها مثلا انقطاع الأمل في الحصول على حياة كريمة وفرص عمل

كان البابا قد أكد في ثاني تعليق على حادث ذبح قس فرنسي على يد تنظيم داعش الإرهابي أن “ضياع العدالة الاجتماعية وطغيان المادة هما سبب الانتشار الكبير للأعمال الإرهابية”، وتساءل البابا قائلا “لماذا يصر الجميع على التركيز على ما يسمى العنف الإسلامي بينما المطلع على صحف إيطاليا على سبيل المثال سيجدها مملوءة بأحداث العنف، فهذا شخص تم القبض عليه لأنه قتل صديقته وآخر قبض عليه لأنه قتل حماته”. وأضاف “إن أردنا الحديث عن العنف الإسلامي فعلينا أن نتحدث أيضا عن العنف الكاثوليكي، العنف ليس موجودا في كل المسلمين”.

ويذكر التاريخ أن العديد من الأحداث في أماكن مختلفة من العالم تؤكد أن الإرهاب ليس فقط مرتبطا ببعض الحركات المتطرفة التي لها تأويلات مغلوطة للدين الإسلامي، بل إن الكاثوليكية أيضا كانت لها جماعات متطرفة ودموية، مثلما كان الأمر بالنسبة إلى الحرب بين الكاثوليك والبوذيين في الفيتنام في أواسط خمسينات القرن الماضي، والتي أدت إلى شبه تقسيم للفيتنام بين دولة للشيوعيين شمالا وأخرى للكاثوليك جنوبا.

كما شهدت أستراليا في سبعينات القرن الماضي تفجيرات إرهابية نفذها متطرفون كاثوليك من أصول كرواتية ولا يزال الجدل إلى الآن يدور حول تلك التفجيرات بعد أن عمد بعض السياسيين الأستراليين إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام وتعميمها على كل المسلمين. ولا يمكن التغاضي عن المتطرفين الكاثوليك الذين منعوا المسلمين من بناء مسجد في مدينة ستاتن آيلاند الأميركية القريبة من نيويورك منذ سنوات وقد كانت حادثة عنيفة. وصرح البابا قائلا في هذا السياق “جميع الأديان بها مجموعة صغيرة من المتعصبين بما في ذلك الكاثوليك”.

ويعتبر هذا الإدراك العميق لدى العديد من القيادات الدينية المسيحية والمسلمة حجة على أن التعايش الديني بين أتباع الديانات في العالم ممكن حتى في محيط ضيق مثل دول بعينها في أوروبا أو الولايات المتحدة. وقد كان للحروب في الشرق الأوسط دور في تأجيج بعض السلوكات العنيفة بين بعض الأقليات، وهذا ما يتحمل مسؤوليته النظام العالمي القائم على التدخل العسكري والعنف في غالب الأحيان.

عبدالعزيز التويجري: موقف البابا منصف وشجاع ويجب أن تشيد به المؤسسات الدولية

عبر البابا عن اعتقاده بأن “هناك أسبابا كثيرة وراء انتشار الإرهاب في العالم منها على سبيل المثال انقطاع الأمل في الحصول على حياة كريمة، وتحول المال إلى إله يعبد في عالم أصبح الاقتصاد هو شغله الشاغل”. وقد أكد هذا التصريح أن تحويل الأديان إلى شحنات مركزة من العنف ليس من أصل الأديان بل يعود إلى طبيعة تكون العقل الإنساني وكيفية نظرته إلى الحرية الدينية، وقد غلف الإقصاء والعنف هذا الفهم عند بعض الأقليات بالنظر إلى ضعفها وحساسيتها إزاء التغيرات العميقة التي تحدث في العالم خاصة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية الخانقة.

وتابع البابا “في كل يوم حين أقرأ الصحف أرى أعمال عنف في إيطاليا، شخص يقتل صديقه أو زوجته، وآخر يقتل حماته، وهؤلاء كاثوليك”، مضيفا “إذا تحدثت عن أعمال عنف إسلامية يتعين علي أيضا أن أتحدث عن أعمال عنف مسيحية، في كل الديانات تقريبا هناك دوما مجموعة صغيرة من الأصوليين، هم موجودون عندنا أيضا”.

وشدد البابا على أن الدين ليس الدافع الحقيقي وراء العنف، وقال “القتل يمكن أن يتم بواسطة اللسان، تماما كما بواسطة السكين، ويجب الحذر من صعود الأحزاب الشعبوية، التي تنشر العنصرية والعداء للأجانب”.

وقد كان رد البابا حاسما في هذا الإطار أمام اتهامات بعض الدوائر اليمينية المتطرفة في أوروبا للفاتيكان بأنه يميل للخيارات السياسية التي تهيمن عليها أحزاب الوسط واليسار الوسط الحاكمة اليوم في فرنسا وألمانيا بشكل خاص، وكان موقف البابا من ذلك واضحا قائلا في مناسبات عديدة إن “النازية يمكن أن تعود إلى أوروبا في أشكال أخرى ليست بالضرورة حزبية أو سياسية بل يمكن أن تكون جمعياتية ومدنية تتغلغل داخل الفكر الأوروبي وتعيد الانقلاب على القيم التحررية”.

وسبق أن لمحت مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني الفرنسي إلى أن البابا فرانسيس زعيم يتبنى أيديولوجية سياسية وليس محايدا مع جميع المسيحيين الكاثوليك في العالم، وهذا ما نفاه أساقفة الفاتيكان ونددت به بعض الصحف المقربة من الكرسي الرسولي، حيث أكد البعض أن البابا قريب من الفقراء وهذا من ضمن المبادئ الدينية للمسيحيين.

وأكد البابا في معرض حديثه عن ضرورة التفريق بين الإسلام والإرهاب أن “الإرهاب يزدهر عندما يصبح رب المال هو الأول وعندما لا يكون هناك خيار آخر”، وأضاف “كم تركنا من شبابنا الأوروبيين من دون مثال أعلى ومن دون عمل، فتوجهوا إلى المخدرات والكحول، وإلى الجماعات الأصولية”.

وللإشارة فإن عددا من المسلمين شاركوا في مراسم تأبين شملت أنحاء الأراضي الفرنسية بعد خمسة أيام على قتل كاهن ذبحا بأيدي متطرفين داخل كنيسته، في سانت اتيان دو روفريه قرب روان غرب فرنسا، وقد عبرت بعض الصحف الفرنسية عن دعمها لمزيد جهود الاندماج بين المسلمين وباقي أتباع الأديان في البلاد لتعزيز الوحدة الوطنية.

13