"بابا همنغواي" في السينما

"لمن تقرع الأجراس" رواية تجسدت في فيلم من إخراج سام وود سنة 1943 من بطولة كاري كوبر وانجريد برغمان.
السبت 2020/01/11
الفيلم ركز على ليلة حب ماريا ومورغان أو التحالف ضد الموت

أسالت الرواية التي صدرت عام 1940، وبيع منها أكثر من نصف مليون في غضون أشهر قليلة، لعاب السينمائيين فأخرجها سام وود، سنة 1943 في نسخة هي الأكثر شهرة وتأثيرا، إذ كانت من بطولة كاري كوبر، في دور روبرت مورجان، وانجريد برغمان، في دور ماريا. وقابل همنغواي هذين الممثلين قبل البدء بتصوير الفيلم وتحدث إليهما كما أبدى ارتياحه ورضاءه بعد مشاهدة الفيلم.

الفيلم ركز على ليلة حب ماريا ومورغان أو التحالف ضد الموت، في مشهد تبدو فيه الأرض كلها تتحرك تحتهما والجسر المعدني الذي يمثل الصلة الوحيدة بين القوات المتحاربة. فروبرت جوردن أستاذ أميركي يدرس اللغة الإسبانية وهو مثقف وله ميل حاد كي يقاتل من أجل الجمهوريين وإن كان يجهل العقيدة اليسارية، يصاحب كوبر في عملية نسف الجسر. لإنجاح حرب الجمهوريين حاول المخرج أن يتجاوز شخصية الرواية كما رسمها المؤلف ليجعلها شخصية قوية فهو يظهر مشهدا كبيرا للحب والحرب رغم التزام النص بقضية الجمهوريين الأسبان.

وعن برغمان قال همنغواي بعد أن شاهد الفيلم إنها لعبت بصدق دور ماريا وقد وصفها في رسالة سنة 1945- بأنها “جميلة جدا وصادقة ومتزوجة للأسف من فئران”. وفي معرض قول برغمان عن دورها في الفيلم “لقد قرأت الرواية وعرفت كيف أتصرف”.

الفيلم ركز على ليلة حب ماريا ومورغان أو التحالف ضد الموت
الفيلم يبرز كيف تحركت مشاعر جوردن تجاه ماريا، واصطدمت أحاسيسه بالحب مع أداء مهمته الصعبة

يذكر أن برغمان، قد حازت على أول أوسكار في فيلم “جاسلايت” عام 1944. وكاري كوبر بطل الفيلم اسمه الحقيقي فرانك جيمس كوبر ولد سنة 1901 في هيلينا مونتانا الولايات المتحدة وتوفي سنة 1961، بدأ حياته الفنية عام 1923. وشارك في أفلام عديدة منها فيراكروز مع بيرت لانكستر. وحصل على جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم “العريف دورك” كما حصل على الأوسكار الثانية عن فيلم “الظهيرة الساخنة” وعلى جائزة كولدن غلوب لنفس الفيلم عام 1952.

زار كاري كوبر، إرنست همنغواي، في غرفته المعتّمة بعد أن أصيب بمرض خطير جعله يعتزل العالم في قبو الظلام، وذكر ذلك في كتاب “بابا همنغواي”.

ويبرز الفيلم كيف تحركت مشاعر جوردن تجاه ماريا، واصطدمت أحاسيسه بالحب مع أداء مهمته الصعبة؛ حيث أنه كان يعلم جيدا مخاوف قائد الحرب الذي يُدعى بابلو من تلك العملية التي كان يريدها أن تتم على أكمل وجه. وكان جوردن في ذلك الوقت لديه رغبة شديدة في التمتع بحياته التي شعر بوجودها مع اشتعال ذلك الحب الجديد؛ لذلك شعر بانطفاء رغبته في الالتزام بالقيام بتلك المهمة السرية التي قد تُخلف الكثير من التداعيات.

ثمة روح سوداوية طغت على الفيلم، وذلك تمثلا لمزاج صاحب الرواية والأجواء التي أراد نقلها. حتى هاجس الانتحار لدى تلك الشخصيات القلقة والمعذبة كان حاضرا بقوة، وذلك في قراءة لفكر همنغواي وتقلباته النفسية.

ويلات الحرب الأهلية الأسبانية التي عايشها الكاتب، نلمسها في أدق التفاصيل التي صورها الفيلم، وتحمل في جدواها، إنذارا للبشرية من النزعات الفاشية، وخطورتها في التأثير على الفرد وإقناعه بصحة الأفكار المتطرفة، وذلك باللعب على المشاعر الوطنية.

كل شيء يبدو حزينا وجميلا في عوالم همنغواي التي نقلها فيلم “لمن تقرع الأجراس”، والذي جاء معفرا بغبار الحرب، لكنه ينتصر للحب كخلاص بشري. ومع ذلك، يأتي الفراق في مشهد يدمي القلب بين ماريا وجوردن.

انتظار الموت ولا شيء غير الموت ثيمة تطغى على الرواية عند القراءة، والفيلم أثناء المشاهدة، وذلك ضمن سؤال وجودي يسكن عقل همنغواي، فيلبسه إلى شخصياته التي تتحرك مثل طرائد تتعقبها بنادق الصيد في كل لحظة.

لمن تقرع الأجراس؟ سؤال يصاحب القارئ والمشاهد طيلة تلك المدة الزمنية التي لا تتجاوز أربعة أيام من الأحداث، ويكتشف في النهاية أنها أجراس الفناء، وتخليد الفراغ ضمن “طقس همنغوائي” مرعب.

16