"بابا: هيمنغواي في كوبا" قصة حقيقية يعيبها نقص جرعة الخيال

ظهرت الكثير من الأفلام عن مشاهير الأدباء والشعراء والكتاب في العالم، وقد شاهدنا مؤخرا الفيلم البديع الذي أنتج عن الشاعر الشيلي بابلو نيرودا، وفي العام نفسه عرض فيلم “بابا: هيمنغواي في كوبا” الذي يتناول جانبا من حياة الكاتب الأميركي المرموق إرنست هيمنغواي (1899-1961).
الجمعة 2017/12/15
في الطريق إلى هيمنغواي بهافانا

فيلم “بابا: هيمنغواي في كوبا” (Papa: Hemingway in Cuba) من إخراج المنتج والمخرج الأميركي الإيراني الأصل بوبي يار، ويدور الفيلم في عام 1959 عندما كان هيمنغواي في حوالي الستين من عمره.

في ذلك الوقت كان هيمنغواي يقيم في كوبا، في فيلته الفخمة في “فينكا فيغليا” قرب هافانا، وكان قد انتقل إلى كوبا بعد أن تزوج من زوجته الرابعة ماري، التي قابلها في أواخر الحرب العالمية الثانية في لندن.

ويُروى الفيلم من وجهة نظر الشاب إد مايرز، وهو الشخصية المعادلة دراميا لشخصية كاتب سيناريو الفيلم، الصحافي الأميركي دانيت بارت ديتتيكليرك الذي يروي فيه تجربته الحقيقية، وقد توفي عام 2006.

من أميركا إلى كوبا

يستخدم الفيلم أسلوب الحكي الصوتي من خارج الصورة بصوت إد مايرز (جيوفاني ريبيسي) الذي يستهل الفيلم بالعودة إلى طفولته، وكيف تخلى عنه والداه وهو في الرابعة من عمره عام 1935 في خضم الأزمة الاقتصادية الكبرى، لكنه تمكن من الإفلات من حياة الملجأ ودرس وتعلم إلى أن أصبح صحافيا والتحق بالعمل في صحيفة “ميامي غلوب”.

وقد تأثر مايرز كثيرا بروايات هيمنغواي فكتب له رسائل تردّد في إرسالها، لكن صديقته وزميلته في العمل “ديبي” (مينكا كيللي) ستحسم الأمر وتبعث بالرسالة الأخيرة، فهي تحبه وتريد أن تساعده، ورغم انجذابه لها إلاّ أنه عجز عن التعبير لها عن حبه.. فعلى الشريط الصوتي يردّد “كيف يمكنني أن أمنحها ما لم أشعر به”، في إشارة إلى طفولته الجافة.

المدهش أن مايرز يتلقى اتصالا هاتفيا من هيمنغواي الذي يثني على رسالته ويدعوه إلى جولة للصيد معه في كوبا. يتجه صاحبنا مباشرة إلى كوبا حيث يقابل هيمنغواي ويتعرف على زوجته ماري، يقول له الاثنان إنهما سيتخذانه ولدا لهما، يناديه الكاتب العجوز بـ”الطفل” ثم يصطحبه في جولة صيد في عرض البحر ويعلمه كيف يصطاد سمك التونة الضخم، ثم يتناولان الشراب، مع الكثير من الثرثرة حول الحياة وطعم الحياة، وكيف أن “القيمة الوحيدة التي نمتلكها كبشر تكمن في استعدادنا لتحمل المخاطر”.

الظاهر يخفي الباطن

نحن في زمن الصراع السياسي والعسكري بين أنصار كاسترو وقوات الجنرال باتيستا، دكتاتور كوبا، وفي أحد المشاهد يجذب هيمنغواي الصحافي الشاب ويطلب منه أن يتبعه لكي يرى حدثا خطيرا قد يفيده في عمله، وفي هافانا يشاهد الاثنان مجموعة من الطلاب الثائرين يحاولون اقتحام القصر الرئاسي واغتيال باتيستا، لكن الحراس يقتلونهم جميعا.

سيصبح ما يحدث في كوبا منذ تلك اللحظة محل اهتمام من جانب مايرز كصحافي يبحث عن قصة حقيقية مثيرة يقدمها للقارئ الأميركي، خاصة أنه يخبر هيمنغواي وزوجته بأنه قام بتغطية الحرب الكورية.

يظل مايرز ينتقل بين كوبا وأميركا، دون أن تتطور علاقته كثيرا بصديقته ديبي، التي تظل شبحا أو شخصية هامشية في الفيلم، وبعد أن كان يصف العيش في فيلا هيمنغواي في تلك البقعة الساحرة، ورحلات الصيد، والسخاء والصحبة الرائعة التي تحيط بالرجل، بأنها “الفردوس”، يكتشف أن هيمنغواي قد أصبح رجلا غليظا يسيء معاملة زوجته وتندلع بينهما مشاجرات عنيفة، ورغم أن ماري تحب الرجل، لكنها لا تستطيع الوصول إلى قلبه.

لقد أدمن هيمنغواي الخمر، وأصبح يعاني من الترهل ويشعر بالشيخوخة والعقم المادي والنفسي والعجز عن الكتابة، يحاول ذات مرة إنهاء حياته بيده، لكن مايرز يحول بينه وبين استخدام المسدس المحشوّ، إنه هيمنغواي في المرحلة الأخيرة من حياته، قبل أن ينتهي بالفعل إلى الانتحار بعد عام من تلك الأحداث.

خيبة أمل

الفكرة الأساسية من وجهة نظر الصحافي الشاب هي كيف عثر في البداية على الأب البديل في هيمنغواي الذي منحه ثقته، وضمّه لصحبته من الشباب الثوري، وطلب أن يخاطبه مثلهم بـ”بابا”، ولكنه يفجع بعد أن يكتشف الوجه الآخر من هيمنغواي الذي فقد كاريزمته وتوهّجه الفكري بعد أن سقط في رثاء الذات، وأصبح متردّدا متشككا في جميع من حوله، يخشى أن يكون بينهم من يتجسس عليه لحساب المباحث الفيدرالية.

لا شك أن المخرج بوبي يار قام بإدخال بعض التعديلات على السيناريو، حيث ينطلق خارج مجال الشهادة الشخصية ويتوقف أمام نقاط وتفاصيل لها أصداء حقيقية في حياة هيمنغواي وإن ظل بعضها مشوبا بالغموض، منها مثلا، موضوع زميله الذي اشترك معه في الحرب الأهلية الإسبانية، الشاعر إيفان شيبمان (يقوم بالدور الممثل الإيراني الأصل شون توب)، والذي أصيب بجرح عميق في صدره، وأصبح الآن يعاني من تفشي التسمم المميت في الجرح ولم يعد أمامه في الحياة سوى وقت قصير للغاية.

وهنا يتوقف هيمنغواي أمام فكرة الموت الذي يمكن أن يأتي دون سابق إنذار، وعندما يشاهد مقتل 40 طالبا من الثوار الكوبيين، يعبر عن رفضه لهذه الطريقة العنيفة في حسم الخلافات السياسية، متناقضا مع دوره القديم في شبابه في الحرب الأهلية الإسبانية، ثم حماسه الشديد للقتال ضدّ قوات هتلر.

الفيلم يعيد المشاهد إلى زمن الصراع السياسي والعسكري بين أنصار كاسترو وقوات الجنرال باتيستا، دكتاتور كوبا

وعندما يأتيه نبأ قتل قوات باتيستا لصديقه لوكاس، الذي كان يقوم بتهريب الأسلحة للثوار الكوبيين، ينهار باكيا، ثم يحاول بدوره الانتحار في مشهد يتمّ تنفيذه بطريقة المسرح المدرسي، من خلال إخراج ساذج سواء من حيث التحكم في “الميزانسين” وحركة الممثلين داخل الكادر أو الانتقال بين اللقطات، مع ترهل الإيقاع، والأداء المسرحي الثقيل.

لا يهتمّ السيناريو بشخصية ديبي، حبيبة مايرز، بل يهملها تماما إلى ما قبيل النهاية حينما يعود إليها مايرز ليعترف لها بالحب، كما ينحرف الفيلم في اتجاه الإثارة البوليسية عندما يدخل شخصية عميل للمباحث الفيدرالية كان صديقا لمايرز، يحاول تجنيده للتجسس على هيمنغواي.

لكنه يرفض ويطرده، كما يصنع الفيلم مشهدا مثيرا عندما يقترب زورق مسلح من البحرية الكوبية باتجاه سفينة هيمنغواي لتفتيشها بحثا عن الأسلحة المخبأة على متنها، بينما يقوم هيمنغواي ورفاقه بإغراق الأسلحة في البحر وينجو هيمنغواي بالتالي من الاعتقال وتسليمه لإدغار هوفر، مدير المباحث الفيدرالية، الذي يسعى للانتقام منه لأسباب سيكشف عنها الفيلم عندما يروي مايرز للكاتب الكبير، كيف أنه اطلع في الماضي على سلوكيات جنسية مشينة من جانب هوفر تجاه شاب كان صديقا له.

يجد مايرز نفسه مطلوبا للقاء مع زعيم المافيا في هافانا سانتو ترافيكانتي (وهو شخصية حقيقية مثل سائر شخصيات الفيلم).. يقابله في فندق “أمبوس موندوز” فيطلب منه تحذير هيمنغواي من المؤامرة التي تدبر للتخلص منه من جانب شخصية مهمة في الحكومة الأميركية (ليست أقل من هوفر نفسه)، وأنه يتعين عليه مغادرة كوبا على الفور.

ما فائدة الفيلم

يطرح الفيلم بعض التساؤلات مثل: ما فائدة مثل هذه الأفلام إن لم تقدم لنا جانبا جديدا لم نكن نعرفه عن الشخصية التي تتناولها؟ وهل يكفي أن يكون الفيلم مستندا على أحداث حقيقية لكي نمنحه مسبقا إعجابنا؟ وهل يكفي أن يكون الأداء التمثيلي للدور الرئيسي في هذه الحالة، مجرد محاكاة للشخصية الحقيقية من ناحية الشكل الخارجي أم أن المطلوب أكثر بكثير من هذا الإطار الخارجي للدور؟

في تصوري أنه ما لم يكن لدينا جديد يكشف عنه الفيلم في حياة الشخصية التي يتناولها، فلا جدوى من سرد أشياء يعرفها المشاهد، خاصة في إطار سردي يخلو من الحبكة المقنعة.

صحيح أن الفيلم يقدم همينغواي أحيانا كرجل باحث عن الحب، وأن تشككه في جدوى الحياة وربما أيضا رغبته في العودة إلى الكاثوليكية، كلها تعكس قلقه الداخلي، وخشيته من الموت مع تدهور حالته الصحية، لكن الفيلم يعجز عن تجسيد هيمنغواي الكاتب العظيم صاحب الفلسفة الإنسانية، ويحصره في إطار السكير الأحمق المصاب بالرغبة في تدمير الذات والإساءة إلى الآخرين.

ليس ضروريا أن يكون الفيلم مستندا على أحداث ووقائع حقيقية لكي يصبح عملا سينمائيا كبيرا، فالخيال الذي يمكن تجسيده ببراعة وإقناع، أفضل كثيرا من الحقائق الجافة التي يتم سردها دون النفاذ إلى جوهرها ومغزاها في اتساقها مع شخصية الكاتب، ولعل لدينا مثالا على ما أقوله هنا في الفيلم الإيطالي البديع “ساعي البريد” (البوستينو) عن العلاقة بين ساعي بريد شاب مغرم بالشعر وشاعر الشيلي الكبير نيرودا، أثناء إقامة نيرودا في المنفى في جزيرة إطالية صغيرة في الخمسينات من القرن الماضي.

بطل ظن أنه وجد الأب البديل

ورغم أن “بابا: هيمنغواي في كوبا”، هو أول فيلم أميركي يتم تصويره بالكامل في كوبا منذ استيلاء كاسترو على السلطة عام 1959، ورغم إتاحة الفرصة من جانب السلطات الكوبية للتصوير في الأماكن الحقيقية بما فيها فيلا هيمنغواي التي تحوّلت إلى متحف، وهو ما أضفى دون شك مصداقية وإحساسا بجمال المكان، إلاّ أن المخرج الذي لا يتمتع بخبرة كافية (أخرج فيلما واحدا من قبل) لم ينجح في استخدام إمكانيات الأماكن التي أتيحت له، بل بدت الكاميرا تائهة عاجزة عن الإلمام بتفاصيل المكان خاصة المشاهد القليلة التي صوّرت في هافانا.

وعلى الرغم من التقارب الكبير في الملامح الخارجية بين الممثل أدريان يباركس وهيمنغواي (الترهل، العينان الزرقاوان الحادتان، اللحية البيضاء الكثيفة) إلاّ أنه بدا كممثل يحاول محاكاة هيمنغواي دون النفاذ إلى روحه وشخصيته وأعماقه، لقد اقترب منه بعض الشيء في مشاهد الصيد، لكنه سرعان ما فقد التألق، بعد أن أصبح شخصا مثيرا للرثاء أكثر منه محركا لمشاعر الآخرين.

وبدا أداء جولي ريتشاردسون (ابنة فانيسا ريدغريف من توني رتياشردسون) في دور ماري زوجة هيمنغواي الرابعة والأخيرة، أكثر انسجاما مع الشخصية التي تتراوح بين الحب والرفض، وبين الشفقة والتمرد.

أما جيوفاني ريبيسي في دور إد مايرز، فلم يكن مناسبا للدور ولم يستطع بعث الحياة في الشخصية، وإقناعنا بأنه بالفعل قد تأثر بأعمال هيمنغواي، بل بدا أكثر اهتماما بمراقبة الشخصية.

وربما يكون جيمس ريمر الذي قام بدور “ترافيكانتي” في مشهد وحيد من الفيلم، أكثر حضورا من الجميع، إنه يوصل الرسالة بقوة ووضوح إلى “الطفل” مايرز، فبعد أن كان يهمّ بالانصراف يتوقف ويستدير ليذكره “لا تنسَ أن تخبر الرجل العجوز أنني من المعجبين برواياته!”.

ناقد سينمائي مصري

16