"بابك زنجاني" رجل الصفقات المشبوهة

السبت 2014/05/03
زنجاني جامع أسرار الولي الفقيه وملياراته

بدأ اسم “بابك زنجاني” يطفو تدريجيا على السطح في إيران عندما هبَّ الرئيس (السابق) محمود أحمدي نجاد للعمل على إنقاذ وزيره من مقصلة الاستجواب التي كاد البرلمان يطيح به من خلالها، وهدد(أحمدي نجاد) الذي أخذ يتنصل حينذاك منه بكشف المستور ولو بلغ ما بلغ، ونشر شريط فيديو يدين بالفساد أقطاب النظام النافذين ومنهم بالطبع خصومه الإخوة لاريجاني (علي وصادق وفاضل ومحمد جواد ) الممسكون بالبرلمان والقضاء ومفاصل حيوية أخرى في النظام.

في ذلك الشريط كان “فاضل لاريجاني” يطلب من رئيس التأمين الاجتماعي المعروف بجلاد الصحفيين والصحافة، عندما كان في القضاء “سعيد مرتضوي”، أن يفتح له قناة اتصال مع “بابك زنجاني” في نشاط اقتصادي ضخم يستفيد منه بالطبع “الأخوة لاريجاني”. وظهر في الفيلم “فاضل لاريجاني” وهو يعرض على “سعيد مرتضوي” أن يصبح “بابك زنجاني” جزءا فاعلا من منظومته الاقتصادية لشراء عدد كبير من شركات التأمين، واعدا باستخدام نفوذ أشقائه لإزالة العقبات القانونية.


زنجاني وحيتان نظام طهران


“بابك زنجاني” المولود في عام 1974 والرجل الذي أصبح ملتي ملياردير بسرعة البرق بدعم مباشر من جهات نافذة في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان قد دخل في صفقات نفطية مشبوهة للالتفاف على العقوبات الصعبة المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي.

ومنذ ذلك الوقت (العام 2011) تردد اسم زنجاني كثيرا في وسائل الإعلام المحلية ليس فقط لأنه بات يجاهر بأنه يملك أكثر من 70 شركة من بينها “هولدينغ سورينت قشم” و”مصرف الاستثمار الإسلامي الأول” في ماليزيا ومصرف “أرزش” في طاجيكستان، وملك حصصا في شركة “أنور” التركية للطيران، بل لأن إحدى الصحف المحلية نشرت له صورة وهو مسلح وقال إنه كان في رحلة عمل إلى كردستان العراق استدعت أن يكون مسلحا.

وتحدث الكثيرون عن علاقته المريبة بـ “حسن مير كاظمي” رجل الباسيج الذي كان يتجول ممسكا مسدسه بيده وهو يشارك في قمع الاحتجاجات التي اندلعت بُعيد الانتخابات الرئاسية العام 2009 والتي أفضت إلى إعادة انتخاب الرئيس السابق أحمدي نجاد. ولم ينكر هو تلك العلاقة مع “مير كاظمي” وأقرَّ بها، بل وبرر له (وهو يظهر المزيد من الثورية وينال بذلك إعجاب الحرس الثوري) قمع المحتجين السلميين، واعتبره أداءً لوظيفة شرعية ووطنية قام بها “حسن مير كاظمي” الذي كانت له معاملات اقتصادية خفية قائلا إنه اشترى منه فندقا سياحيا في جزيرة كيش وأنهما سافرا معا في رحلات لم يذكر شيئا عن تفاصيلها.


السحلية


ليست قصة “بابك زنجاني” الذي أصبح يملك ناديا لكرة القدم في طهران هو نادي السكك (راه آهن) قصة ملهمة لشاب عصامي انتقل من الفقر إلى الثراء، بل هي دليل على الفساد وتفشي المحسوبية واستخدام الحرس الثوري واجهات تبدو ضعيفة لتمرير صفقات اقتصادية ضخمة، وهي أيضاً قضية تحولت الآن إلى موجة غضب من فساد الحكومة السابقة وسوء إدارتها للاقتصاد بدعم وغطاء من الحرس الثوري نفسه عندما كان يؤيد الرئيس السابق في مواجهة الإصلاحيين.أما الجهة التي وفرت لزنجاني فرصته الكبرى ، فهي الحرس الثوري الذي استخدم نفوذه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لدعم رئاسة أحمدي نجاد، ولعب دورا كبيرا في انتخابات عام 2009، وقمع الاحتجاجات بعدما أعلن اثنان من المرشحين الإصلاحيين مير حسين موسوي ومهدي كروبي أن الانتخابات زورت.

فالعلاقات مع الباسيج والحرس الثوري وأحمدي نجاد والدعم النادر الذي حصل عليه من الحرس الثوري وباقي الأقطاب، سلطت الأضواء على “بابك زنجاني” إعلاميا بصفته رجل النظام الذي يعمل على حل مشكلاته الاقتصادية في زمن العقوبات، وقال هو إنه أنهى الخدمة العسكرية الإلزامية جنديا في صفوف المؤسسة الثورية المهيمنة على مفاصل النظام الاقتصادية الرئيسة، وقال إنه عمل في تلك الفترة في حراسة البنك المركزي لينطلق منه في أعماله التجارية الكبرى ويتسلق كالسحلية، كل جدران الشخصيات البارزة دون أن يوفر أحدا ومن كل الأجنحة ..داخل النظام!.

علاقاته مع الباسيج والحرس الثوري وأحمدي نجاد والدعم النادر الذي حصل عليه سلطت الأضواء على "بابك زنجاني" إعلاميا بصفته رجل النظام الذي يعمل على حل مشكلات طهران الاقتصادية، والذي فاخر بأنه أنهى الخدمة العسكرية الإلزامية


مافيا النفط


اخترق “بابك زنجاني” بجدارة بالغة “مافيا النفط” في عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، لكنه دخلها من بوابة المساهمة أولا في مشروع رفسنجاني (آنذاك) تزريق سوق العملة الحرة بملايين الدولارات من قبل البنك المركزي، وكان هو واحدا من أبرز الوسطاء الناجحين، وليكبر بعدها ويكبر حتى يصبح ممن تعتمد عليهم “مافيا النفط” لتسويقه إلى الخارج خصوصا بعد فرض مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات مختلفة على إيران بسبب سياسات أحمدي نجاد.

في أواخر العام 2012 كان “بابك زنجاني” قد وضع من قبل الاتحاد الأوروبي في اللوائح السوداء بسبب دوره في الالتفاف على العقوبات الدولية ضد إيران، وقبل ذلك كان اسمه قد تردد في الإعلام الدولي على نطاق واسع، وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن وزارة الخزينة الأميركية جمدت أيضا حساباته في الولايات المتحدة في أبريل 2013. وحسب مجلس الاتحاد الأوروبي فإن “بابك زنجاني” ساعد بعض الدول في انتهاك أحكام لوائح الاتحاد الأوروبي على إيران، كما يوفر الدعم المالي لطهران.


عندما يتحول النفط إلى ذهب


متاعب زنجاني بدأت بعد الاشتباه بضلوعه في صفقات فساد مع الدائرة الضيقة المحيطة بأحمدي نجاد، وقام مجلس الشورى الإسلامي الإيراني(البرلمان) بالتحقيق في أموال من بيت المال استحوذ عليها تصل إلى مليارات الدولارات، وقد أثار بعض النواب قضيته قائلين إن وضع هذه المبالغ الطائلة بتصرفه من قبل حكومة الرئيس السابق محمود أحمد نجاد، قرار غير صائب، مقدرين امتلاك زنجاني 13.8 مليار دولار.

لم يكن “بابك زنجاني” يعمل بمفرده، فقد كشف النقاب أنه شريك مفترض لرجل الأعمال “رضا ضرّاب” الذي يعتقد أنه مسؤول عن صفقات الفساد التي كشفتها التحقيقات التركية وأدت إلى موجة توقيفات لشخصيات كبيرة أعقبتها موجة استقالات من حكومة رجب طيب أردوغان وكادت تطيح به معتبرا أنه كان ضحية لمؤامرة سياسية.

فقد كان زنجاني مسؤولا عن بيع النفط الإيراني في السوق السوداء لتجاوز العقوبات الدولية، ونُقل عن ضرّاب قوله خلال التحقيقات أمام السلطات التركية إنه أبلغ عددا من أعضاء الحكومة التركية بأنه يعمل لدى “بابك زنجاني” في صفقات تحويل أموال النفط التي يمنع نقلها لإيران، إلى ذهب وتصديره إلى طهران عبر دبي في أغلب الأحيان، فقد استوردت إيران خلال الأعوام الثلاثة الماضية ما يعادل 8 مليارات من الذهب عبر جارتها تركيا، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الأميركية في يناير 2013 إلى فرض حظر تصدير الذهب إلى إيران، مما جعل إيران تخزن في تركيا ما يعادل 13 مليار دولار من الذهب كانت اشترته قبل الحظر على الذهب!.

استعان “بابك زنجاني” لفتح قنوات مع وزراء وأبنائهم في حكومة أردوغان برجل قدم نفسه في تركيا على أنه من أصول آذربيجانية ولم يكن إلاّ “رضا ضرّاب” الذي غيّر اسمه في تركيا إلى “رضا صراف” بعد حصوله على الجنسية التركية. فقام بإيجاد طريقة لإرسال مئات الملايين من الدولارات إلى إيران ودفع ملايين الدولارات كرشوة إلى مسؤولين كبار مثل وزير الاقتصاد التركي ظفر شاغلايان، (40 مليون دولار) ومدير “خلق بنك” سليمان أصلان (7.7 ملايين دولار).

تردد اسم زنجاني كثيرا في وسائل الإعلام المحلية بعد إعلانه عن امتلاكه أكثر من 70 شركة اقتصادية ضخمة وحصصا في شركة "أنور" التركية للطيران، ثم أثار ضجة كبرى حين نشرت إحدى الصحف المحلية صورة له وهو مسلح

ولم يكن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بعيدا عن هذا الملف المتشعب جدا والذي لم يبق محصورا في الحدود التركية، لأنه كشف دور الحكومة التركية في مساعدة طهران للالتفاف على العقوبات، الأمر الذي أحرج تركيا أيضا، فقد أثيرت التساؤلات على نطاق واسع عن دور تركيا من واقع أنه لا يمكن لـ”رضا ضراب” أن يحقق نجاحا باهرا في سوق الذهب ويقف وحده وراء 46” من الذهب الذي تصدره تركيا لولا الدعم اللوجستي والسياسي الذي كان يتلقاه في تركيا نفسها، فقد كان والد “ضراب” قريبا من أحمدي نجاد بينما كان هو يرتبط شخصيا بالملياردير القريب من كبار المسؤولين الإيرانيين “بابك زنجاني”، فمن هذا المنطلق بدأت الصحافة ووسائل الإعلام الإيرانية توجه أصابع الاتهام إلى “بابك زنجاني”، كداعم رئيسي لـ”رضا ضراب”، وترى أن زنجاني الذي أصبح يمتلك المليارات بين ليلة وضحاها في بلد يعاني من الحظر الاقتصادي والعقوبات ما هو إلا واجهة للسلطة، فهو ملياردير لتصريف الأعمال، والقرارات تتخذ له من خلف الكواليس.

إن كان “رضا ضراب” هو المتهم (التركي) الأول في ملف الرشوة وغسل الأموال في إطار عملية معقدة تمتد خيوطها من بكين إلى أنقرة مرورا بطهران، وتهدف في الأساس إلى كسر الحظر المفروض على إيران والالتفاف على العقوبات الاقتصادية التي تعاني منها إيران، فإن “بابك زنجاني” هو المتهم الإيراني الأول في هذا الملف.


السقوط المزيف


للالتفاف على العقوبات، أوجد الحرس الثوري الإيراني شبكة واسعة من رجال الأعمال‫ من شخصيات ‫تبحث عن الثراء والنعيم والقفز فوق المراحل ومنهم “بابك زنجاني‫”. وقد كانت بداية دخول الحرس الثوري في المؤسسة الاقتصادية أثناء رئاسة ‫هاشمي رفسنجاني (1989-1997)، وأصبحت أقوى في عهد محمود أحمدي نجاد‫، إذ أصبح نحو ثُلث أعضاء البرلمان من أعضاء ‫الحرس الثوري‫. وتم تعيين أعضاء الحرس الثوري أيضا في مراكز حساسة في الحكومة ‫.وبات الحرس أكثر نشاطا في الاقتصاد‫. وفي العام 2010 كان حوالي نصف الاقتصاد الإيراني في قبضة الحرس الثوري خصوصا المشاريع النفطية وشركة الاتصالات، علاوة على ذلك، تم تقديم ‫حوافز مالية‫ للعاملين في الشبكة التي أسّسها الحرس الثوري في الخارج، و‫”بابك زنجاني‫” هو أحد المنفذين البارزين في تلك الشبكة‫.

وعندما اعتقلت السلطات الإيرانية “بابك زنجاني” في شهر ديسمبر الماضي بعد شكوى رفعتها وزارة النفط في حكومة الرئيس “حسن روحاني” باتهامه بارتكاب فساد اقتصادي وابتلاع مليارات الدولارات من الحكومة، لم ينتفض الحرس الثوري ولم يغضب لكنه عمل في الخفاء على سيناريو دقيق من أجل الإفراج عنه. ولأن الحرس الثوري الإيراني وخصوصا فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية بقيادة اللواء قاسم سليماني، استفاد من العقوبات الدولية لإحكام سيطرته على الاقتصاد الإيراني، وكان بدأ الانخراط في الاقتصاد في زمن حكومة الرئيس الأسبق رفسنجاني، فإنه كثف من جهوده لإيجاد مخرج لقضية زنجاني بمساعدة السلطة القضائية برئاسة صادق لاريجاني، وذلك بعد أن سجل اعتقاله بسبب شكوى الحكومة برغم أن روحاني نفسه كان التقى “بابك زنجاني” ورحب بجهوده في خرق العقوبات، ونشرت صوره معه في الصحف الإيرانية.

ويضع البعض اعتقال زنجاني في سياق جهود روحاني في مواجهة شبكات الحرس الثوري الاقتصادية خارج إيران، حيث أعلن صراحة أن على الحرس الثوري أن ينسحب من الاقتصاد!..لكن القريبين من الصورة الحقيقية من داخل النظام يشيرون إلى أن اعتقال زنجاني جاء للتعمية ولترضية الغرب، فيما روحاني وفريقه التفاوضي، يعززان من نجاحاته في المفاوضات النووية، والتقارب مع الغرب، وهو لا يريد أن يعتبر من قبل الغرب، منتهكا للعقوبات، بينما هو يقترب من رفعها عبر المفاوضات.

14