بابلو بيكاسو اللص الذي لابد منه

الاثنين 2014/05/12

في متحف “ناشيونال غاليري” بلندن هناك لوحة واحدة لبيكاسو لا غير. لوحة صغيرة تمثل صورة شخصية لأحدهم كان بيكاسو قد رسمها عام 1901؛ هي صورة لعمر ابن مالقة -وهي إحدى بلدات الأندلس- وقد رسمها بيكاسو في سن العشرين يومها.

قد يكون مناسبا أن أشير إلى أن تلك اللوحة، كانت قد وضعت على الجدار مباشرة بعد لوحات لبول سيزان (1839 /1906)، كان قد رسمها في مختلف مراحل حياته الفنية.

وإذا ما كان سيزان قد توج بلقب أب الحداثة الفنية فإن لوحة بيكاسو التي أنجزها في العشرين من عمره، كانت تضاهي تلك اللوحات، لا من جهة الإتقان وحده، بل وأيضا من جهة التعبير الفني القوي.

بيكاسو الذي عرف بغزارة إنتاجه وتنوّع أساليب بحثه الفني، كان ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ الفن التشكيلي عبر العصور.

ظاهرة محيرة يقف نقاد الفن أمامها دائما، وهم في حالة استفهام وشعور عميق ومتجدد بالدهشة. فالرسام الذي يتنقل بسرعة بين الأساليب الفنية الحديثة، كان قد استوعب كل دروس الرسم، لا في عصره الذي كان انقلابيا بطريقة لم تشهدها عصور الرسم، بل وأيضا في مختلف العصور التي شهد فيها الرسم تحولات جذرية.

لقد هضم بيكاسو كل تلك التحوّلات وانتقل من بعدها وبخفة إلى فنون الحضارات غير الأوروبية، بما جعله قادرا على أن يرث وبسلاسة إنجازات الفنون الأفريقية والصينية والإسلامية.

كان جورج براك رفيق دربه التكعيبي يصفه باللص، لذلك كان يخفي لوحاته عنه. ولكن كم كان وجود ذلك اللص ضروريا من أجل أن تتسع خارطة الفن. كان بيكاسو نموذجا للرسام الكوني الذي لم ير في أوروبيته مركزا للعالم، بل رأى في الرسم، بغض النظر عن مصدره المظلة المناسبة التي تنشر ظلالها على البشر، كل البشر. كان أندلسيا بسعة أفقه العالمي.


كاتب عراقي

16