"باب الغواص" رواية الماضي والحاضر بين السعودية والقاهرة

السبت 2016/09/17
الشدي اختصر ماضي العرب وحاضرهم

بيروت - رواية “باب الغواص” للكاتب محمد الشدي رواية تشبه المذكرات، كما جاء على غلافها. فمن أجل الدفع في اتجاه بناء التغاير الخلاق، وحرصا على تجديد دماء الرواية العربية وفتح كوات جمالية في بنائها، يجترح الشدي هذه المرة مسالك مغايرة في نمط الكتابة الروائية، الهدف منها خلق فضاء نصي للحوار والتفاعل بين القارئ والنص المكتوب، فلا ينضبط لبنية خطية نمطية لنصه السردي، أو لنقول إن نصه يعتبر مزيجا بين السرد والنثر والتأملات.

ويعمد المؤلف في روايته، الصادرة حديثا عن الدار العربية للعلوم ناشرون، إلى إشراك قارئه في هموم وقضايا الكتابة عامة والرواية على وجه الخصوص -وهو ما يمكن قراءته في مقدمة الرواية بعنوان “ما كان كان..”، لهذا تحضر في “باب الغواص” شخصية الشدي الروائي والناقد معا، منطلقا من بديهية شهيرة مؤداها أن المبدع هو أول ناقد لعمله وللواقع الذي يتناوله، وخاصة حينما يرتبط الأمر بالتوجه القومي أو بالمناحي الفكرية العديدة، والتيارات الأدبية والسياسية التي سادت الوطن العربي في النصف الأول من القرن العشرين -مرحلة ما قبل الاستقلال وما بعده- حيث تنفتح الرواية على أفق زماني ومكاني عاش العرب خلاله أسوأ حالة وأسوأ تاريخ، مرحلة النكسة وما يليها من أحداث.

ويمثل بطل الرواية، وهو شاب وافد للدراسة من “باب الغواص” في المملكة العربية السعودية إلى القاهرة، نموذجا للشباب الواعي بقضايا أمته والباحث خارج حدود منطقته عن حياة يتشارك فيها مع الآخرين الرأي والبحث عن الحلول، والتي يتم فيها صون الأوطان في ظل صراع على النفوذ بين الدول الكبرى على البلدان التي تمثل مصدر ثروات، والذي بقي مستمرا حتى بعد الاستقلال.

لذلك نجد الشدي يُحمل بطل روايته محمد همومه، فيقول البطل “إن همومي كثيرة! ماذا بقي..؟ بكيت على العرب حين مات عبدالناصر ثم توفي الأمير فيصل بن عبدالعزيز، فحزنت أكثر ثم فرحت حين انبثق العمل الفدائي.. فرحت للنصر القريب الأول وتم العبور حزنت لزيارة السادات إلى إسرائيل. بكيت بكل حرقة لحصار بيروت ولمذابح صبرا وشاتيلا. وحزنت لتلاعب ذلك الحزب بسوريا الغالية. فرح وبكاء.. البكاء أكثر من الفرح والأحزان أشد من خوفي الدائم على أصل العرب اليمن ومازال في القلب الكثير من الجراح!”.

لقد اختصر محمد الشدي في رواية “باب الغواص” ماضي العرب وحاضرهم، وعالج قضايا اجتماعية، وطرح أسئلة الكتابة من داخل النص الروائي في ضوء التحولات العميقة التي تعيشها الثقافة العربية عامة، والرواية الجديدة على وجه التحديد. فاستحق عمله أن نسمه بأنه عمل مجدد ولو كان يعالج قضايا قديمة رافقت العرب منذ القرن الماضي إلى الآن، إلا أنه عالجها بأسلوب بسيط وعميق في آن واحد.

وقدم الرواية بقراءة نقدية الإعلامي والكاتب اللبناني فؤاد مطر الذي يقول فيها أن يكتب صاحب تجربة مذكراته، سياسيا كان هذا الصاحب أو دبلوماسيا أو عسكريا أو من الذين خاضوا بالقلم والمعاناة مرحلة بالغة التعقيد والحساسية في الحياة الثقافية والفكرية، وهذا أمر مألوف ولطالما أمدَّنا كثيرون بتجاربهم في مذكرات غلب الطابع الشخصي على مضامينها.

أما بالنسبة إلى محمد الشدي في “باب الغواص”، فإنه يصوغ تجربة حياة ومجتمع ورموز في هذا المجتمع في رواية يسمو الحب فيها وترتسم مبادئ متشابكة تطمح إلى الأفضل مع إضاءة كشافة على سلبيات في مجتمع لطالما اقتحمت بعض التقاليد نقاءه، فكانت مثل ريح عاتية أسقطت ورودا تفتحت وثمارا على أهبة النضوج.

واعتبر فؤاد مطر أن الرواية تشبه في أجوائها ثلاثية كبير الروائيين العرب نجيب محفوظ، إذ يسجل هذا العمل بدقة وبساطة تجربة حياة وتجربة حقبة زمنية من مجتمعاتنا العربية، وكل ذلك من دون أن يخدش خِضم الخصوصية أو يتجنى على تقاليد موروثة، وإنما برصانة تجعل من الكاتب وسطيا حتى وهو يقدم نصا يشبه السيرة الذاتية، وهذا ما يوهمنا به انطلاقا من تماهي اسمه مع اسم البطل.

لكن يبقى ما نعيبه على الرواية هو عدم تقديمها للجديد العميق فكريا، وغياب الجهد في نحت الشخصيات، إضافة إلى تراجع الشجاعة أحيانا في طريق النقد، وكأنّ هناك شيئا ما يكبّل الكاتب.

15