"باب الفتوح" قضية جادة تفسدها المزحات والأغاني المقحمة

الكثير من الأفكار المتضاربة تنتابك خلال مشاهدتك للعرض المسرحي المصري "باب الفتوح"، فلا تستطيع الجزم ما إن كان صناع العمل قد أرادوا مقارنة انتصارات وبطولات الماضي بمعاناة الشعوب العربية في الحاضر، أم أنه إسقاط غير مباشر على البطل العربي صلاح الدين الأيوبي، لكن المؤكد أن العرض يشير إلى فكرة العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
الجمعة 2015/10/02
عرض يؤكد على حتمية التواصل بين الحاكم والمحكوم

“باب الفتوح” عرض مسرحي يلعب بطولته النجم يوسف شعبان ومعه محمد رياض، ويمثل انطلاقة جديدة لمسرح “السلام” المصري الذي أعيد افتتاحه بعد التجديدات عقب فترة إغلاق طويلة، ويحمل رؤية جديدة لكاتبه محمود دياب الذي يقدم في روايته المسرحية شخصية الشاب المصري الطموح أسامة بن منصور صاحب كتاب “باب الفتوح” الذي يسعى إلى مقابلة الناصر صلاح الدين ليعرض عليه أفكارا حول الحكم، كما جاء في كتابه، تحقق مبادئ التكافؤ، والعدالة الاجتماعية بين جموع الشعب.

يبدأ العرض بحوار بين مجموعة من الشباب يناقشون من خلاله مصاعب الواقع الحالي بما يشهده من صراعات، ويحلمون بواقع مجتمعي أفضل من خلال إيمانهم بقدرتهم على تغيير التاريخ، وعندما يطلقون العنان لخيالهم، تختار واحدة منهم زمن وشخصية القائد صلاح الدين الأيوبي رمزا لهذه الحياة، ومع ذلك يبحث رفاقها عن رمز أكثر ثورية ممثلا في شخصية أسامة بن منصور الذي حمل في كتابه هموم الأمة والشعوب العربية.

ماض وحاضر

الإسقاطات عن الماضي والحاضر لا تنتهي في العرض، فمثلا يوجد نموذج الحاشية المحيطة بالحاكم ممثلة في شخصية عمادالدين الذي يلعب دوره الفنان محمد محمود، ويجسد شخصية المؤرخ الفاسد، كذلك يقدم الفنان أشرف طلبة دور سيف الدين قائد الجنود، الذي يقف عقبة في طريق ابن منصور ويمنعه من مقابلة صلاح الدين ويهدده بالقتل إن فعل.

صناع المسرحية أضافوا عنصر الغناء إلى بعض المشاهد، لكن طريقة الغناء وتوقيتاته جعلتا الأمر عبثيا بعض الشيء

ورغم المحاكاة الهامة لمثل هذه الوجوه التي تشير إلى مصادر الخلل ومنابعها الأساسية في أنظمة الحكم العربية من حاشية فاسدة عادة ما تحيط بالحاكم، إلاّ أن صناع العمل أضاعوا فرصة الاستمتاع بالدلالات الرمزية الهامة في النص بالإكثار من المزح غير الضروري، والذي لا يتناسب مع قيمة الرواية وجدية القضية التي يتحدثون عنها، ولا تنسجم مع طريقة الإلقاء والأداء باللغة العربية الفصحى، فأخرجت العمل عن أجوائه المفترضة ليقترب من هزلية مسرح القطاع الخاص في محاولة لاجتذاب قاعدة جماهيرية أكبر.

وفي المقابل فالإسراف في المزاح يحتاج إلى وقفة من مسؤولي مسرح “السلام”، إن لم يكن من أجل منعها فعلى الأقل ضبطها بما لا يخرج المشاهدين من أجواء العرض، إذ لا يعقل أن نسمع مزحة من الفنان أحمد محمود وهو يخاطب إحدى الممثلات فيقول “القائد في انتظارك الساعة 7 في ماكدونالدز″، أو يدخل في نوبات ضحك مع الفنان محمد رياض، وكل منهما يذكّر الآخر بدوره الذي قدمه خلال رمضان الماضي، في مسلسلي “لعبة إبليس″، و”حارة اليهود”.

ضمن مساعي صناع “باب الفتوح” إلى تقديم وجبة مسرحية متكاملة، أضافوا عنصر الغناء إلى بعض مشاهد العمل، لكن طريقة الغناء وتوقيتاته جعلتا الأمر عبثيا بعض الشيء، حيث أن الأحداث لا تشعرك بالحاجة إلى ذلك، خاصة وأنه جاء في شكل “كوبليه” قصير بعد كل مشهد لتلخيص الحديث الذي تضمنه.

مشاكل تقنية

الأفكار والرؤى لا تبدو واضحة في العمل، فرغم ما حققه الناصر صلاح الدين من بطولات وفتوحات عربية، لكن العرض أظهرها لنا في شكل مستتر لدرجة توحي بالهزيمة، دون أن نعرف هل كان المقصود بالفعل هو التقليل من قيمة ما حققه البطل العربي، أم استدرار مرارة الحالي لتسويد حلاوة الماضي؟

مسرحية دسمة تحدد مصادر الخلل بأنظمة الحكم العربية في رجال الحاشية الفاسدين وانعزال الحاكم عن رعيته

الأمر الذي ظهرت تجلياته في مشهد انحياز قائد الجنود سيف الدين ليهودية عربية، وهو ما قد يراه البعض إدانة للأنظمة العربية التي تعاونت في بعض الأحيان مع اليهود نكاية في أنظمة عربية أخرى، أو أنه كناية عن فساد السلطة في البلاد العربية على اختلاف المراحل الزمنية، حيث يصور المشهد السيدة اليهودية التي تحالفت مع الصليبين، واستولت على بيت أبى الفضل، وعندما حاول هذا الأخير العودة إلى منزله بعد النصر، قام قائد الجنود بتمكينها من المنزل ووعدها بتوفير الحماية للبيت الذي حولته إلى وكر للأعمال المنافية للآداب.

لعل شخصية أبي الفضل التي يقدمها الفنان يوسف شعبان كان من الأجدر أن يفرد لها مساحة أكبر، مع توضيح أعمق لمآسي أصحاب القضية الفلسطينية، فالنجم لم يظهر إلاّ في الفصل الثاني الذي زادت فيه مشاهد اليهودية وابنتها أكثر من اللازم، بالإضافة إلى أن العرض لم يبرز فكرة الربط بين شخصية الشاب المصري الطموح أسامة بن منصور وآماله في توصيل رسالة الحرية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة للقائد العربي إلاّ في نهاية العرض، في إشارة غير مباشرة إلى كون مصر هي المنبع والمهد لأصحاب الولايات، ويكلل ذلك باختيار اسم “باب الفتوح” عنوانا للعرض.

فهذا المكان هو أحد أبواب القاهرة، ويقع بجوار مسجد الحاكم بأمرالله، وكانت الجيوش تخرج منه في طريقها إلى الفتوحات العربية.

ديكور العمل الذي نفذه المهندس أسامة المنصوري بسيط لا يتعدّى بعض البوابات الإسلامية التي حاول الاقتراب فيها من شكل باب الفتوح أو الطراز العربي بشكل عام، لكنه لم يخطف الأنظار، وبدا باهتا بعض الشيء، كما حمل العرض بعض المشاكل التقنية في الصوت تمثلت في ارتفاع وانخفاض أصوات الممثلين من وقت إلى آخر.

يبقى عرض “باب الفتوح” الذي أخرجه فهمي الخولي، ثمرة هامة في حصاد مسرح الدولة خلال الفترة الأخيرة، سواء بدفع عجلة إنتاجه أو في تقديم لموضوعات وقضايا مختلفة، وتبقى قيمة العرض في التأكيد على حتمية التواصل بين الحاكم والمحكوم، وأيضا في رمزية اختيار رجال الحاشية الفاسدين الذين أطاحوا بالعديد من الحكام العرب على مدى التاريخ. الخلاصة أنه في الوقت الذي أراد فيه صناع العمل إضفاء نوع من البهجة عليه، فإنهم في المجمل أفسدوا قيمة الانسجام والمتابعة المتأنية للعرض.

17