باب الليل

الأربعاء 2015/06/17

كانت رواية الأديب الموهوب وحيد الطويلة “باب الليل”، مفاجأة سارة بالنسبة لي شخصيا، فهي مكتوبة بالطريقة التي تجعلك لا تريد أن تتركها لحظة واحدة، فلدى الكاتب قدرة فذة على تجسيد الصور والشخصيات والحركة والزوايا والإضاءة والأصوات والهمسات والرائحة.

إنه يعرف كيف يتدخل في الوقت المناسب بضمير الأنا ليصف، وكأنه يعيش في قلب هذه الأجواء الغريبة التي عاشها بالفعل طيلة عشر سنوات في العاصمة التونسية، خبر خلالها “قلب ليل” تلك المدينة الملغزة بأسرارها، لا تكشفها لأي عابر سبيل.

إنه يكشف في روايته الجريئة عالما بأسره، مليئا بالأسرار، بالحكايات الدفينة، بالخطايا، بالمتع، بالانكسارات، بالآلام، حكايات الفتوة التي كانت ولم تعد، والنضال الذي لم يبق منه سوى الاجترار المكسور، واللهفة على النسيان، والقوة الشيطانية عندما تتملك جسد امرأة تحرك فيه كل خيوط الشهوة للسيطرة والتملك رغم كل ما يكمن في داخله من جروح.

تتميز رواية “باب الليل” أول ما تتميز، بالصدق الشديد، كما تبرز فيها عشرات الصور والشخصيات، تتحرك وكأنها في سياق سينمائي يكسر الرتابة والوصف التقليدي، وينحو نحو السرد الحر، والتداعيات، التي لا تنبع فقط من ذهن الراوي وتجربته ومعرفته بالمحيط الذي خبره، بل من ذاكرة الشخصيات المعذبة التي تعبر سماء تلك المدينة المليئة بالأسرار، الواقعة خلف ستائر تلك المقاهي والحانات الليلية.

شخصياته من الفتيات الباحثات عن التحقق في مجتمع قلق لا يمنحهن الأمان، بيع المتعة للرجال مهنتهن، والرجال جميعا مكسورة أجنحتهم، منهم من فاته زمن الفتوة، ومنهم من يحلم بأن يعبر جسر اللذة بسرعة مستوليا على أجساد العشرات منهن لا يفوّت واحدة، ولكن معظمهم شخصيات مأزومة، متعبة، مفلسة، مهزومة، تجترّ ماضيها وترثي لحاضرها.

يستعرض وحيد الطويلة شخصيات تونسية وإيطالية وفرنسية وعربية، ويتوقف بوجه خاص أمام الشخصيات التي تجسد عالمه، منها “صاحبة المقهى، مولاته، درة، درة الدرر”، التي يقول عنها “على رأس الطاولة تجلس بأبهى الألوان، بضاعة فرز أول، تعرف تماما لماذا جاؤوا، تملك فراسة امرأة من نساء ألف ليلة وليلة، تعرف كيف تدير اللعبة، تبقيهم على نار كل يوم في انتظار منهك، تشغلهم بقربها ليطفئوا نارها، وإن ربطتهم جميعا بخيط واحد من أحلامهم وشهواتهم الفاقعة”.

ينتقل الكاتب برشاقة بين موائد الحانات، يسجل أنين شخصيات روايته، يرصد شهواتها المنتصبة، وعيونها المتسعة التي تتطلع في وقاحة إلى العجيزات وهي تتهادى ثم تدلف بين الطاولات.

يقطع السرد في “فلاشات باك” كثيرة تثري الشخصيات وتعيدها إلى تاريخها، يعرف كيف يشدّك لكي تنتظر بقية تفاصيل القصص التي تتوالى عبر بناء روائي شديد الثراء والجمال والرونق، بناء يمضي متحررا من قيود الصنعة، لكنه يشي بقدرة خاصة على الإمساك بناصية الحكي في تركيزه المدهش على التفاصيل الصغيرة.

وتصلح شخصية أبوشندي الفلسطيني الذي بلغ سن ما بعد التقاعد، وحدها، لرواية تراجيدية مثيرة، هو الذي كان في شبابه بطلا من أبطال المقاومة المجهولين، ثم وجد نفسه وحيدا لا عمل له، تركوه خلفهم في تونس بعد رحيلهم لأن الإسرائيليين وضعوا اسمه على القائمة السوداء.

هذا الرجل الذي يملك حكمة الدهر، تبتسم وأنت تسمعه يقول لصاحبة المقهى التي يتمناها الجميع “أنت أكبر مثال وأنجح مثال على ما حدث للثورة الفلسطينية”.

ثم يضيف “نحن قمنا بثورة في المنافي وأنت وحدك قمت بثورة في المقاهي.. الفارق الوحيد أنك تربحين، أما نحن فنخسر”!

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16