باب المقهى يغلق على إصبع الحكومة في مصر

تقود الحكومة المصرية حملة لغلق عدد كبير من المقاهي الشعبية والراقية بعد مقتل شاب عشريني على يد أحد العاملين في مقهى بدافع غياب التراخيص. لكن هل تستهدف الحملة تطبيق القانون فعلا، أم تحمل أيضا أبعادا سياسية قد تتسبب في غضب مجتمعي حاد؟
الثلاثاء 2017/02/14
شطبنا!

القاهرة - تقود الحكومة المصرية حملة موسعة لغلق مقاه لطالما مثلت متنفسا للشباب وكبار السن والسيدات، وشكلت أيضا صداعا مزمنا للسلطات منذ اندلاع ثورة يناير 2011 التي أطاحت بنظام حسني مبارك.

وأجهزة المحليات هي رأس الحربة في حملة أعقبت مقتل شاب في العشرينات من عمره، على يد مجموعة من العاملين بأحد مقاهي حي مصر الجديدة (شمال القاهرة)، بينما كان يشاهد مباراة مصر والكاميرون في نهائي بطولة كأس الأمم الأفريقية، بسبب خلاف على دفع ثمن المشروبات. وتبين في تحقيقات النيابة لاحقا أن المقهى غير مرخص.

ومنذ ذلك الحين ينتشر موظفون حكوميون ورجال أمن في الشوارع بحثا عن مقاه لا تحمل ترخيصا، بعدما شن ناشطون هجوما واسعا على الحكومة في مواقع التواصل الاجتماعي.

ورصدت “العرب” أن عملية غلق المقاهي لم تتوقف عند المناطق الراقية بل امتدت لتشمل مقاهي في أحياء شعبية، لكن التركيز في الحملة انصبّ على محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية، وجرى غلق 210 مقاه بها بعدما تبين أنها تضم عددًا كبيرًا من المقاهي غير المرخصة، وفي أماكن يسكنها مسؤولون كبار.

ويقول مراقبون إن دوافع سياسية واجتماعية تقف خلف خطوة الحكومة المصرية، التي تخشى من نفوذ فكري واجتماعي واسع للقهوة في ثقافة الشارع المصري.

مقهى الثقافة وثقافة المقهى

مثّلت مقاهي وسط القاهرة، في الأشهر الأولى لثورة يناير 2011، التي انتهت موجتها الأولى بتنحي حسني مبارك في 11 فبراير من العام ذاته، منصات انطلاق للمظاهرات والتجمعات الاحتجاجية المعارضة.

وكانت المقاهي بمثابة صالون سياسي يجمع التوجهات السياسية والفكرية المختلفة، غير أن أحوالها تبدّلت كروادها بعد ست سنوات، إذ باتت السياسة من المحظورات.

وعُرفت المقاهي القريبة من أيقونة الثورة ميدان التحرير (وسط القاهرة) والشوارع المؤدية إليه، بأنها بؤر تجمعات الحركات الشبابية والنشطاء الثوريين، وأبرزها مقاهي: ريش وغزال وأفتر آيت والحرية والبورصة وغيرها.

في مصر ثمة فلسفة عميقة في إدارة مؤسسات الدولة، خصوصا المحليات التي ينتشر فيها الفساد بمعدلات كبيرة، تقول "لو أردت افتتاح مشروع اذهب إلى المحليات، وإن أغلق اذهب إلى الداخلية"

واستطاعت المقاهي بوصفها مراكز تجمعات تتلاقى فيها طبقات المجتمع المختلفة، أن تساهم في توحيد جهود النشطاء والسياسيين والمفكرين وبلورتها في عمل جماعي واحد يتجسّد في حراك على الأرض، حيث تجاوزت دورها كمكان ترفيهي شعبي.

ويمتد شارع شامبليون من ميدان التحرير حتى شارع 26 يوليو، متقاطعا مع شارع عبدالخالق ثروت الكائنة به نقابة الصحافيين (أحد مراكز الاحتجاجات في السنوات الأخيرة)، لذلك كانت مقاهيه من روافد الثوار والمتظاهرين نحو ميدان التحرير.

ويعجّ الشارع بمقاه تحولت مع الوقت إلى أيقونات وفقا لنوع زائريها. ومن أبرز مقاهي شارع شامبليون: التكعيبة، وأفتر آيت وغزال.

وعلى مقربة من شارع شامبليون يقع مقهى ريش بشارع طلعت حرب، أحد الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير، إذ يعتبر من أهم مقاهي المثقفين والأدباء في مصر.

ويعود تاريخ إنشاء مقهى ريش إلى 1908، وقد اشتهر قديما بتوافد كبار الكتاب والصحافيين والفنانين عليه بصفة يومية، ومن أبرزهم الأديب الراحل نجيب محفوظ (الحاصل على جائزة نوبل في الأدب)، وكان للمقهى دور في التجمعات الاحتجاجية خلال الثورة.

وظلت المقاهي التقليدية تلعب دور المجتمعات الفكرية الصغيرة والمتفرقة، حتى ظهر نوع جديد من المقاهي يسمى الـ”كافيتريا”، وقد تمكن من جذب شباب الطبقة المتوسطة والعليا، وقسم المجتمع طبقيا إلى نصفين.

ويجلس اليوم على المقهى التقليدي أبناء الأحياء الشعبية والعشوائيات والمسافرون من الأرياف والمحافظات البعيدة. وتسبب الفارق الشاسع في الأسعار بتباعد الفروق في الطبقات الاجتماعية التي تزور المقاهي.

ويقتصر زوار المقهى التقليدي على الرجال في أغلب الأحيان، ولا يقدم سوى مشروبات تقليدية لطالما عرفت بـ”مشروبات المقهى”، كما اشتهرت بتدخين النرجيلة (الشيشة)، وسماع الأغاني والأخبار التي يبثها الراديو. وحديثا بدأت مقاه قديمة تقدم خدمة مشاهدة مباريات كرة القدم المهمة على شاشات تلفزيون كبيرة بحثا عن إقبال جماهيري.

أما “الكافيتريا” فنشأت على فلسفة الاختلاط بين الرجال والنساء، وتقديم وجبات طعام كاملة والاستماع إلى الموسيقى طوال الوقت.

يقول سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة “المقهى تراجع كثيرا عن دوره الفكري والسياسي، إذ ينسحب الكثير من المفكرين والأدباء والناشطين السياسيين إلى نواد مغلقة وخاصة مثل النادي اليوناني ونادي ساويرس”.

وأضاف لـ“العرب” إن “الأنظمة التي قامت فيها ثورات تخشى من التجمعات على المقهى. عدت للتو من تونس وشاهدت نفس التضييق الأمني على المقاهي، خصوصا تلك القريبة من أماكن التجمعات في تونس العاصمة. لا تنسى أن الحملة على المقاهي في مصر تزامنت مع ذكرى تنحّي مبارك في 11 فبراير”.

وكان صادق يتحدث عن أكثر المواضيع حساسية بالنسبة إلى الحكومة في مصر: مواعيد محددة من كل عام تخشى أن تتحول إلى قنبلة موقوتة.

ومازالت السلطات ترى في المقاهي بؤرا قد تتناثر منها شظايا هذه القنبلة وقت انفجارها.

لكن المقاهي باتت مصدرا لمشكلة من نوع آخر، إذ تحولت، خصوصا في الأحياء الشعبية، إلى مغناطيس جاذب لبعض الخارجين عن القانون وتجار المخدرات والأسلحة ومن يحملون سوابق إجرامية.

وتسبب ذلك في غضب مصريين عاديين، إذ تقع غالبية المقاهي الشعبية وسط مناطق سكنية مزدحمة. ويقول الكثير من هؤلاء إن الحومة تلجأ إلى الحل الأمني في تعاملها مع المقاهي، من دون أن تتمكن من إيجاد بديل مناسب وغير مكلف يمكن للشباب اللجوء إليه بعد إغلاق المقاهي.

وقال مراقبون تحدثت معهم “العرب” إنهم يخشون من أن تكون “ثورة الغضب الحكومية على المقاهي” وقفة استثنائية، تستهدف تهدئة الرأي العام لفترة مؤقتة وأن تلك المقاهي قد تعيد فتح أبوابها مرة أخرى قريبا.

ويمارس أصحاب مقاه وبعض من أعضاء البرلمان المصري ضغوطا على المجالس المحلية لوقف الحملة.

ويقول مسؤولون محليون إن تراخيص المقاهي في محافظات، من بينها االقاهرة، كانت متوقفة منذ فترة تزيد على 20 عامًا، وحدثت حملة إغلاق واسعة لعدد منها ثم أعيد فتحها مرة أخرى، لكن من دون الحصول على موافقة مباشرة من المسؤولين في المحافظات.

سعيد صادق: الحكومة لا تخشى من مقاهي الأغنياء، لكنها تعمل ألف حساب لمقاهي وسط البلد ومقاهي الفقراء، مصدر أي حشد شعبي محتمل

ويقول إبراهيم صابر، رئيس حي مصر الجديدة في القاهرة، لـ”العرب” إن “ما يثار حول وجود مجاملات لأصحاب المقاهي، أو أن الأمر مجرد تهدئة للرأي العام غير صحيح، فلا توجد حماية لأحد، وجرى من قبل غلق الكثير من المقاهي وهدم المخالفات لعدم وجود ترخيص، وكان يعاد فتحها مرة أخرى بالمخالفة، لكن سيتم تشديد الرقابة خلال الفترة المقبلة بشكل غير مسبوق”.

ويقود معارضون لغلق المقاهي حملة موازية، ويحذر الكثير منهم من أن تؤدي إجراءات الحكومة إلى ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل، وتشويه صورة الاستثمار في المشروعات الصغيرة، كما أكدوا أن الحملة الحكومية تمثل تضييقًا على الناس.

ويقول خبراء إن في مصر “منظومة حماية خفية” لأصحاب المقاهي داخل المجالس المحلية للأحياء وهو ما ساعدها على التوسع في نشاطها، بالمخالفة للقانون خاصة وأن النسبة الأكبر منها مملوكة لأشخاص يتمتعون بنفوذ واسع.

ويقول كمال صديق، وهو مسؤول محلي سابق بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، إن “منظومة حماية أصحاب المقاهي متشعبة، سواء في علاقة أصحابها بشخصيات لهم نفوذ يترددون على بعض المقاهي ويدفعون نصف السعر أو لا يدفعون من الأساس، أو عبر ترضية مسؤولين بعينهم داخل الأحياء (المجالس المحلية) مثل مراقبي الطرق أو المفتشين أو رجال البلدية المعنيين بإزالة المخالفات، وحتى البعض من الموظفين في شركات المياه والكهرباء والتموين”.

وأضاف لـ”العرب” أن “تفكيك شبكة الحماية لأصحاب المقاهي، ومحاسبة من تغاضوا عن تطبيق القانون طوال السنوات الماضية، أو على الأقل التحقيق معهم، يحدّان من إعادة تكرار الظاهرة مرة أخرى، لكن الاكتفاء بالغلق دون البحث عن المتورطين في هذه العشوائية ومن تغاضوا عن المحاسبة وتفعيل القانون وسمحوا لهذه الكيانات بأن تتوسع لن يحل الأزمة، وسينتهي مشهد الغلق خلال أيام قليلة”.

أكبر من المحليات

لكن هل المجالس المحلية هي صاحبة القرار النهائي في إغلاق المقهى؟ تنتشر في مصر فلسفة عميقة في إدارة مؤسسات الدولة، خصوصا المحليات التي يشيع فيها الفساد بمعدلات كبيرة، تقول “لو أردت افتتاح مشروع اذهب إلى المحليات، وإن أغلق اذهب إلى الداخلية”.

وتملك وزارة الداخلية نفوذا واسعا على كل المؤسسات المحلية، كما تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في ما يجري بسوق الاستثمار، خصوصا المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وبالنسبلة إلى ضباط النشاط السياسي في جهاز الأمن الوطني (الاستخبارات الداخلية)، كان الهدف اختراق المقاهي التي يجري فيها التخطيط لأي تجمعات سياسية أمام أعينهم طوال الوقت.

وفي مقهى “أفتر آيت” (ما بعد الثامنة) في شارع شمبليون، يتحرك مسرعا أحد عمال المقهى ويدعى “حموكشة”، وهو يتلوى كالثعبان بين المقاعد الخشبية المتقاربة حاملاً بخفة جملة من طلبات الزبائن المتنوعة بين الشاي والقهوة والمشروبات الغازية.

يقول حموكشة “الحديث في السياسة بات من المحظورات، نحن لا نسمح لأيّ أحد هنا بالكلام في السياسة”.

وغالبا ما يجلب الكلام في السياسية الكثير من المتاعب على المقاهي، من بينها حملة الإغلاق الموسعة. وهذه ليست المرة الأولى التي تشن فيها السلطات حملة لإغلاق المقاهي، إذ سبقتها حملة أخرى شنتها وزارة الداخلية على مقاهي القاهرة بالتزامن مع قضية “تيران وصنافير”، الجزيرتين المتنازع على سيادتهما بين مصر والسعودية.

وشهدت منطقة وسط القاهرة تواجدا أمنيا مكثفا، إذ انتشرت عناصر الأمن بملابس غير رسمية في محيط نقاط الصحافيين والشوارع الجانبية المؤدية إلى ميدان التحرير.

ويقول سعيد صادق إن “الحكومة لا تخشى من مقاهي الأغنياء الذين لا تتعدى معارضتهم للنظام حاجز الانتقادات فقط، لكنها تعمل ألف حساب لمقاهي وسط البلد ومقاهي الفقراء، وهي مصدر أيّ حشد شعبي محتمل”.

وأشارحموكشة لمراسل وكالة “الأناضول” إلى أن من بين الجالسين في المقهى أحيانا رجال شرطة لا يرتدون الزي الرسمي، يرصدون حديث الجلوس.

وخلال حديثه اقترب شاب تبدو في نظراته حدة غير معهودة من بين كل الزبائن الجالسين بالمقهى، وكان على مقربة، وكان أكثرهم ثقة بكلامه، اسمه فؤاد، وهو أمين شرطة (رتبة أقل من الضابط).

وسرعان ما قال فؤاد دون تحفظ “نحن ننتشر في غالبية مقاهي وسط القاهرة، وتحديداً القريبة من ميدان التحرير ونقابة الصحافيين”.

يرى الشرطي المرتدي زيا مدنيا أن تواجده مع أقرانه بين رواد المقاهي، “يمنع أعضاء حركة 6 أبريل المشاغبة (معارضة) من توزيع منشورات تحرض على النظام”.

قال فؤاد متطرقا إلى إغلاق المقاهي، أثناء دعوات التظاهر التي زادت مؤخرا على إثر “قضية جزيرتي تيران وصنافير”، إن “المقاهي تغلق أمنياً لتضييق الخناق على المشاغبين، والقرار يصدر رسميا من وزارة الداخلية”.

ومنذ الحملة على المقاهي أطلق عدد من أصحاب المطاعم والكافيتريات الكبرى حملة تهاجم الحكومة لإعادة فتح مقاه كانوا يملكونها مرة أخرى وللترخيص لها وتقنين أوضاعها.

وأعلن جهاز حماية المستهلك (حكومي) عن تخصيص خط ساخن لتلقي شكاوى المواطنين من فرض تسعيرة إجبارية أو حدّ أدنى للدفع (مينيمام تشارج) داخل أيّ مقهى، وهدد الجهاز بأن الأمر قد يتسبب في غلق المقهى تماما.

13