باب زويلة في القاهرة ألف عام من تصفية الحسابات السياسية

باب زويلة في وسط القاهرة الذي اشتهر عبر التاريخ بكونه أشهر وأهم ساحة إعدام يدخل ضمن المباني المفترض ترميمها إلى جانب ثلاثين مبنى أثريا في المنطقة.
الاثنين 2018/05/07
سوق يزدحم بالزبائن والأساطير

القاهرة- بدأت وزارة الآثار المصرية مؤخرا، مشروعا لرفع كفاءة منطقة الجمالية والأزهر وملحقاتهما من شوارع وحارات ومبان أثرية تعود لأزمنة سحيقة. المشروع المطروح على 14 شركة مؤهلة للعمل ضمن مشروع القاهرة التاريخية يحوي وفقا للأثري محمد عبدالعزيز المُشرف على المشروع، نطاق شارع المُعز، بداية من باب الفتوح وحتى باب زويلة ومداخل الشوارع والأزقة المُتعامدة عليهما في وسط القاهرة.

مُحيط باب زويلة يدخل ضمن المباني المفترض ترميمها ورفع كفاءتها إلى جانب ثلاثين مبنى أثريا في المنطقة. ذلك الباب الذي اشتهر عبر التاريخ بكونه أشهر وأهم ساحة إعدام، تحول اليوم إلى مكان تجري فيه عمليات التجارة، ويزدحم بالباعة والمُشترين.

 

يبقى باب زويلة، أشهر بوابات القاهرة على مرّ العصور، القلب النابض، شاهدا على أكثر من ألف عام من تاريخ متغيّر حملت طياته محنا ومؤامرات، انتصارات وهزائم، ساحة استضافت إعدام العديد من الأمراء والملوك. وتسعى الحكومة المصرية أن تحيي جمال الباب العريق ومنطقته المحيطة بمشروع يهدف إلى رفع الكفاءة وترميم المباني العريقة لتبقى مركزا مُلهما لزائريها

على الجانبين تتراص بضائع عديدة لمحلات منتشرة منذ القدم، لتسخر من أساطير مُخيفة نسجها العامة حول المكان وتوارثها جيلا بعد آخر. باب زويلة، أو بوابة المتولي كما يحب بعض العامة تسميته، شاهد على مآس وإعدامات وأحكام صلب مخيفة. شاهد كذلك على استشهاد بطل قاوم الغزاة العثمانيين عندما غزا السُلطان سليم الأول مصر سنة 1517، وهو طومان باي.

في 13 أبريل 1517 انطلق موكب السُلطان الأشرف طومان باي من معسكر السلطان سليم الأول في إمبابة (الجيزة الآن) مخترقا شوارع القاهرة نحو باب زويلة، وشُنق وسط صراخ الناس وعويلهم.

يحكي المؤرخ ابن إياس كيف صافح السُلطان المحكوم عليه بالإعدام المصطفين من الناس وطلب منهم قراءة الفاتحة له، قبل أن يأمر منفذ الإعدام بسرعة أداء عمله.

خمسة قرون مرت على الواقعة، ومازال سُكان المنطقة المُحيطة بباب زويلة يروونها كأنهم بعض شهودها، بل أضافوا إليها حكايات وأساطير حول الظلم والتجبّر العُثماني بعد غزو السلطان سليم الأول لمصر.

إعدام طومان باي وشنقه فوق بوابة زويلة ليس الحدث التاريخي الوحيد المقترن بالباب، فقبل ذلك بمئتين وخمسين عاما، في فبراير سنة 1258 ميلادية، استولى الإمبراطور المغولي هولاكو على بغداد وقتل الخليفة العباسي هناك وزحف على سوريا واستولى عليها، ثُم وصل إلى غزة بفلسطين، ومنها أرسل رُسله إلى الملك المملوكي المظفر قُطز طالبا تسليم مصر وخضوعها لسلطانه.

يذكر المستشرق ستانلي بول في كتابه “تاريخ مصر في العصور الوسطي”، أنه كان لا بد من رد حاسم من سلطان مصر قبل أن يتحول عنه كبار الأمراء، لذا لجأ قُطز إلى إعدام رسل هؤلاكو، وأمر بتعليق رؤوسهم على باب زويلة حتى يراهم العامة والخاصة ويعرفون أنه لا يهاب إمبراطور المغول المتجبّر. بالفعل كانت الواقعة سببا في انتصار قُطز بعد أسابيع على المغول في موقعة عين جالوت.

كما شهد الباب، صلب الوزير نصر بن عباس وزير الخليفة الفاطمي الظافر بعد اتهامه من قبل نساء القصر بالتورط في اغتيال الخليفة، وتم قطع أنف وأذن الوزير، ثم صلب حيا فوق الباب لعدة أيام حتى فاضت روحه، وتُرك معلقا لبضعة أشهر.

كان السلطان المملوكي برقوق أحد أكثر السلاطين استخداما لباب زويلة، كموقع لتنفيذ أحكام إعدام المناوئين والخصوم، وكانت رؤوس هؤلاء تدلى من فوق الباب ليراها كُل عابر حتى تتآكل تماما.

باب المشانق ومن يتولى الضرائب
باب المشانق ومن يتولى الضرائب

قُتل الكثير من المجرمين واللصوص في أوقات المجاعات وعلقت أجسادهم بين برجي الباب ليكونوا عبرة وعظة لمن تسوّل له نفسه تكرار أفعالهم. كما تم إعدام الكثير من المُتهمين بالخيانة في المكان ذاته.

باب زويلة، أحد ثلاثة أبواب للقاهرة الفاطمية والذي أنشئ سنة 485 هجرية (1092 ميلادية) مازال محط اهتمام زوّار وباحثين أجانب باعتباره الأروع في البناء والأعظم التصاقا بحكايا التاريخ.

تذكر كُتب التاريخ أن الباب اكتسب اسمه ـزويلةـ من إحدى قبائل البربر القادمة من شمال أفريقيا مع القائد جوهر الصقلي، وزير الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، والذي غزا مصر في القرن الحادي عشر وأنشأ القاهرة واتخذها مقراً لحكم دولته.

يطُل الباب على الناحية الجنوبية للقاهرة الفاطمية من الداخل، حيث شارع الخيامية الذي يمتد مُزدحما بمحلات الخيام والمفروشات الخاصة بها والسجاد والملابس، متضمنا عدة مبان أثرية، أبرزها مجموعة السلطان قلاوون، ومدرسة الغوري، ومسجد الفكهاني، ويمتد الطريق حتى شارع الأزهر، ويوجد على اليمين الجامع الأزهر. ومن الخارج يطل الباب على شارع الدرب الأحمر الذي يمتد يمينا حتى منطقة باب الخلق، ويسارا حتى ميدان الرميلة.

عزت التلباني، أحد سكان شارع الدرب الأحمر القدامى، قال لـ”العرب”، “يعرف الجميع أن هذه المنطقة من أعظم مناطق التاريخ الإسلامي حيث شهدت وقائع عديدة غيّرت مجرى التاريخ الحديث”.

يبلغ التلباني 75 عاما، وهو موظف على المعاش، غير أنه يعلم جيدا أن باب زويلة شهد إعدام الكثير من الأمراء والقادة وأصحاب السطوة والنفوذ. يذكر الرجل أن شارع الدرب الأحمر الذي يطل عليه باب زويلة سُمي بهذا الاسم بسبب كثرة الدماء التي سالت فيه خلال حروب المماليك الداخلية طلباً للحكم.

ويقول إن حكايات مذبحة القلعة التي قام بها محمد علي والي مصر(1805ـ1848) ضد المماليك مازالت تروى كحكاية متوارثة، حيث دعا الوالي أمراء المماليك في مارس 1811 إلى مأدبة غداء ثُم أمر رجاله بقتلهم جميعاً، فقتلوا نحو ألف مملوك، وسالت الدماء هابطة من طريق الرميلة إلى القلعة لتتجمع في الشارع الذي أطلق عليه في ما بعد الدرب الأحمر.

يمتد الباب بارتفاع 25 متراً على هيئة مستطيل يعلوه قوس مُدرج ثلاث درجات وعلى الجانبين قواعد بُرجين يحليهما قوسين مُتقابلين. يوجد أعلى الباب طابق مسقوف تطل منه شُرفة مُتسعة يُمكن للواقف فيها مُشاهدة القادمين إلى المدينة من مسافات بعيدة. ويتخلل البرجين مزاغل مُستطيلة تتسع من الداخل وتضيق من الخارج لإلقاء السهام على الأعداء.

عبر الزمن تبدلت قصص وأساطير باب زويلة، وأطلق عليه العامة بوابة المتولي. ويختلف الناس حول أساس تلك التسمية، ويشير البعض إلى أنها نسبة إلى قطب الصوفية المتولي وهو في اعتقاد الحركات الصوفية التي سادت مصر خلال العصر المملوكي والعثماني عبارة عن روح خارقة لأحد أولياء الله الصالحين.

العامة يتبركون بالبوابة الأجمل في العاصمة المصرية
العامة يتبركون بالبوابة الأجمل في العاصمة المصرية

ويعتقد الناس أنه يسكن الجانب الأيمن للباب وظلوا يلجأون إليه على مدى قرون طلبا للإنصاف أو تخليصهم من مخاوفهم ورفع الظلم عنهم. لذا لم يكُن غريباً أن نرى ضمن مُلحقات الباب من الداخل المئات من الأسنان والضروس البشرية التي تعود لقرون مضت، حيث علقها الناس بين الضلوع الخشبية للباب طلباً لأمنية، فضلا عن مسامير غُرست بنوايا أمنيات لأصحاب الحاجات.

أكدت أميرة حسن، مُفتشة آثار إسلامية بالمنطقة، لـ”العرب”، أن سبب تسمية المتولي لا تعود لتلك الفكرة الشعبية فقط، إنما لأن متولي الحسبة في زمن المماليك كان يجلس في مقعد على يمين الباب، وكان يتولى تقدير الضرائب المقررة على السلع الداخلة إلى القاهرة كل يوم. فضلا أنه كان مشرفاً على تنفيذ الأحكام على المُجرمين واللصوص والخارجين عن القانون.

وتشير إلى أن حفائر عديدة جرت حول البوابة كشفت جانبا من تاريخه، وتعود الأرضية إلى تاريخ الإنشاء سنة 1092 ميلادية، وفيها بلاطات عليها نقوش فرعونية تؤكد استخدام حجارة آثار مصرية قديمة في بناء الباب.

في زمن السلطان الأيوبي الكامل، نجل صلاح الدين، أضيفت أرضيات أخرى ووضعت آلية لتشغيل الباب تعتمد على عتبة جرانيتية ومحور ارتكاز معدني. ويوجد إلى جوار الباب حوض سقاية للدواب يعود للقرن الثاني عشر الميلادي.

تصوير: محمـد حسنين

20