باب ما جاء في نصائح الحمار

الخميس 2013/12/26

زعموا أنّ حمارا لقيَ سبعا في أحد الأدغال، فحيّاه ثم قال له: أمهلني أيّها السّبع الورع لكي أمنحك نصحا يجلب لك الخير طول الدّهر ويدفع عنك الضرر إلى آخر العمر، مقابل أن تمنحني الأمن والأمان. وبعد تردّد وتذبذب، ردّ السبع فقال: لك ما تطلبه أيها الحمار الثرثار.

فقال الحمار: انظر أيّها السبُع الورع إلى مصيرك ومصير قومك من أبناء جلدتك، فقد فتك الإنسان بكل سباع البرية، ولم تنج منكم إلاّ أقلية باقية.

وزحف أهل المدينة على بقاعكم، واكتسحوا أصقاعكم، وما تركوا لكم سوى القليل من الأدغال، هم مدركوها لا محالة، فعجّل بالنجاة من الهلاك، واتخذ رأيا سديدا تضمن به لنفسك البقاء، وتأمن لنسلك النجاة من الفناء. فردّ السبُع الحيران: ما عساني أفعل أيّها الحمار غريب الأطوار؟

أجاب الحمار: تقوم بعمل جليل، به يُخلّد ذكرك ويُذكر اسمك ويدوم أثرك من جيل إلى جيل، وذلك بأن تبرم اتفاق سلام دائم مع الإنسان. على أن تشرع منذ الآن في إبداء حسن النوايا، فتُظهر صفاء نيتك ونقاء سريرتك وجلاء طويتك، ولا بأس أن تكفّ عن الزئير، وترضى بطعام الشعير، والأجدر أن تشذب مخالبك، وتهدب أنيابك؛ لأنها تشوه سمعتك وتفسد خلقتك.

وخليق بك أن تستعدّ لخدمة الإنسان، فتلاعب الصبيان وتؤنس النسوان وقد تمثل دور البهلوان، وفي كل الأحوال، تطيع البشر في العسر واليسر، وتنقاد لصاحبك انقياد العبد لسيده، والمُريد لشيخه، والأعمى لقائده. وبهذا تضمن نجاتك من الهلاك وخلاصك من الفناء.

وقد قيل قديما: حياة الفئران خير من موت الفرسان.

وبعد أن أنهى الحمار هذا الحوار، همس في أذن السبُع المحتار، فقال: دعني أيّها السبع اللبيب أخبرك بسِرٍّ عجيب، فقد كنتُ سبُعا مثلك أجول الأدغال وأقتحم الأهوال، لكن، لأنّ الله حباني ببُعد نظر ورُجحان، أصبحتُ حمارا كما تراني.

23