باتريس ليكونت مخرج الوحدة والغرابة والخوف من المجهول

الأحد 2015/04/26
باتريس ليكونت شاعر السينما الفرنسية من دون ادعاء ولا تصنع

أخيرا يتمكن المخرج الفرنسي باتريس ليكونت من الخروج من تحت عباءة “الفيلم الفني” ليحقق أكبر نجاح عرفه، ربما في تاريخه كله، مع فيلمه الجديد “الرجاء عدم الإزعاج”. فقد حقق الفيلم نحو أكثر من خمسة ملايين دولار من عرضه خلال عطلتين من عطل نهاية الأسبوع، بعد أن بلغ عدد الذين شاهدوه خلال أسبوعين نحو 700 ألف متفرج.

الفيلم من بطولة كريستيان كلافييه وكارول بوكيه وفاليري بونيتو، وتدور أحداثه في يوم واحد حيث يقوم كلافييه بدور طبيب أسنان في الستينات من عمره، مغرم بموسيقى الجاز، يعثر ذات يوم على ألبوم لفرقة أميركية من الخمسينات بعنوان “أنا ونفسي وأنا”، يتوجه إلى منزله الباريسي راغبا في أن يخلو إلى نفسه، لكي يفض الغلاف عن الكنز الذي عثر عليه، ويستمع للموسيقى التي يحبها، لكن الأمور كلها تتعقد وتنقلب الدنيا فوق رأسه، فزوجته تعترف له بأنها كانت تخونه، وعشيقته تريد أن تناقش مستقبل علاقتهما، وبالتالي يصبح ابنه محل شك، فهو قد لا يكون ابنه، وفي الوقت نفسه، هناك سباك يعمل في إصلاح الحمام، وجار ملحاح يريد أن يأخذ رأيه في حفل سيقيمه في المساء، ولا تكف الخادمة الأسبانية عن اقتحام غرفته لسبب أو دون سبب، وكلها عوامل تضغط على الرجل وتدفعه للانفجار.

لم يجد كثير من النقاد هذا الفيلم الكوميدي مثيرا للاهتمام كما كانت أفلام ليكونت السابقة التي كانت سببا قي شهرته، خصوصا فيلم “السيد إيير” (1989) وفيلم “زوج حلاقة الشعر” (1990). بل إن فيلمه “وعد” A Promise عام 2013 كان أكثر طموحا وتماسكا. إنه عمل “كلاسيكي”، يرتبط من ناحية الأسلوب، بالسينما الكلاسيكية القديمة، سواء في طريقة البناء والسرد أو تطور الأحداث، كما يتمتع بإيقاع هادئ رصين، ويعتمد على التمثيل، وعلى محاكاة الأجواء التي كانت سائدة في أوائل القرن العشرين.

يروي الفيلم قصة حب تدور في ألمانيا تبدأ عام 1912، ثم تواجه الكثير من العقبات، بين شاب يعمل لحساب رجل من رجال الصناعة، وزوجة هذا الرجل تصغره كثيرا في العمر. الزوج يمدّ يد المساعدة للشاب الطموح وينتشله من حياة الفقر، ويرقيه في المناصب إلى أن يجعله ساعده الأيمن، أي المدير التنفيذي للشركة، بل ويخصص له أيضا جناحا كاملا داخل منزله حتى يمكنه العمل في هدوء بالقرب من مقر الشركة.

الزوجة الشابة التي كانت قد اضطرت للزواج من الرجل بعد أن أنقذ عائلتها من الإفلاس عقب وفاة عائلها، أنجبت منه ابنا أصبح الآن في العاشرة من عمره، وتقع في غرام المدير الشاب لكنها تكتم مشاعرها، وتكبت عواطفها، وتمتنع عن خيانة زوجها معه، لتظل العلاقة بينهما علاقة رومانسية بريئة، يعلم بها الزوج ولكنه يصمت، إلى أن يأتي يوم ويطلب من الشاب مغادرة ألمانيا إلى فرع الشركة في المكسيك.

عذاب الحب والوحدة والخوف من القادم المجهول، “ثيمات” مألوفة في سينما ليكونت الذي ولد عام 1947، وبدأ اهتمامه بالسينما مبكرا ثم درس الإخراج في معهد الدراسات السينمائية العليا بباريس

بعد تردد، يسافر الشاب، وتشعر المرأة بالألم لفراقه. ثم تنشب الحرب العالمية الأولى، ويعجز الحبيب عن العودة بسبب انقطاع المواصلات. ويعترف الزوج المريض لزوجته وهو على فراش المرض، بأنه كان يحاول التقريب بينهما، غير أنه قرر إبعاد الشاب عنها بعد أن وجد أنها تحبه أكثر منه.

وبعد وفاة الزوج تكتب المرأة رسائل عدة لحبيبها لكنه لا يستلم منها شيئا إلا أنه يعود بعد غياب ثماني سنوات. كتب سيناريو الفيلم جيروم تونير، عن رواية للكاتب النمساوي ستيفان زفايج. ويتميز الفيلم، بسيطرة ليكونت الكبيرة على الإخراج: تكوين اللقطات، الاهتمام الكبير بالإضاءة الطبيعية، حركة الكاميرا المحسوبة بدقة، تصميم الملابس الذي يراعي بشكل مدهش كل تفاصيل الفترة، اختيار مواقع التصوير، الموسيقى التي تلعب دورا في تأجيج العاطفة التي تبقى رغم ذلك مكتومة.

الوحدة والخوف

عذاب الحب والوحدة والخوف من القادم المجهول، “ثيمات” مألوفة في سينما ليكونت الذي ولد عام 1947، وبدأ اهتمامه بالسينما مبكرا ثم درس الإخراج في معهد الدراسات السينمائية العليا بباريس.

وقد أخرج حتى الآن 38 فيلما، ما بين قصير وطويل، تسجيلي وروائي، للسينما وللتلفزيون. وجاء أول أفلامه الروائية عام 1976 وهو فيلم “المراحيض مغلقة من الداخل”، إلا أن شهرته العالمية جاءت مع عرض فيلم “السيد إيير” (1989).

“السيد إيير” مأخوذ من رواية للكاتب البلجيكي جورج سيمنون الذي تخصص في الروايات البوليسية، روايات الجرائم الغامضة. الفيلم يبدأ بوقوع جريمة قتل عند اكتشاف ضابط الشرطة لجثة فتاة شابة بالقرب من المنزل، الذي يقيم فيه ذلك الرجل الغامض المدعو “مسيو إيير”، لكن ليكونت لا يهتم بالجانب البوليسي، بل بالتكوين الشخصي لبطله وما يتعين على المرء أن يدفعه نتيجة حساسيته الخاصة، واختلافه عن الآخرين.

هذا رجل أربعيني، “غريب الأطوار” من وجهة نظر الآخرين، أعزب، ليس له أصدقاء، يتوجس منه الجيران وينظرون إليه بريبة بسبب عزلته وصمته. تتعلق أنظاره بل وحواسه بجارته الفتاة الشابة “أليس″ التي تقيم في الشقة المقابلة له، يتطلع إليها ويراقبها من خلال نافذة شقته، يرصد كل حركاتها وسكناتها، ويشاهدها وهي تآكل وتشرب، وتلهو، وتكوي ملابسها، وتمارس الجنس مع خطيبها الشاب.

بطل "زوج حلاقة الشعر" يحقق حلم طفولته بالزواج من الحلاقة الحسناء

وذات ليلة تكتشف هي أنه يراقبها، فتدبر حيلة لمصادفته على سلم منزله تجعلها تلتقي به وجها لوجه، ثم تزوره في مسكنه وتتودد إليه، لكنه يبدو عازفا عن إقامة أي علاقة جسدية معها مكتفيا بتشمم رائحة عطرها بعد أن تغادر، بل أنه يبدو أيضا متشككا في سبب تقربها منه على هذا النحو المفاجئ، هل تحاول التستر على صديقها الذي يعتقد أنه القاتل؟ وذات مرة يسألها مباشرة: هل من الممكن أن تحبي رجلين في آن؟ هذه العلاقة الغريبة ستتطور بالطبع، وعندما يقرر صاحبنا التخلي عن تشككه وحذره وابتعاده التقليدي عن الآخرين، ويتمادى في التعبير عن مشاعره، هنا تكون نهايته غير المتوقعة.

دراسة الشخصية

ليكونت يحوّل قصة بوليسية إلى دراسة لشخصية رجل عاجز عن إقامة علاقات “طبيعية” مع الآخرين بل ومع المرأة بوجه خاص، إن رغبته المستبدة تسيطر على خياله، فتجعله عاجزا عن التعامل مع الجسد الأنثوي في الواقع. ماذا يمكن أن يفعل مع “أليس″، تلك الفتاة التي دمرت كل قناعاته السابقة عن المرأة، وجعلته يتخلى أخيرا عن معاشرة المحترفات في بيوت الهوى كما اعتاد، توقف عن ممارسة عمله، تحمل في هدوء الاستجوابات المفاجئة من جانب مفتش الشرطة، بل وأصبح يتستر بإرادته على جريمة القتل التي يعرف يقينا مرتكبها، لكي لا يضحي بأليس، التي لا بدّ أنها ستتورط في القضية. ثم يعرض عليها الذهاب للعيش معه في منزل صغير يمتلكه في سويسرا لكن كل شيء ينقلب رأسا على عقب في اللحظة التي يتخيل هو أن حلمه المستحيل قد أصبح قريبا من التحقق أخيرا.

من أفضل مشاهد الفيلم المشهد الذي نرى فيه أليس وهي تحاول لفت نظر مسيو إيير على السلم، عندما تسقط حبات الطماطم ثم تنحني لكي تجمعها واحدة واحدة بطريقة تكشف عن مفاتنها أمامه فتصيبه بالاضطراب. مشهد يستخدم الصورة المجازية للتعبير عن الرغبة المكبوتة والإثارة.

ويستخدم ليكونت الموسيقى العربية كمعادل للرغبة في التحرر والانطلاق، كما يستخدم حركة الكاميرا البطيئة التي تبدو كما لو كانت تتسلل، وتراقب، فكما أن الفيلم عن العزلة والكبت والجريمة الغامضة، هو أيضا فيلم عن “التلصص”، عن النظرات المختلسة، عن عدم القدرة على المواجهة المباشرة.

الشعر والموت

في فيلم “زوج حلاقة الشعر” (1990) يمد ليكونت تجربته على استقامتها ويعمقها أكثر. هذا أيضا فيلم عن الحلم المستحيل بتحقيق السعادة الأبدية، عن تلك الرغبة القديمة الكامنة داخل كل منا لبلوغ السعادة المطلقة التي لا يقف أمامها ولا حتى الموت. يبدأ الفيلم في الزمن المضارع، وبطل الفيلم “أنطوان” يسترجع مسار حياته بعد أن بلغ خريف العمر.

فيلم"الرجاء عدم الإزعاج" حقق أكبر نجاح جماهيري عرفه ليكونت في تاريخه الفني
في لقطات قريبة يتحدث مباشرة إلينا بينما ينفث دخان السجائر واحدة تلو الأخرى، ويعود بذاكرته إلى طفولته، عندما كان يقضي العطلة الصيفية مع أصدقائه على شاطئ البحر، ثم يحدثنا عن هواياته المفضلة: الرقص على أنغام الموسيقى العربية، ثم التردد على محل الحلاقة في بلدته الصغيرة، لقص شعره مبديا اهتماما غريبا بالمرأة حلاقة الشعر، وهي تداعب خصلات شعره بأناملها التي يصف لنا كيف كان يشعر أن لها سحرا لا يقاوم.

يحكي أنطوان كثيرا عن ولعه بحلاّقة الشعر، وكيف كان يستمتع بتشمم رائحة عطرها، وكيف كانت هي المفجر الأول لرغباته الحسية، وظلت بالتالي نموذجه للأنوثة.

وبعد 25 عاما من البحث عن فتاة أحلامه، تقع أنظار أنطوان (جان روشفور في أداء عبقري) على “ماتيلدا” حلاقة الشعر، فيتقدم ويقتحم محل الحلاقة الذي تعمل به، ويطلب منها قص شعره، ثم يسرح بخياله متأملا في جمال وجهها، وابتسامتها الساحرة، وجسدها النحيل الرشيق.
وفجأة يتطلع إليها ويعرض عليها أن تتزوجه. تتراجع المرأة في دهشة وتصمت، ويخرج هو متعثرا مرتبكا، ثم يعود قبل مرور أسبوعين، لكي تفاجئه بأنها قبلت عرضه للزواج. ويتزوج الاثنان في محل الحلاقة، وتبدأ بعد ذلك رحلة الزوجين للبحث عن السعادة.

يعيشان معا عشر سنوات، يتذوقان خلالها طعم الحب والسعادة كأجمل ما يكون، وتكاد حياتهما تنغلق تماما على محل الحلاقة، فهو يصبح عالمهما الخاص، لكن قسوة الزمن وفكرة النهايات بالموت تسيطر عليهما دون أي حديث مباشر في الموضوع.

تزور ماتيلدا صاحب محل الحلاقة الأصلي في دار المسنين، فتعرف أنه ترك لها دكان الحلاقة مفضلا العيش هناك بإرادته في انتظار الموت القادم، ومن خلال بعض التفاصيل والشخصيات الأخرى، تترسخ فكرة الفراق المحتوم بين البشر وانعدام القدرة على مواصلة السعادة في الحياة.. إلى أن يأتي الفراق بالموت اختيارا، فماتيلدا لا تعود أبدا إلى أنطوان بل تفضل الانتحار وهي في قمة الشعور بالسعادة.

يروي المخرج لوكونت هذه القصة الرومانسية الرقيقة بلغة أقرب الى الشعر، فهو لا يشرح ولا يفسر، لا يستطرد ولا يستخدم الحوارات الطويلة المرهقة، وإنما يحيط شخصيات فيلمه بهالة من الغموض المقصود، كما لو كان يمنحها بعدا رمزيا أسطوريا.

ويلعب شريط الصوت دورا في إثراء الفيلم، وكما كانت الموسيقى العربية معبرا عن التحرر في “السيد إيير” هنا أيضا يستخدم ليكونت مزيجا من الغناء من مصر وتونس والمغرب واليمن، للتعبير عن لحظات التحرر والمرح والانطلاق. وتتكرر فكرة ولع الرجل بتشمم عطر المرأة، وفكرة البحث عن السعادة المستحيلة الدائمة، وفي كلا الفيلمين يقع الفراق بالموت. وهذه الفكرة المغرقة في رومانسيتها الحزينة، هي “الموتيفة” التي تدور حولها معظم أفلام باتريس ليكونت.

16